مقالةمقالة

في اقليم كوردستان… حيث لا شيء يُدار بشكل كامل ولا شيء يُترك بشكل كامل، وُلد نموذج إداري جديد يمكن تسميته “الحضور الغائب”.

وزارة التعليم العالي قالت كلمتها بوضوح "عودوا إلى الجامعات" كأن المعرفة لم تُصاب بالذعر وكأن القاعات محصّنة ضد القلق. قرار حاسم يشبه إعلان بدء مسرحية… لكن نصف الممثلين لم يصلوا بعد.

أما وزارة التربية فاختارت أن تكتب نصاً مختلفاً تماماً. قالت للطلاب "أنتم أحرار احضروا أو لا تحضروا، املؤوا استمارة واتركوا الباقي على الله أو على الإنترنت". الغياب ليس غياباً والحضور ليس حضورا وكل شيء معلق بين “نعم” و”لا” كأننا في درس فلسفة لا في يوم دراسي.

لكن وسط هذا المشهد العبثي يقف "المعلم" ذلك الكائن الذي لم يُستشر ولم يُعفَ ولم يُمنح حتى حق الحيرة. يُطلب منه أن يكون حاضراً وأن يشرح و يبتسم وأن يتصرف وكأن الأمور طبيعية… بينما كل شيء حوله يقول عكس ذلك.

المعلم الذي يُفترض أن يكون مصدر الأمان أصبح هو نفسه يبحث عنه.

فإذا وقع ما لا يُحمد عقباه "لا سمح الله" من سيكون المسؤول؟
هل هي الوزارة التي قالت “عودوا”؟
أم الوزارة التي قالت “أنتم أحرار”؟
أم ولي الأمر الذي وقّع إلكترونياً؟
أم الطالب الذي لم يأتِ أصلاً؟
أم المعلم… لأنه كان هناك في المكان الخطأ وفي الوقت الذي قرر فيه الجميع أن لا يقرروا؟

إنها تراجيديا القرار المنقسم… حيث تتوزع المسؤولية حتى تختفي وتُمنح الحرية حتى تتحول إلى عبء ويُترك الإنسان وحيدا في مواجهة “نظام” لا يعترف به كاملاً ولا يتخلى عنه كاملاً.

في اقليم كوردستان اليوم يبدو أن الخطر ليس في القرار بل في نصف القرار.
ليس في الغياب بل في الحضور الذي لا يحمي.
وليس في السؤال بل في غياب من يجرؤ على الإجابة.


حفظ الله كردستان…
من قرارات تُكتب بالحبر
لكن تُنفذ بالممحاة

اقرأ المزيد

تسمية المطارات في العالم ليست مجرد إجراء إداري أو خيار بروتوكولي عابر، بل هي فعل رمزي عميق تختزن فيه الدول سرديتها الوطنية، وتقدم عبره شخصياتها الجامعة بوصفها علامات دالة على تاريخها السياسي والأخلاقي. ففي مدن العالم، تحمل المطارات أسماء قادة تركوا بصمات حاسمة في بناء دولهم، مثل جون إف كينيدي في نيويورك، وشارل ديغول في باريس.

كما يحمل مطار نيلسون مانديلا الدولي في كيب تاون، عاصمة جنوب أفريقيا، اسم أحد أبرز رموز النضال الإنساني، بل إن اسم مانديلا لم يقتصر على جنوب أفريقيا، إذ يوجد مطار آخر باسمه في عاصمة دولة الرأس الأخضر. وفي هذا السياق، تأتي تسمية مطار السليمانية الدولي باسم مطار جلال طالباني الدولي بوصفها خطوة ذات دلالات سياسية ووطنية تتجاوز الإطار المحلي إلى المعنى العراقي الأوسع.

إن هذه التسمية لا يمكن اختزالها في بعدها الحزبي، ولا قراءتها ضمن حدود الانتماء التنظيمي، فشخصية جلال طالباني (مام جلال) تجاوزت، خلال مسيرتها الطويلة، تعريفات الحزب والإطار الضيق، لتتحول إلى رمز وطني عراقي جامع. ولعل وصفه من قبل مرجعيات دينية وسياسية متعددة، داخل العراق وخارجه، بـ”صمام أمان العراق”، لم يكن توصيفا مجازيا، بل تعبيرا عن دور فعلي مارسه في أكثر مراحل البلاد تعقيدا واضطرابا.

لقد ارتبط اسم مام جلال بمحطات مفصلية في تاريخ العراق الحديث، بدءا من نضاله المبكر دفاعا عن الحقوق القومية للشعب الكردي، مرورا بإسهامه في صياغة مشروع ديمقراطي عراقي يقوم على التعددية السياسية، وصولا إلى دوره المحوري في ترسيخ مبادئ الدستور العراقي بعد عام 2003. فقد كان من أبرز المدافعين عن بناء دولة تقوم على المواطنة، واستقلال القضاء، وفصل السلطات، وتكريس النظام الفيدرالي بوصفه إطارا دستوريا ضامنا لحقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها حقوق إقليم كردستان.

الأهمية الأعمق لشخصية مام جلال لا تكمن فقط في مواقفه السياسية أو إنجازاته الدستورية، بل في قدرته الاستثنائية على لعب دور الوسيط الجامع بين الأطراف المتنازعة. فالجميع على دراية بأنه، في ذروة لحظات الاحتقان الطائفي والسياسي، كان حضوره بمثابة عامل توازن، يسهم في تهدئة الأزمات ومنع انزلاق البلاد نحو صراعات داخلية مفتوحة. وقد مارس، بحق، دورا أبويا في إدارة الخلافات، مستندا إلى حنكته السياسية ورصيد من الثقة المتبادلة مع مختلف القوى العراقية، ما جعله أحد أبرز الضامنين لوحدة العراق الوطنية في مرحلة ما بعد التغيير.

ومن هنا، فإن إطلاق اسمه على مطار السليمانية الدولي يحمل رسالة وفاء لذاكرة نضالية حافلة، وتأكيد على نموذج سياسي يحتاجه العراق في حاضره ومستقبله. ولكن مع ذلك، فإن من المشروع طرح تساؤل وطني أوسع: ألم يكن من الأجدر أن يحمل مطار بغداد الدولي اسم جلال طالباني؟ فالشخصية التي وُصفت من قبل المرجعيات والسياسيين والمثقفين بأنها “صمام أمان العراق”، تستحق – بما قدمته للعراق كله – أن يرتبط اسمها بعاصمة البلاد، لا بمدينة واحدة. لأنه كان رئيسا يليق بالعراق، جامعا لا مفرقا، ورمزا يمكن أن يكون اسمه مصدر فخر لأي مؤسسة سيادية، سواء في بغداد أو في إقليم كردستان.

ومع ذلك، فإن تسمية مطار السليمانية باسمه تظل خطوة ذات قيمة كبيرة، تعكس تقديرا مستحقا، وتؤسس لثقافة تكريم الرموز الوطنية في الفضاء العام. فالمطار، بوصفه بوابة المدينة إلى العالم، لا يستقبل المسافرين فحسب، بل يقدم أيضا رواية عن هوية المكان وقيمه، وعن الشخصيات التي ساهمت في تشكيل ملامحه.

إن مطار جلال طالباني الدولي ليس مجرد اسم جديد على لافتة، بل هو عنوان لمرحلة، واختزال لمسيرة، ورسالة سياسية مفادها أن العراق، بكل تنوعه، قادر على إنتاج شخصيات جامعة تتجاوز الانقسامات، وتؤسس لمعنى الدولة بوصفها إطارا مشتركا للجميع.

وفي زمن تتكاثر فيه عوامل الانقسام، تبدو مثل هذه الرموز ضرورة وطنية، لا ترفا سياسيا؛ فالأمم التي تكرم شخصياتها الجامعة، إنما تعيد إنتاج قيمها، وتمنح ذاكرتها بعدا حيا في الحاضر، وتفتح في الوقت ذاته أفقا لمستقبل أكثر توازنا واستقرارا.

فألف تحية واعتزاز لروح مام جلال الطاهرة، ولمآثره الوطنية التي ستبقى حاضرة في وجدان العراقيين، وتحية تقدير لكل من ساهم في إنجاز هذه التسمية، وفي مقدمتهم مؤسسة الرئيس جلال طالباني، ومؤسسات الدولة العراقية الاتحادية التي خطت بهذه الخطوة لترسيخ ثقافة الوفاء لرموزها الجامعة.
ومبروك للسليمانية أيضا على هذا الاسم لمطارها الدولي وبوابتها على العالم.

اقرأ المزيد

لا تمثل ذكرى قصف مدينة حلبجة بالاسلحة الكيمياوية مجرد حادثة مأساوية في تاريخ العراق المعاصر، بل تعد واحدة من ابشع الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين في الشرق الاوسط خلال القرن العشرين. ففي السادس عشر من آذار 1988 استخدم النظام البائد  اسلحة كيمياوية محرمة دوليا ضد مدينة مأهولة بالسكان، ما ادى الى مقتل نحو خمسة آلاف مدني واصابة الآلاف خلال ساعات قليلة، في جريمة صنفت لاحقا ضمن جرائم الابادة الجماعية المرتبطة بحملات الانفال.

لكن مأساة حلبجة لا تكمن فقط في هول الجريمة، بل ايضا في الصمت الذي رافقها طويلا، خصوصا في الفضاء العربي، حيث لم تتحول تلك المأساة الى قضية رأي عام بحجمها الحقيقي، رغم انها شكلت صدمة انسانية للعالم كله. لقد كانت تلك الجريمة دليلا صارخا على مدى العنف الذي يمكن ان تبلغه الانظمة الاستبدادية عندما تتحول الدولة الى اداة للقمع والابادة.

لقد استهدفت حلبجة عمدا ضمن سياسة منظمة للقضاء على الوجود الكردي في مناطق واسعة من كردستان العراق. ولم يكن استخدام الاسلحة الكيمياوية مجرد قرار عسكري عابر، بل كان جزءا من استراتيجية ابادة اعتمدها النظام السابق في ما عرف بحملات الانفال، التي استهدفت القرى والمدن الكردية وادت الى مقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف.

واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الجريمة، ما يزال جرح حلبجة حاضرا في الذاكرة الوطنية الكردية، بوصفه شاهدا على مرحلة مظلمة من تاريخ العراق. ولن يندمل هذا الجرح بالكامل الا عندما يتحول الاعتراف بالمأساة الى سياسات حقيقية تعالج آثارها وتعيد الاعتبار لضحاياها.

وفي هذا السياق يكتسب قرار تحويل حلبجة الى محافظة عراقية دلالة تتجاوز البعد الاداري. فالعراق يضم العديد من الاقضية والنواحي التي تفوق حلبجة مساحة وسكانا، ومع ذلك لم تتحول الى محافظات. ولهذا فإن القرار يحمل معنى سياسيا ورمزيا عميقا، مفاده ان العراق الجديد يسعى الى الاعتراف بما جرى في حلبجة بوصفه جريمة كبرى في تاريخه الحديث، وان الدولة قررت تحويل هذا الاعتراف الى خطوة مؤسساتية تعكس اختلاف المرحلة الراهنة عن زمن الدكتاتورية.

إن تحويل حلبجة الى محافظة ليس مجرد اجراء تنظيمي، بل هو رسالة سياسية واخلاقية. رسالة الى مواطني كردستان بأن الدولة العراقية تعترف بآلامهم وبالتضحيات التي قدموها، ورسالة ايضا الى المجتمع العراقي كله بأن زمن الانكار والتجاهل قد انتهى، وان بناء دولة عادلة يمر عبر الاعتراف بالاخطاء التاريخية ومعالجتها بشجاعة.

غير ان الرمزية وحدها لا تكفي. فتحويل حلبجة الى محافظة يضع على عاتق الدولة العراقية مسؤوليات كبيرة، تبدأ بتخصيص ميزانيات تنموية تليق بما قدمته هذه المدينة من تضحيات، ولا تنتهي عند وضع خطط استراتيجية لاعمارها وتحويلها الى نموذج للتنمية والازدهار في كردستان والعراق.

كما ان هذا القرار يجب ان يكون جزءا من رؤية اوسع تقوم على احترام الحقوق الدستورية لاقليم كردستان، وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها تطبيق المادة 140 من الدستور، وتعزيز الشراكة الوطنية بوصفها اساس استقرار العراق.

كما ان العراق مدعو للعمل مع المجتمع الدولي من اجل اعتماد يوم قصف حلبجة بالاسلحة الكيمياوية يوما عالميا لمناهضة جرائم الابادة الجماعية، والسعي الى توسيع الاعتراف الدولي بجرائم الانفال وقصف حلبجة بوصفها جرائم ابادة جماعية مكتملة الاركان.

وعلى الصعيد الكردستاني، فان تضميد الجرح لا يتحقق فقط عبر الاعتراف الخارجي، بل يتطلب ايضا تعزيز وحدة الصف الكردي، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وبناء شراكة حقيقية في ادارة مؤسسات الاقليم، مع توحيد الخطاب والموقف في التعامل مع بغداد ضمن اطار الدستور والقانون.

إن حلبجة ليست مجرد مدينة في ذاكرة المأساة، بل يمكن ان تتحول الى رمز اخلاقي وسياسي لعراق مختلف، عراق يعترف بآلام ماضيه ليبني مستقبلا اكثر عدلا. فحين تتحول الذاكرة الى مسؤولية، وحين يصبح الاعتراف مقدمة للعدالة، عندها فقط يمكن القول إن جرح حلبجة بدأ يلتئم، وإن المأساة تحولت الى درس تاريخي يمنع تكرارها.

وفي هذا المعنى، تبقى حلبجة اختبارا دائما لضمير الدولة العراقية: هل تبقى مجرد ذكرى مؤلمة تستعاد كل عام، ام تتحول الى مشروع وطني للعدالة والاعتراف والانصاف؟

اقرأ المزيد

تمرُّ السياسة الدولية بمرحلة عدم اليقين والاضطراب التام، إذ إن التغيير في تصنيف الحلفاء والخصوم أصبح من سمات القوى الكبرى، وقد شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة واستراتيجيتها للأمن القومي تحولات كبيرة لم تكن معهودة في السنوات السابقة، فالأدوات والمناطق التي كانت تعدُّ من ثوابت (أسبقيات) السياسة الخارجية سابقاً، لم تعد تحتفظ بالقيمة نفسها اليوم.
فيما يخصُّ الشرق الأوسط، وكما ورد في الفقرة (د) من برامج استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، لم يعد الارث السابق قائما بعد مرور خمسين عاما، فقد غيرت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها الخارجية تجاه أوربا وتحالفها العسكري فيها بشكل كامل، وانسحبت من معظم المنظمات والتحالفات والاتفاقات التي كانت الدول تلتزم بها عن طريق المنظمات الدولية والإقليمية، وهي تسعى حاليا، الى حماية علاقاتها ومصالحها من خلال ضمان أمن بعض الدول التي ترغب في أن تشكل قوة إقليمية كبرى.
إن ديناميكية التغييرات في الشرق الأوسط سريعة، والمعادلات تتغير خلال فترة قصيرة، والمحورية الإقليمية هي سمة السياسة الدولية، والآن باتت سلسلة إعادة التموضع (التبدلات المحورية) واضحة، وهي بدورها تؤدي الى تغييرات جذرية في بنية المحورية الإقليمية.
وفي المرحلة الراهنة، بدأت ملامح ظهور تحالفات عسكرية وأمنية واقتصادية جديدة في الشرق الأوسط، وذلك أدى الى تغيير المعادلات السياسية والعسكرية، ولم تعد توازنات القوى على حالها الى حد كبير، إنه زمن إعادة التشكل وبناء الشراكات الجديدة على أساس المشاركة والتكامل وتحديد خريطة المصالح الموائمة للتغييرات الواقعية والعملية.
إن الولايات المتحدة، في تعاملها مع هذه التغييرات، وبدلا من بناء سياستها وفق تصنيفاتها المسبقة، تفتح الباب لاحتمال أن الحركة تجعل مصالحها في نهاية المطاف عرضة للمخاطر أم لا.
إن التغييرات في اليمن الصومال والسودان وسوريا، وكذلك التحولات في معادلة القوة في لبنان والمخاطر المحدقة بالعراق، تمثل مؤشرات واضحة على تعاظم معادلة إقليمية أخرى وترسخ مكانة وقوة فاعل إقليمي جديد، فإذا كانت دوافع أي طرف تتمثل في الطاقة والقوة الاقتصادية واشتداد تنافس القوى الكبرى، فإن أدوات هذه المنافسة تتمثل بصورة مباشرة في القوى الإقليمية نفسها. 
*هذا المقال هو افتتاحية العدد (4) من مجلة (الدراسات الاستراتيجية).

اقرأ المزيد

إن الجدل الذي أُثير مؤخراً بشأن تفسير المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 لا يمكن عزله عن السياق السياسي الدقيق الذي تمر به البلاد، في ظل استمرار إخفاق مجلس النواب في انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المدة الدستورية، وما ترتب على ذلك من تعطيل لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء.

غير أن القراءة الموضوعية للأزمة تكشف أن تعثر انتخاب رئيس الجمهورية لم يكن وليد خلاف بين الحزبين الكرديين فحسب، بل كان في جوهره نتيجة مباشرة لعدم اتفاق قوى «الإطار التنسيقي» على مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، قبل أن يتم ترشيح السيد نوري المالكي بأغلبية رؤساء القوى المنضوية في الإطار. وهو ما أضاف تعقيداً سياسياً جديداً إلى معادلة انتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم تشكيل الحكومة.

وفي خضم مشهد إقليمي شديد الحساسية، يتسم بتصاعد التوتر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يرافقه من تداعيات تمس الأمن الإقليمي ودول الجوار، جاء تصريح رئيس مجلس القضاء الأعلى بشأن “العدول” عن التفسير السابق للمادة (76) ليعيد فتح نقاش دستوري مؤجل، ولكن في توقيت سياسي بالغ الحساسية.

تنص الفقرة (أولاً) من المادة (76) على أن:

“يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”.

الإشكالية لا تكمن في وضوح النص، بل في تحديد المقصود بمصطلح «الكتلة النيابية الأكثر عدداً». فهل هي الكتلة التي فازت بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل داخل مجلس النواب بعد إعلان النتائج، وتُعلن رسمياً في الجلسة الأولى بوصفها الكتلة الأكبر عدداً؟.

من الناحية القانونية البحتة، لا يمكن اختزال التفسير الدستوري في قراءة حرفية معزولة عن طبيعة النظام السياسي، فالدستور العراقي لم يُنشئ نظاماً رئاسياً قائماً على حسم انتخابي مباشر للأغلبية الحاكمة، بل أرسى نظاماً برلمانياً تعددياً بطبيعة توافقية، ومن ثم فإن مفهوم «الكتلة الأكبر» يجب أن يُفهم في إطار آليات بناء الأغلبية البرلمانية، لا في إطار منطق الأغلبية العددية المسبقة.

وإذا كان المقصود بـ«الكتلة الفائزة» هو الكتلة الحاصلة على الأغلبية المطلقة (50% + 1) من مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 329 نائباً، أي 166 نائباً، فإن الواقع الانتخابي العراقي يثبت عدم تحقق هذا الرقم لأي كتلة منفردة في الدورات الأخيرة.

أما إذا كان المقصود هو الكتلة الحاصلة على أعلى عدد من المقاعد دون بلوغ الأغلبية المطلقة، فإن ذلك لا يغني عن ضرورة التحالف مع قوى أخرى لنيل الثقة البرلمانية، وهو ما يعيدنا إلى منطق الائتلافات بوصفه جزءاً أصيلاً من النظام البرلماني.

إن القول بأن التحالفات يجب أن تتشكل قبل الانتخابات، أو أن تشارك القوى السياسية في الانتخابات وهي متحالفة سلفاً حتى يُعتد بها بوصفها «الكتلة الأكبر»، يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل ينسجم هذا الطرح مع طبيعة الديمقراطية أو مع منطق النظام البرلماني؟

الإجابة، من منظور دستوري مقارن، هي بالنفي، فجوهر النظام البرلماني يقوم على حرية النواب والقوى السياسية في إعادة تشكيل الاصطفافات داخل البرلمان استناداً إلى النتائج المعلنة، وبما يعكس موازين القوى الحقيقية بعد الانتخابات، لا قبلها.

كما أن افتراض وجوب التحالف المسبق يُقيّد الإرادة السياسية ويصادر حق الكتل في التفاوض بعد الانتخابات، ويحوّل العملية الانتخابية إلى إطار جامد لا ينسجم مع الطبيعة التفاعلية للأنظمة البرلمانية، فالناخب في نظام تعددي يدرك أن تشكيل الحكومة يتم عبر مفاوضات وائتلافات لاحقة للانتخابات، وأن النتائج لا تُترجم حكماً إلى حكومة أحادية، بل إلى ترتيبات سياسية تُبنى داخل قبة البرلمان.

وبالتالي، إذا وُجد في النص الدستوري تعبير يحتمل أكثر من معنى، فإن التفسير الأصح هو ذلك الأقرب إلى واقع النظام السياسي الذي أرساه الدستور، لا التفسير الأقرب إلى مزاج سياسي أو ظرف مرحلي معيّن. فالتفسير الدستوري الرصين يجب أن يكون منسجماً مع البنية العامة للنظام، ومع فلسفته التوافقية التي شكّلت أساس العقد الدستوري العراقي.

إن التفسير الذي اعتمدته المحكمة الاتحادية العليا عام 2010 – والقاضي باعتبار الكتلة الأكبر هي التي تتشكل في الجلسة الأولى لمجلس النواب، سواء أكانت قائمة انتخابية واحدة أم تحالفاً نيابياً – لم يكن اجتهاداً منفصلاً عن النص، بل كان استجابة منطقية لطبيعة النظام البرلماني العراقي، وهو تفسير استقر عليه العمل السياسي والدستوري منذ ذلك التاريخ، دون أن يطرأ أي تعديل على شكل النظام السياسي أو بنيته الدستورية حتى يومنا هذا.

ومن ثم، فإن العدول عن تفسير مستقر دون تعديل دستوري صريح يغيّر طبيعة النظام أو يعيد تعريف مفهوم الأغلبية، قد يفتح الباب أمام اضطراب دستوري لا مبرر له، فالنظام السياسي ثابت من حيث بنيته منذ عام 2010 وحتى الآن، وأي تلاعب في تفسير قواعد تشكيل الحكومة قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد، بل إلى شلل أعمق في عملية تشكيل السلطة التنفيذية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أكبر قدر من الاستقرار المؤسسي.

إن الاجتهاد الدستوري، وإن كان قابلاً للمراجعة من حيث المبدأ، إلا أنه ليس أداة لإعادة هندسة التوازنات السياسية تبعاً للأزمات، بل هو ضمانة لترسيخ قواعد مستقرة تحكم التنافس السياسي ضمن إطار معلوم سلفاً، وأي تعديل في هذا المسار ينبغي أن يتم عبر تعديل دستوري واضح وصريح، لا عبر تبديل الاتجاه التفسيري في خضم نزاع سياسي.

إن الدستور ليس نصاً معزولاً عن الواقع، لكنه أيضاً ليس أداة لإعادة تشكيل الواقع وفق ضرورات آنية، وبين القراءة الحرفية الجامدة والتأويل السياسي المتعجل، يبقى التفسير المتوازن، المنسجم مع طبيعة النظام البرلماني التوافقي، هو الضمانة الحقيقية لصون الشرعية الدستورية وحماية الإرادة الشعبية، والحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.

اقرأ المزيد

يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة قد تستمر لسنوات قادمة، تتسم بتزايد الصراعات غير المباشرة، وتحولات داخلية في بنية الدول الإقليمية الكبرى. في قلب هذه التحولات تقف القضية الكوردية، ليس فقط بوصفها مسألة قومية تاريخية، بل كعنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والتوازن الإقليمي.

خلال السنوات الخمس المقبلة، ستتحدد مساحة الحركة الكوردية بقدر كبير وفق تطورات أربع ساحات رئيسية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، إضافة إلى شكل الحضور الدولي، وخصوصاً الأمريكي والاسرائيلي في المنطقة.

في تركيا، يعتبر الملف الكوردي من اكثر الدول تعقيدا نظرا للفكر العنصري والقومي التأريخي التي تسيطر على كافة المحاولات الداخلية والخارجية لوضع الحل والتفاهمات في القضية الكوردية. الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة قد تدفع أنقرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، سواء باتجاه تشديد القبضة الأمنية لتعزيز الاستقرار الداخلي، أو نحو مقاربات سياسية أكثر براغماتية لتخفيف الاحتقان. أي انفتاح سياسي، حتى وإن كان محدوداً، قد يخلق مساحة جديدة للنقاش حول الحقوق الثقافية والإدارية. أما في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، فقد يُعاد توظيف الملف الكردي ضمن مقاربة أمن قومي أكثر صرامة. وبالتالي فإن الاستراتيجية الكوردية الأكثر عقلانية في هذه الساحة تبقى قائمة على تقليل الاحتكاك المباشر، والتمسك بالسياسة الحالية.

في إيران، تبدو السنوات القادمة حاسمة. الحروب الاخيرة، الضغوط الاقتصادية والعقوبات، إضافة إلى التحولات الديموغرافية والاجتماعية داخل المجتمع الإيراني، قد تفتح المجال أمام مراجعات داخلية تدريجية. لكن في المقابل، قد تدفع التوترات مع الغرب طهران إلى تعزيز نهج أمني أكثر تشدداً في الأطراف القومية. المعارضة الكوردية الإيرانية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: أي اصطفاف علني مع محور خارجي قد يؤدي إلى تضييق داخلي واسع، بينما العمل التدريجي في إطار خطاب حقوقي وطني قد يمنحها شرعية أوسع داخل المجتمع الإيراني نفسه .

في العراق، يبقى إقليم كوردستان النموذج الأكثر رسوخاً من حيث الإدارة الذاتية. غير أن العلاقة بين أربيل وبغداد ستظل مرتبطة بملفات النفط والميزانية وصلاحيات الإقليم. إذا نجح العراق في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والاقتصادي، فقد تتجه العلاقة نحو صيغة أكثر وضوحاً في تقاسم الصلاحيات. أما إذا عاد التوتر الداخلي، فقد يتعرض الإقليم لضغوط مالية وسياسية. في هذا السياق، فإن تعزيز الشفافية المؤسسية، وتنويع الاقتصاد، وتخفيف الاعتماد الأحادي على النفط، تمثل عناصر حاسمة لتحصين التجربة.

أما في سوريا، فإن المسار مرهون بطبيعة التسوية السياسية الشاملة إن وُجدت. في حال تم التوصل إلى صيغة حكم لامركزي موسع، فقد تجد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا موقعاً دستورياً معترفاً به. أما في حال استمرار الجمود أو عودة التصعيد، فسيبقى الوضع هشاً ومعرضاً للمساومات الإقليمية. التحدي الكوردي هنا يتمثل في الحفاظ على التوازن بين القوى الدولية الفاعلة دون التحول إلى أداة صراع بينها.

على المستوى الدولي، سيظل الدور الأمريكي عاملاً مؤثراً، سواء في إطار مكافحة الإرهاب أو في إدارة التوازن مع إيران وروسيا. التجربة أظهرت أن الإدارات الأمريكية، بما فيها إدارة دونالد ترمب تتعامل مع الملف الكوردي من زاوية المصالح الأمنية لا من زاوية الالتزام التاريخي. التواصل مع قيادات كوردية مثل بافل طالباني و مسعود بارزاني يعكس اعترافاً بالدور، لكنه لا يشكل ضمانة استراتيجية طويلة الأمد. لذلك فإن المبالغة في التعويل على أي إدارة خارجية قد تضعف القدرة على المناورة الذاتية.

السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال السنوات الخمس القادمة هو استمرار حالة السيولة الإقليمية دون حسم نهائي. وهذا يمنح الكورد فرصة، ولكن ضمن هامش محسوب. فغياب الحسم يعني تعدد مراكز القرار، ويعني أيضاً أن أي خطأ في التموضع قد يكون مكلفاً.

في هذا السياق، يبدو خيار الحياد الإيجابي أكثر اتساقاً مع المعطيات. عدم الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة، يسمح بتحويل المناطق الكوردية إلى مساحات استقرار نسبي في محيط مضطرب. هذا الاستقرار بحد ذاته قد يصبح ورقة قوة تفاوضية، خصوصاً إذا اقترن بإدارة رشيدة واقتصاد متماسك.

القضية الكوردية في أفق السنوات القادمة لن تُحسم عبر إعلان سياسي كبير أو مواجهة عسكرية فاصلة. ما سيحدد مسارها هو قدرة الفاعلين الكورد على قراءة موازين القوى بدقة، وتفادي الاستقطابات الحادة، والاستثمار في الداخل بقدر الاستثمار في العلاقات الخارجية. السلام هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل أداة استراتيجية تمنع الاستنزاف وتمنح الوقت.

اقرأ المزيد

المرافعة لم تكن مجرد دفاع عن كركوك، بل دفاع عن فكرة العراق نفسها

ليست كل الخطب التي تلقى في اللحظات المفصلية تاريخية بالمعنى العميق للكلمة، فالتاريخية لا تمنح للخطابات والمداخلات والبيانات لمجرد صدورها في توقيت حساس، بل تكتسب حين تصاغ السياسة بوصفها معرفة، وتدعم المواقف بالوثيقة والخريطة والمصدر، وحين يتحول الخطاب من انفعال سياسي الى حجة مؤسسة على وقائع لا تقبل الانكار.

بهذا المعنى، جاءت مرافعة الرئيس الراحل مام جلال ة امام مجلس الحكم العراقي في التاسع من شباط 2004 مرافعة تاريخية مكتملة الاركان، لا لكونها دفاعا عن قضية كردية فحسب، بل لانها اعادت تعريف اسس بناء الدولة العراقية نفسها، وربطت وحدة العراق باحترام شروط تاسيسه، لا بتجاهلها.

ان الظرف الذي القيت فيه المرافعة لا يقل اهمية عن مضمونها،ففي مرحلة ما بعد 2003، كانت هناك تفاهمات واضحة داخل مؤتمرات المعارضة العراقية، من فيننا الى صلاح الدين ولندن ،اقرت التوجه الكوردي باختيار الفيدرالية ضمن حدود الدولة العراقية وسيادتها وكذلك بوجود ظلم تاريخي لحق بكركوك والمناطق الكردستانية التي تعرضت لسياسات التعريب والترحيل القسري، واكدت ضرورة تصحيح الاوضاع غير الطبيعية التي فرضها النظام السابق، غير ان هذه التفاهمات بدأت تتعرض للتراجع والتسويف داخل مجلس الحكم، مع صعود خطاب يطالب بتجميد الملفات الحساسة باسم الاستقرار، وهو ما رآه مام جلال خطرا حقيقيا، ليس على الحقوق الكردية فقط، بل على منطق الشراكة الوطنية ذاته،ومن هنا جاءت المرافعة بوصفها تدخلا تصحيحيا في لحظة مفصلية.

قضية حق لا مشروع ضم
احد اكثر سوء الفهم شيوعا حول المرافعة انها كانت دعوة لضم كركوك الى اقليم كوردستان. والحقيقة ان مام جلال كان واضحا ومسؤولا الى اقصى الحدود، اذ اكد انه لا يطالب في تلك المرحلة بضم كركوك، بل بتصحيح نتائج سياسات استبدادية موثقة.

وقد حدد بشكل دقيق مسار الحل:
 - اعادة الكرد والتركمان المرحلين قسرا.
 - اعادة الوافدين الذين تم توطينهم في اطار التعريب الى مناطقهم الاصلية.
 - تطبيع وتصحيح حدود المحافظة وغيرها التي تم احداث تغييرات عليها ضمن سياسات تطهير قومي وطائفي.
 -اجراء احصاء سكاني مهني.
 - تنظيم استفتاء حر يحدد فيه سكان كركوك مصير مدينتهم.

بهذا الطرح، نقل مام جلال قضية كركوك من كونها مادة للاستقطاب القومي الى نموذج للعدالة الانتقالية، وحل وطني يمنع الانقسام ولا يؤسس له.

حين تتكلم الوثيقة وتحتكم الجغرافيا
القوة الحقيقية للمرافعة لم تكن في اللغة، بل في الادلة، فقد قدم مام جلال امام مجلس الحكم وثائق عصبة الامم، وخرائط عثمانية رسمية، وكتبا معتمدة في الجغرافيا والتاريخ، مثل كتاب مشكلة الموصل وقاموس الاعلام، ليؤكد جملة من الحقائق الجوهرية:

 • ان حدود العراق التاريخية لم تتجاوز جبل حمرين
 • ان كوردستان تبدأ جغرافيا وسياسيا شمال هذا الخط
 • ان ولاية الموصل لم تكن جزءا من الدولة العراقية عند تاسيسها عام 1920
 • ان الحاق كوردستان الجنوبية بالعراق عام 1925 تم بقرار دولي مشروط

ومن اهم ما ورد في المرافعة، الاستشهاد بتصريحات ادمونز، ممثل بريطانيا في لجنة عصبة الامم، الذي اكد ان المساس بالهوية الكوردستانية لكركوك يعد انتهاكا صريحا للتعهدات الدولية، وان ذلك ينسف الاساس القانوني الذي ضمت بموجبه ولاية الموصل الى العراق.

من المرافعة الكردية الى الصرخة الوطنية
القراءة المتعمقة للمرافعة تكشف انها لم تكن صرخة كردية ضيقة، بل صرخة وطنية مسؤولة فالرئيس مام جلال لم يدافع عن كوردستان على حساب العراق، بل دافع عن العراق من خلال احترام كوردستان.

كان خطابه موجها الى شركائه في الحكم حين قال بوضوح ان وحدة العراق لا تصان بالقسر ولا بالانكار، بل بالاعتراف بالحقوق وتنفيذ التعهدات التي قامت عليها الدولة. 

وقد ذكرهم بحقيقة اساسية: ان كوردستان اختارت الانضمام الى العراق، لا الى تركيا، وكان هذا الخيار مشروطا باحترام خصوصيتها القومية والادارية والثقافية.

مقومات تاسيس الدولة العراقية
لقد تجاوزت المرافعة ملف كركوك لتصل الى جوهر الدولة العراقية الحديثة حيث  اعاد مام جلال التذكير بان:
 • معاهدة سيفر، في بنودها 62 و63 و64، اعترفت بحق الكرد في تقرير المصير.
 • الحكومتين العراقية والبريطانية اعترفتا رسميا عام 1922 بحق الكرد في تاسيس حكومة كوردستانية ضمن حدود العراق.
 • مراسلات الملك فيصل مع تشرشل حددت حدود الدولة العراقية عند جبل حمرين.
 • اللغة الكردية اقرت كلغة رسمية في المناطق الكردية بموجب قرارات دولية.

ومن هنا جاءت عبارته المفصلية التي لخصت جوهر المرافعة: بعد 82 عاما من حق الاستقلال، تناقشوننا اليوم على الفيدرالية؟

عن الضرورات الانية للمرافعة
اهمية هذه المرافعة اليوم لا تكمن في استذكارها بوصفها حدثا تاريخيا، بل في التعامل معها كوثيقة تاسيسية مهملة،فهي تقدم نموذجا لكيفية ادارة التعدد القومي داخل الدولة، وتوضح ان ازمات العراق الراهنة ليست قدرا، بل نتيجة مباشرة لانكار متكرر للحقوق واخلال مزمن بالتعهدات.

واليوم فان لجيل الجديد من الساسة وصناع القرار احوج ما يكون للعودة الى هذه الوثيقة، لا من باب العاطفة، بل لفهم البدايات التي بني عليها هذا البلد، وشروط ديمومته واستقراره.

مرافعة مام جلال لم تكن مجرد دفاع عن كركوك، بل دفاع عن فكرة العراق نفسها: عراق لا يخاف من تنوعه، ولا يهرب من تاريخه، ولا يبنى على انقاض الظلم. 

وبعد اكثر من عقدين، ما زالت تلك المرافعة قائمة، عصية على التفنيد، شاهدة على ان الوثيقة الصادقة اقوى من كل الخطابات العابرة.

والى الان لاتزال هذه المرافعة تشكل فرصة ثمينة في مسار بناء الدولة العراقية ،واعادة قراءتها اليوم ليست ترفا فكريا، بل ضرورة سياسية لاعادة تصحيح المسار، وبناء دولة تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام التاريخ، وتحويل التعدد من مصدر ازمة الى عنصر استقرار.

اقرأ المزيد

بعد تحرير العراق عام 2003، لم يكن التحدي الأكبر هو إسقاط نظام استبدادي فحسب، بل بناء دولة جديدة على أنقاض الاستبداد، دولة يكون فيها القانون هو الحكم، والقضاء هو الضامن، والدستور هو المرجعية العليا.

وفي قلب هذا التحول، برز ملف استقلالية القضاء العراقي بوصفه أحد أعمدة الدولة الديمقراطية المنشودة، وأحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في بلد خرج لتوه من عقود من تسييس العدالة وتحويل القضاء إلى أداة بيد السلطة التنفيذية.

كما يبين القاضي المتقاعد زهير كاظم عبود في دراسة تحليلية معمقة، فإن استقلال القضاء لم يكن غائبا كنص في الدساتير العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة عام 1925، لكنه كان في الغالب غيابا فعليا في التطبيق، فالنظام الملكي، رغم ما شابه من تدخلات، حافظ نسبيا على هيبة القضاء، بينما شهدت الجمهوريات المتعاقبة—ولا سيما في ظل الأنظمة الشمولية—أوسع عمليات تدجين القضاء، وإخضاعه لإرادة السلطة التنفيذية، وتهميش دوره الرقابي والدستوري.

لقد تحول القضاء، في ذروة الدكتاتورية، من سلطة مستقلة إلى وظيفة إدارية، وفرضت عليه محاكم استثنائية، ومجالس عرفية، ومحاكم أمن دولة، في انتهاك صارخ لمبدأ فصل السلطات، ولجوهر العدالة نفسها.

وجاء دستور 2005 ليشكل نقطة انعطاف تاريخية في مسار القضاء العراقي، فقد نص بوضوح على أن السلطة القضائية مستقلة، وأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ومنع أي تدخل في شؤون العدالة كما اعتمد الدستور بشكل صريح نظرية فصل السلطات، بوصفها الإطار الضامن للتوازن والرقابة المتبادلة بين التشريعية والتنفيذية والقضائية.

غير أن هذه النصوص، كما يؤكد القاضي عبود، لا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تتحول إلى ممارسة فعلية، تحمي القاضي من الضغوط السياسية، وتمنع المحاصصة، وتكفل للمواطن حق مقاضاة أي سلطة أو جهة دون خوف أو تمييز.

في هذا السياق، يبرز الدور المفصلي للرئيس الراحل جلال طالباني (مام جلال)، ليس فقط بوصفه رئيسا للجمهورية خلال مرحلة كتابة الدستور، بل بوصفه رجل دولة مؤمنا عميقا بدولة القانون واستقلال القضاء.

مام جلال، القادم من خلفية قانونية وسياسية نضالية، لم يتعامل مع استقلال القضاء كتنازل سياسي أو مادة تفاوضية، بل كـركيزة أخلاقية ودستورية لبناء العراق الجديد، وقد كان حضوره فاعلا في تثبيت النصوص الدستورية التي تحصن القضاء، وفي دعم إنشاء المحكمة الاتحادية العليا بوصفها صمام أمان دستوري يراقب دستورية التشريعات ويمنع تغول السلطتين التشريعية والتنفيذية.

لقد جسد مام جلال الاستقلالية سلوكا وموقفا قبل أن تكون مادة دستورية، وحرص على أن لا يكون القضاء طرفا في الصراعات السياسية أو خاضعا لتوازناتها، إدراكا منه بأن أي مساس بالقضاء هو مساس مباشر بوحدة الدولة وثقة المواطن.

وبالتاكيد فان استقلال القضاء، لا يعني تحصين القاضي من المساءلة أو إطلاق يده دون ضوابط، بل يعني الالتزام الصارم بالقانون وإجراءات التقاضي، بعيدا عن الضغوط والانتماءات الحزبية والطائفية فقضاء مستقل هو الشرط الأول لتحقيق المساواة أمام القانون، ومنع التمييز، وحماية حقوق الإنسان، وترسيخ التداول السلمي للسلطة.

كما أن تمكين القضاء من دوره الكامل—ماليا ومعنويا ومؤسسيا—يشكل ضمانة حقيقية لاستقرار النظام السياسي، ويمنع اللجوء إلى العنف أو الفوضى بوصفهما بديلا عن العدالة.

وفي هذا الإطار، تأتي برقية الرئيس بافل جلال طالباني إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بمناسبة يوم القضاء العراقي، لتؤكد أن نهج دعم استقلال القضاء ليس إرثا تاريخيا فحسب، بل خيارا سياسيا مستمرا لدى الاتحاد الوطني الكردستاني ، فالتأكيد على دعم مساعي صون الدستور، وترسيخ العدالة، وحماية حقوق جميع القوميات والمكونات، يعكس فهما عميقا للعلاقة العضوية بين قضاء مستقل، ودولة مستقرة، وتعايش وطني متوازن. وهي رسالة سياسية واضحة بأن حماية القضاء هي حماية للدستور وللسلم الأهلي معا.

استقلالية القضاء العراقي ليست ترفا دستوريا، بل ضرورة وجودية لدولة خرجت من الاستبداد وتسعى إلى ترسيخ الديمقراطية وقد شكل دستور 2005، بدعم ورؤية مام جلال، الأساس الصلب لهذا التحول، فيما يبقى التحدي الأكبر في حماية النص من التآكل، وتحصين القضاء من التسييس، وتحويل الاستقلالية من شعار إلى ممارسة يومية.

وفي بلد متعدد القوميات والمكونات كالعراق، لا يمكن الاطمئنان إلى الحقوق والحريات دون قضاء مستقل، قوي، ومحايد فالقضاء، في نهاية المطاف، هو الملاذ الأخير للمواطن، وميزان الدولة، وخط الدفاع الأول عن الدستور.

اقرأ المزيد

لم يكن شعار (وحدة الاراضي) في التجربة السياسية العربية سوى اداة سلطوية جاهزة استخدمت مرارا كسلاح ايديولوجي لتبرير القمع وغطاء اخلاقيا زائفا لسياسات الاقصاء والابادة بحق المكونات غير العربية فكلما رفعت سلطة قمعية هذا الشعار كان ذلك ايذانا بانطلاق حملات البطش لا دفاعا عن وحدة وطنية حقيقية بل عن احتكار السلطة والهوية والثروة.

تاريخيا استخدمت انظمة شمولية هذا المفهوم لتكريس هيمنة قومية احادية فتم سحق الكرد والاشوريين والتركمان وغيرهم بذريعة الحفاظ على وحدة الدولة ، لكن المفارقة ان تلك الانظمة انتهت نهايات مذلة بينما بقيت الشعوب والمكونات التي تعرضت للقمع حاضرة متجذرة في ارضها وتاريخها شاهدة على زيف الشعارات وسقوط السرديات القسرية.

وما يتم تجاهله عمدا في هذا الخطاب ان الكرد في سوريا لم يعلنوا يوما مشروعا انفصاليا او تقسيميا على العكس تماما فقد رفعوا منذ البداية مطلب اللامركزية والدولة الديمقراطية الموحدة بوصفها الصيغة الاكثر عدالة واستقرارا لسوريا متعددة القوميات والاديان وحتى قبل مجيء احمد الشرع اختار الكرد تسمية (قوات سوريا الديمقراطية) لتكون الاطار العسكري الحامي لمناطقهم ،في رسالة سياسية ووطنية واضحة تؤكد عدم نيتهم الانفصال ورفضهم لمنطق التقسيم وتمسكهم بسوريا موحدة تقوم على الشراكة لا الالحاق.

اليوم يعاد انتاج النهج الاقصائي ذاته حيث نرى الشرع يمارس جحوده السياسي تجاه الكرد متكئا على شعار وحدة الاراضي ولم يقتصر الامر على الخطاب بل تجاوز ذلك الى التحريض المباشر عبر دفع العشائر ومرتزقة عرب للاعتداء على روجافا وشعب كردستان سوريا في محاولة بائسة لضرب مشروع الادارة الذاتية الذي اثبت رغم كل التحديات انه من اكثر النماذج استقرارا وتنظيما ضمن الدولة السورية.

ان اللجوء الى تاجيج العصبيات العشائرية وتسليح الكراهية القومية لا يمكن ان ينتج دولة موحدة بل يفتح ابواب الفوضى والاقتتال الاهلي والاسوأ ان هذا المسار يحظى احيانا بدعم وتشجيع قوى اقليمية ودولية لا ترى في سوريا سوى ساحة صراع غير معنية بمستقبل شعبها ولا بامنه.

وحدة الاراضي لا تصان بالقمع ولا تفرض بالتحريض ولا تبنى على انكار حقوق المكونات ،الوحدة الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة واللامركزية السياسية والشراكة الفعلية في القرار والثروة اما تحويل الشعار الى عصا غليظة ترفع بوجه الكرد وغيرهم فلن يؤدي الا الى تعميق الجراح ونسف اي امل بسوريا امنة ومزدهرة.

ان مستقبل سوريا لن يكتب بمنطق الغلبة ولا بخطاب التخوين بل بعقد وطني جديد يعترف بان التنوع ليس خطرا بل قوة وان الكرد وبقية المكونات شركاء اصيلون في هذه الارض لا خصوما ولا طارئين دون ذلك سيبقى شعار وحدة الاراضي مجرد ستار لغدر سياسي جديد ومقدمة لازمات اشد عمقا.

اقرأ المزيد

بغض النظر عن المعارك الدامية بين القوات السورية الرسمية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب والاتفاق الذي تبعها، فإن المشكلة الكردية في سوريا تُعدّ إحدى المشكلات العويصة والمعتّقة، الأمر الذي يحتاج إلى حلول جذرية وسلمية لمعالجتها، وقد ورثها النظام الجديد من النظام القديم، وتختلط فيها الحقوق العادلة والمشروعة للشعب الكردي في سوريا مع تداخلات ومصالح قوى خارجية إقليمية ودولية، وقد ازداد الأمر تعقيدًا بعد حركة الاحتجاج الواسعة التي شملت سوريا ضدّ النظام السابق، والتي ابتدأت في 15 آذار / مارس 2011 واستمرّت حتى الإطاحة ببشار الأسد في 8 كانون الأول / ديسمبر 2024، وإن اتّخذت أشكالًا مختلفة سلمية وعنفية، واختلط فيها فعل المعارضة مع فعل السلطة في أقسى مراحلها وأشدّها عسفًا وانفلاتًا وإرهابًا.

 بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والإطاحة بالنظام العراقي السابق دعاني الصديق شبيب المالكي أمين عام اتحاد الحقوقيين العرب للانضمام إلى عضوية المكتب الدائم للاتحاد، وبعد تردّد وافقت بشرطين؛ أولهما – أن يبتعد الأمين العام عن أي نشاط سياسي ليعطي للاتحاد طابعه المهني، وهو ما فعله والتزم به؛ وثانيهما – أن تكون الفترة المقبلة بمثابة مرحلة انتقالية يُعاد فيها بناء الاتحاد على أسس جديدة بما فيها تداول المسؤوليات وتجديد ملاكاته، وهو الأمر الذي لم يحصل. وقد انعقد اجتماع المكتب الدائم بعد انضمامي إليه في دمشق في العام 2005.

 استعيد ذلك اليوم لما له علاقة بالكرد السوريين، الذين يطلق عليهم "المكتومين"، أي أنهم بلا جنسية، الأمر الذي ينتقص جوهريًا من حقوقهم المدنية والسياسية، بما فيها حق الحصول على جنسية، وكنا قد نظمنا حلقة نقاشية أكاديمية في لندن في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومركز اللّاجئين والشتات الفلسطيني في رام الله (شمل) بالتعاون مع جامعة أكسفورد (مركز أكسفورد لدراسات اللّاجئين) في 1 تموز / يوليو 2000 حول موضوع "الجنسية واللّاجنسية"، بحضور نخبة من المثقفين والحقوقيين والخبراء العرب والأجانب، ودعونا شخصيتين سوريتين معنيتين بهذا الملف، هما الصديقان صلاح بدر الدين والدكتور هيثم منّاع. الجدير بالذكر أن الجنسية هي حق لكلّ إنسان، وهي تُمنح بالولادة أو بالإقليم، ولا يمكن انتزاعها تعسّفًا بموجب المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

 أبلغني رئيس رابطة الحقوقيين السوريين بالبقاء في الفندق صباح اليوم التالي للاجتماع وعدم الارتباط بأي موعد، لأن لقاءً مهمًا سيتم تنظيمه وسيتم إبلاغي الساعة الثامنة صباحًا، وهو ما حصل، وخمّنت أن اللقاء سيكون مع الرئيس بشار الأسد، وبالفعل فقد اختار السوريون مجموعة من الحقوقيين للقاء في القصر الجمهوري وأبلغونا بموقع كلّ منّا للجلوس بروتوكوليًا، وحين استقبلنا الرئيس تزاحم الزملاء في السلام عليه بعد الأمين العام ووزير العدل العراقي الأسبق ومحسن العيني رئيس وزراء اليمن الأسبق، وحاول آخرين مصافحته والتقاط صورة معه، وهكذا اختلّت أماكن الجلوس، وكان أحد الزملاء قد جلس في المقعد المخصص لي، فاخترت آخر كرسي وذهبت للجلوس عليه.

 كان الرئيس الأسد حينها منشرحًا ومنفرج الأسارير وبدأ حديثه بالقول إنه يحبّ الحقوقيين والمحامين والمثقفين، فإذا كان ثمة ما يفيد من حوارات وآراء فإن اللقاء سيكون مفتوحًا وبلا سقف، وعكسه إذا لم تكن هناك أسئلة أو وجهات نظر أو مقترحات فسينتهي اللقاء بعد 15 دقيقة باعتباره لقاء مجاملة.

 وبعد أن قدّم الأمين العام تقريرًا مكثّفًا لما حصل في الاجتماع والقرارات والتوصيات التي صدرت عنه، بدأ بعض الزملاء بطرح أسئلة وتقديم مداخلات لا تخلو من عبارات المجاملة مثل "هذا الشبل من ذاك الأسد"، و"لم يبق لنا إلّا أنت" و"دمشق قلب العروبة النابض". وقد حاول الرئيس أن يكون متبسطًا وواضحًا في الإجابة والتعليق، خصوصًا ما يتعلّق بأوضاع المنطقة.

 لم يكن من عادتي طلب الكلام في مثل هذه المناسبات، إلّا إذا طُلب مني الحديث، ولكنني وجدت نفسي ولسان حالي يقول لو بقي لك شيء من الشجاعة يا شعبان تكلّم في هذا المقام ودون سابق تخطيط أو قرار أو قصد رفعت يدي.

 وحين سمح لي الرئيس بالكلام خاطبته قائلًا: لقد سمعت خطاب القسم يا سيادة الرئيس، ولا أخفيك سرًا أنني أعجبت به، وكذلك خطاب سيادتك في عمّان والتأكيد المستمر على عنصرية الصهيونية وعلى الرغبة في الانتقال بسوريا إلى عهد جديد بالانفتاح على العالم، كما إنني استمعت إلى كلمتكم التمهيدية في هذا اللقاء، وهي كلمة مفعمة بالتفاؤل، وتساءلت مع نفسي على طريقة غرامشي: أهو تفاؤل الإرادة وتشاؤم الواقع أم ماذا؟ فكل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، ففلسطين محتلّة وتوغل إسرائيل في بناء المستوطنات وفي عنصريتها، والجولان ما يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، والعراق اليوم محتل ويوجد 170 ألف جندي أمريكي على أرضه.

 وأضفت قائلًا: إنني يا سيادة الرئيس أتحدّث من موقع الصديق والحريص، فأنا منذ فترة طويلة أردّد إنني سوراقي (السوري – العراقي)، حيث لا أستطيع أن أفكّر عراقيًا دون أن تعنيني سوريا، ولا أستطيع أن أتخيّل الوضع السوري دون تأثيراته العراقية، وذلك بحكم التداخل والمصائر المشتركة والتقارب الوجداني بين البلدين، بغضّ النظر عن أنظمة الحكم المتعاقبة والمتنافرة منذ نحو 60 عامًا (حينها)، وهو ما شرحته بالتفصيل في ندوة دعتني إليها وزيرة الثقافة السورية السابقة ونائبة الرئيس د. نجاح العطار عن "العروبة" (وقد وثّقتها مع ندوتين إضافيتين عقدت في دمشق على مدار ثلاث سنوات)، وهو ما أنقله من أوراقي غير المنشورة التي دوّنتها في حينها عقب اللقاء مع الرئيس.

 وخاطبت الرئيس الأسد: من أين يأتي التفاؤل لسيادتك بعد كل هذه المعطيات المعتمة التي لا تسرّ أحدًا من المحيط إلى الخليج؟ يُضاف إلى ذلك تعاني منطقتنا من شحّ الحريّات ونقص المواطنة وحجب حق المشاركة وتقييد الشراكة لدرجة أنها أصبحت علامة فارقة للعالم العربي، دون نسيان التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية.

 وهنا قاطعني الرئيس قائلًا أنتم في العراق على الرغم من أن بلدكم محتل، لكن إرادتكم محرّرة، في حين نحن في سوريا ما تزال إرادتنا مكبّلة، وقد توقّفت عند هذا القول حينها، ولذلك طلبت منه إيضاحًا وأردفت قائلًا: هل ذلك بسبب الحرس القديم؟ أم ثمة قوى أخرى تحوّل دون الانفتاح وتحرير الإرادة؟ وقلت له: إن سيادتك وعد بالانفتاح والسماح لجمعيات المجتمع المدني بالعمل، فأين ربيع دمشق الذي وعدت به؟ ولم أنس أن أكرّر أنني أتحدّث من موقع الصديق والحريص، ولذلك أرى أنه لا يمكن مواجهة القوى الغاشمة الإمبريالية والصهيونية دون حريّات ودون مواطنة متساوية ومتكافئة، وهذه لدينا ناقصة ومبتورة، مثالي على ذلك أن نحو 150 ألف كردي، وهم مواطنون سوريون لم يعرفوا وطنًا غير سوريا، بدون جنسيات، وكان قد حصل قبل فترة قليلة احتدامات وصدامات دموية في القامشلي.

 وهنا راودني شعور بأن الرئيس يطلب مني الاستزادة في الحديث، حتى وإن كان مغامرةً، فقلت إن قرارًا إداريًا أو مرسومًا رئاسيًا يمكن أن يعالج قضية 150 ألف كردي، ويمكن للكرد أن يكونوا قاعدة صلبة للوحدة الوطنية حين يحصلون على حقوقهم. علمت فيما بعد أن قرارًا كان قد صدر عن الرئيس بشار الأسد يمنح الكرد الجنسية وإجراء اللازم وفقًا للسياقات المعروفة، لكن هذا القرار بقي في الأدراج ولم يتمّ تحريكه إلّا بعد الانتفاضة الشعبية في العام 2011.

 قال الرئيس إن التغيير الذي نريده تدريجيًا وليس انقلابيًا كما حصل في بعض البلدان، ونريده محمودًا وليس خطوة نحو تفكيك الدولة، ولعلّ ما يعترض طريقنا في الوصول إلى الإصلاح المنشود ليس الحرس القديم وحده أو بعض أطرافه، بل أن بعض مجايليّ ليسوا مع التغيير، (وتفسيري حينها أنهم من المنتفعين والمتنفّذين والذين لا يريدون زوال سلطتهم).

 وحين انتهى اللقاء وعدنا إلى الفندق لم يكلّمني أحد من الزملاء السوريين الذين حضروا اللقاء، لا في الطريق ولا في السيارة حتى وصلنا، وإذا بالعديد منهم يطبع القبل على خدّي ويشكرني ويحيّيني على ما قلته كلّ على انفراد، ولعل ذلك أمر معروف بسبب الأوضاع السائدة حينها.
كان ذلك ما حصل بالأمس، فماذا عن اليوم؟

 بعد معاناة طويلة للكرد، صدر مرسوم من الرئيس أحمد الشرع يعتبرهم جزء أساسي من الشعب السوري ويضمن حقوقهم الثقافية واللغوية ويمنحهم الجنسية، كما يعتبر عيد نوروز عيدًا وطنيًا رسميًا.

 وإذا كانت هذه الخطوة إيجابية ودليل على حسن النيّة، إلّا أنه ينبغي تقنينها دستوريًا في إطار الدستور السوري الجديد (المنتظر)، كما يتطلّب ذلك تهيئة بيئة صالحة للوحدة الوطنية بإلغاء جميع القوانين والتشريعات والمراسيم والإجراءات السابقة التي تنال من حقوق الكرد وتحدّ من مبادئ المواطنة، ولاسيّما ما يُعرف بمشروع "الحزام العربي" الذي تمّ إقراره في العام 1966 وبدأ تنفيذه في 24 حزيران / يونيو 1974، وذلك استنادًا إلى دراسة أعّدها الملازم محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية في الحسكة العام 1963. والحزام المذكور هو حزام شوفيني عنصري بدأ في محافظة الحسكة، حيث تمّ سلب أراضي كردية أُسكن فيها آلاف من العائلات العربية، وقد اشتهر تنفيذه بقسوة شديدة في إطار عملية تغيير ديموغرافي وتطهير سكاني.

 إذا كنا نعترف بالكرد كشعب، فلا بدّ أن نقر له بالحق في تقرير المصير، وقد اختار هو الإدارة الذاتية كشكل للحكم الذاتي اللّامركزي في إطار الدولة السورية، ويمكن وضع ترتيباتها بالاتفاق مع الشركاء في دمشق ضمن دستور جديد. 

 وقد دلّت التجربة التاريخية أن الحلول العسكرية ومعادلات القوّة المسلّحة لن توصل إلى النتائج المرجوّة، سواء من جانب الحكم الذي لم يستطع القضاء على مطامح الشعب الكردي في نيل حقوقه، أو من جانب الحركة الكردية التي لم تستطع تحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية والعنفية، الأمر الذي يستوجب الحوار والتفاهم والبحث عن المشتركات لتعظيمها وعن الفوارق لتقليصها واحترامها، وذلك بما يعزّز التعدّدية والتنوّع ويجعلهما مصدر غنى وإثراء.

 ولعلّ التجربة العراقية على الرغم من تعثّراتها والتحديات التي ما تزال تواجهها خير دليل على جدوى المضي في هذا الطريق. كما اكّدت التجربة أن القوى الخارجية مهما أبدت من حرص ومساعدة وتعاطف فإنها ستقدّم مصالحها الذاتية الأنانية الضيقة على مصالح الكرد، الذين سيكونون هم الضحايا، فضلًا عمّا سيلحق البلد من أذى وأضرار، وينبغي ألّا ننسى كيف تخلّت إيران والولايات المتحدة عن الكرد العراقيين في اتفاقية 6 آذار / مارس المعروفة باتفاقية الجزائر العام 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.

 

اقرأ المزيد

منذ انتخاب الراحل الكبير مام جلال طالباني أول رئيس غير عربي في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وحتى وصول الدكتور عبداللطيف جمال رشيد إلى قصر السلام اليوم، قدّم الاتحاد الوطني الكوردستاني سلسلة متواصلة من الشخصيات الوطنية الرصينة التي منحت منصب رئاسة الجمهورية ثقله وهيبته ودوره الحقيقي في صناعة التوازنات وترسيخ الاستقرار السياسي.

لقد كان هذا المنصب — عبر عقود — أحد أبرز الواجهات التي أثبت عبرها الاتحاد الوطني قدرته على تقديم رموز دولة، لا رموز حزب، وشخصيات قادرة على تمثيل العراق بكل مكوّناته وعمقه الإقليمي والدولي.

من الأخطاء الشائعة في النقاش السياسي العراقي هو التعامل مع رئاسة الجمهورية كمنصب “تشريفاتي بحت”، فيما يشير الدستور العراقي بوضوح، في مواده (66 – 67 – 68 – 69 – 73)، إلى أن رئاسة الجمهورية جزء أصيل من السلطة التنفيذية، وليست موقعا بروتوكوليا.

فالرئيس، وفق الدستور، يمارس صلاحيات رقابية وإشرافية مهمة، من بينها:

-المصادقة على القوانين وإعادتها لمجلس النواب.
-المصادقة على المعاهدات الدولية.
-إصدار العفو الخاص.
-تكليف المرشح لتشكيل الحكومة.
-السهر على الالتزام بالدستور وحماية المسار الديمقراطي.

وبذلك فإن رئاسة الجمهورية هي ركن أساسي من أركان الدولة العراقية إلى جانب:رئاسة مجلس الوزراء،رئاسة مجلس النواب،رئاسة مجلس القضاء الأعلى.

إنها صلاحيات لا يمكن الاستهانة بها، ولا يمكن تركها لشخصيات بلا وزن سياسي أو خبرة تاريخية أو حضور وطني.

خلال العقدين الماضيين، لم يتعامل الاتحاد الوطني مع رئاسة الجمهورية بوصفها “منصبا” بل بوصفها “مسؤولية دولة” فقدّم للعراقيين رؤساء ترك كل منهم بصمة لا تُنسى:

مام جلال طالباني (2005–2014):
رجل الدولة الأول الذي أعاد تعريف السياسة بالحوار وصنع التوازنات الكبرى، مهندس التوافقات، وصانع التوازن بين بغداد وأربيل، بين العرب والكرد، بين الشيعة والسنة، وبين العراق والعالم، معه دخل العراق مرحلة جديدة من الحوار الوطني، وتحولت رئاسة الجمهورية إلى مؤسسة سياسية فاعلة، لا مكتب بروتوكولي.

الدكتور فؤاد معصوم (2014–2018):
الرئيس الهادئ في زمن العاصفة، قاد البلاد خلال أخطر مرحلة أمنية وسياسية بعد اجتياح داعش بثبات وحكمة ، وحفظ هيبة الدولة في لحظة كانت على حافة الانهيار.

الدكتور برهم صالح (2018–2022):
رئيسٌ جمع بين الصلابة الدستورية والانفتاح الدولي الذي جعل من الدستور مرجعية لا يمكن تجاوزها ورفع اسم العراق في المحافل الدولية.

الدكتور عبداللطيف جمال رشيد (2022–إلى اليوم):
الرئيس الهادئ الدقيق، الذي أعاد لخطاب الدولة اتزانه، وللمؤسسة احترامها، وللعراق صوتا هادئا ولكن مسموعا لدى العالم وبرهن أن الرصانة ليست ضعفا بل قوة الدولة.

اقرأ المزيد

هذا المقال بقلم شاناز إبراهيم أحمد، السيدة الأولى لجمهورية العراق، مدافعة عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ومؤسِسة أقدم جمعية خيرية للأطفال في كردستان عام 1991.

في الأسبوع الماضي، حضرت مراسم تولّي جمهورية قبرص رئاسة الاتحاد الأوروبي، ولا أخفي أنني وجدتُ نفسي متأثرة إلى حدّ الدموع عندما عُزف النشيد الوطني القبرصي «نشيد الحرية» للشاعر ديونيسيوس سولوموس في القاعة. فقد لامستني القصيدة، بما تحتفي به من حرية وبسالة، ولما تحمله من رسالة وحدة وأمل بمستقبل يسوده السلام. وفي قبرص، الجزيرة التي أنهكها الانقسام طويلًا، مع احتلال ثلثها الشمالي منذ عام 1974، قدّم هذا النشيد تذكيرًا بأن حتى الشعوب المنقسمة يمكنها أن تحتضن تطلعاتها للتماسك والمصالحة. إلا أن هذه اللحظة المفعمة بالأمل الجماعي، سرعان ما قادتني إلى تأمل التناقض الحاد في أماكن أخرى من العالم، حيث ينهك المدنيون تحت دمار متواصل، بينما يبدو خطاب السلام أجوفًا أمام الحقائق على أرض الواقع.

ولم يكن هذا التباين أشد إيلامًا مما بدا عليه في سوريا. ففي الوقت الذي كنا نحتفي فيه بمُثل السلام والحرية في قبرص، كانت أحياء مدنية في حلب تتعرض للحصار والقصف، مع تقارير عن نزوح نحو 16 ألف مدني وسقوط العشرات. وواجه الأكراد في حلب، إلى جانب أقليات أخرى، تهديداتٍ مباشرة، عالقين في حلقة مغلقة من الخوف والدمار. وفي اليوم التالي، زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع، متعهدة بدعم «تعافي سوريا وإعادة إعمارها»، من دون ذكر كلمة واحدة عن المدنيين المحاصرين الذين يتعرضون للقصف اليومي في حلب. فكيف يمكن لوعود إعادة الإعمار أن تتعايش مع التوسع المستمر للمجمّع الصناعي العسكري العالمي؟ وكيف يمكن الحديث عن إعادة بناء المجتمعات بينما يُصاب الأطفال بإعاقات، وتدمر الأحياء بالكامل، ويعيش جيلٌ كامل تحت وطأة الصدمة والخوف؟

إن انتقائية التعاطف العالمي حقيقة لا يمكن إنكارها. ففي السنوات الأخيرة، وبينما تركز اهتمام وسائل الإعلام على أوكرانيا وغزة، فقد حظيت أزمات السودان واليمن (حيث شُرّد الملايين وأُصيبوا وقُتلوا) باهتمام أقل بكثير. ويعكس هذا التباعد الصارخ بين الخطاب والواقع نمطًا راسخًا من ازدواجية المعايير والنفاق الثقافي. فالدول التي ترفع علنًا راية السلام تواصل في الوقت ذاته بيع السلاح لمختلف الأطراف، وتمويل الحروب بالوكالة، وتحقيق الأرباح من النزاعات، بما يضمن استمرار العنف حتى مع التصريحات الدبلوماسية الواعدة بالحلول. وهنا في خضم هذه التناقضات يتحمل المدنيون العبء الأثقل: منازل تدمر، عائلات تتفكك، وأجيال تنشأ على الخوف.

وفي سوريا، تتجلى هذه الازدواجية بوضوح. فالحرب لم تنتهِ بسقوط الأسد. فمنذ ديسمبر/ كانون الأول 2024، تواترت تقارير عن الانتهاكات المتكررة بحق الأقليات، وأسفرت عن آلاف الضحايا. ولا يزال المدنيون الأبرياء يدفعون الثمن الأكبر، بينما تتحدث قوى إقليمية ودولية عن إعادة الإعمار والاستقرار، في الوقت الذي يبقى فيه الصراع قائمًا. ويكشف هذا التناقض حقيقة مؤلمة عن رفع أصحاب المصلحة راية السلام فيما يربحون من الحرب. إن حصيلة الأرواح المفقودة والمستقبلات المدمَّرة تضعنا أمام حقيقةً مؤلمة لا مفر منها: سيظل السلام وهمًا ما لم يُقترن الخطاب بأفعال جادة وخاضعة للمساءلة.

إن أخطر ما يدين عصرنا ليس غياب خطاب السلام، بل سهولة خيانته بدافع المصلحة الذاتية والبراغماتية. وتتجلى هذه الخيانة بأوضح صورها في التفاوت في الاهتمام والإلحاح وسرعة الاستجابة لمختلف الحروب. فبينما تتصدر بعض النزاعات عناوين الأخبار، تبقى أخرى إلى حد كبير خارج دائرة الضوء، تاركةً معاناة شعوبها بلا تعاطف، ضعفاء ومهمَلين. وإذا كان للسلام أن يحمل معنىً حقيقيًا، فيجب أن يستند إلى مبادئ عملية قابلة للتنفيذ: حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومساءلة جميع الأطراف التي تكرّس العنف.

وعند العودة إلى قبرص، يذكّرنا «نشيد الحرية» بقوة الأمل والوحدة والتطلع إلى مجتمع يسوده السلام. غير أن أناشيد الحرية لابدَ أن تُقابل بأفعال ملموسة على أرض الواقع. فالازدواجية صادمة: الاحتفاء بمُثل الحرية بينما يواصل المدنيون في السودان واليمن وسوريا وغزة وغيرها دفع ثمن الحروب من دمائهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. لا يمكن للسلام أن يظل طموحًا مثاليًا أو مجرد شعار نتحدث عنه، إنه مسؤولية لا مجرّد كلمات. وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك بخطوات متسقة وصادقة وشجاعة. حتى يترجم القول إلى فعل، سيبقى الأمل هشًا، وسيواصل الأبرياء دفع ثمن التردد والتقاعس.

اقرأ المزيد

الدبكة فنٌّ ضاربٌ في عمق التاريخ داخل المجتمع الكردي، كما هو الحال في سائر أنحاء العالم، غير أن كل أمةٍ ترقص وفق ثقافتها وهويتها، وبذلك تعبّر عن خلاصات الحياة الاجتماعية فيها. يعيش الكرد في شرق كوردستان ضمن مجتمعٍ زراعي، ولذلك يتجلى الرقص الكردي ضمن إطار تلك الخصوصية، إذ يتميّز بأنه يُؤدّى في أوقات الأعياد والفرح والانتصارات. 
في هذه الأيام، لفت انتباهي على منصة «تيك توك» مقطعُ رقصٍ خاصّ بمنطقة( پاوە)، صُوّر في قرية ژیوار في شرق كردستان، في ذلك المشهد شدّني أسلوب حركة وهيئة (سَنعان الهورامي)حيث كان يرتدي قميصا وسروالا أسودين، ويرقص وحيدا وسط مجموعة من أبناء منطقته، يرقص بطريقةٍ تهز الأعماق بقوة،كان الآخرون يرقصون للفرح، أما هو فكان يرقص لحزنه وهمومه، ولكي يفرح و يرسم ابتسامةٍ خجولة على شفتي ابنته المريضة ذات التسعة والعشرين عاما،وكانت يده اليسرى موضوعة على قلبه كي لا ينفجر ألما،أما شماغه السوداء فكانت ملقاة على كتفه كجبل بيستون، ليشعر بثقل الحياة،وكانت كل حركةٍ من حركاته تمثّل عالمه الخاص. 
حين رأيت ذلك المشهد، انطلقت في داخلي صرخةٌ تهزّ العروش، واغرورقت عيناي بالدموع، ومراتٍ كثيرة شعرت كأنني أنا من يرقص على تلك الشاكلة، لكنني لا أدري: لمن؟ لأمي المظلومة شبيهة الحوريات؟ أم لأختي المليئة بالحسرة؟ أم لخالي الذي لم ينل حظه من الخير؟ أم لذاتي من الداخل؟ومع رؤية سَنعان المحترق من الأعماق، تذكّرت على الفور زوربا اليوناني، بطل رواية الكاتب الروماني النادر نيكوس كازانتزاكيس، التي كُتبت عام 1946، ثم حُوّلت إلى فيلم عام 1964، وأدّى أنطوني كوين فيه دور أليكسيس زوربا، في ذلك الفيلم، كان البطل يرقص على موسيقى تهزّ الوجدان والمشاعر، رقصة جميلة ونادرة، حتى غدت تلك الرقصة رمزا شهيرا لليونان. 
تتحدث الرواية عن العلاقة بين راوٍ مثقف وأليكسيس زوربا البسيط، الذي كرّس حياته لملاحقة أفراحها، وكان يواجه قسوة الحياة وصعوباتها بالرقص الدائم، فيرى الحياة كما هي، بأفراحها وأحزانها، على النقيض من أولئك الذين يعيشون بأحلامٍ عقلانيةٍ نخبوية،وفي تلك اللحظة، وبالطريقة ذاتها، عاد إلى ذاكرتي المرحوم الدكتور أحمد بامرني، وتذكّرت ذلك اليوم في دوكان حين دعاالرئيس المرحوم مام جلال أعضاء المكتب السياسي وعددا من قيادات والكوادرالمتقدمة في الاتحاد الوطني الكردستاني إلى دوكان لإحياء ذكرى نوروز. 
كان نوروز ذلك العام غزير الخيرات، في يومٍ بارد، وسماءٍ صافية هادئة، وسهلٍ أخضر قرب السد. كنا جميعا، بقلوبٍ مفعمةٍ بالأمل، ندور كنجومٍ حول المرحوم مام جلال، كان أحمد بامرني رجلا وسيما، كثير الحركة، رقيقا، اجتماعيّا محبوبا، ورفيقا وفيّا وعضوا في (کۆمەڵەی رەنجدەران)،فمنذ تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975، كان بامرني من الكوادر النشطة والمخلصة للاتحاد الوطني الكردستاني في الخارج، وبعد سقوط الدكتاتورية في بغداد عام 2003، عمل فترة سفيرا في وزارة الخارجية العراقية، ثم أصبح مستشارا لرئيس جمهورية العراق آنذاك، حين كان مام جلال رئيسا للجمهورية،وللأسف الشديد، في عام 2020، خطفته جائحة كورونا، مع عددٍ من الأعزاء، وألقت به في عالم الخلود
قلّما رأيتُ شخصا يرقص الدبكة الكردية بجمالٍ مثله كان يرقص بطريقةٍ تتحول فيها كل أجزاء جسده إلى حركةٍ هارمونية مع إيقاع الطبل والبوق، فيغدو المنظر وكأنه نهر (ئه لوه ن) تتدفق بحيوية جارفة،مارة بمنطقة (جه له وه) وحين كان يقود الدبكة، كان يمطر فرحا وجمالا، نأمل أن يكون العام الجديد عاما للفرح والسمو، والابتعاد عن الحزن والكآبة، لكل أبناء شعب كردستان، وأن نواصل الرقص مثل زوربا، وأن نرقص، مثل أحمد بامرني، في ربيع الانتصار وتحقيق تطلعات شعبنا.

ترجمة: نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى

اقرأ المزيد

بعد  انتهاء الحرب العالمية الاولى عام ١٩١٤ ،وملامح  انتهاء حقبة الحكم العثماني مع أزدياد حركات المعارضة  وجلا واضحا ملامح تأسيس الدولة العراقية عام  ١٩١٧ مع دخول الاحتلال البريطاني وتعيين المندوب السامي بيرسي كوكس  الذي عين جير ترودبيل سكرتيره لتواجدها ضمن البعثة البريطانية كعالمة آثار ومستشارة  وأجادتها اللغة العربية الى جانب اللغة الفارسية لترددها الى طهران حيث عمها فرانك السفير البريطاني وزيارتها المتكررة الى الحائل بالسعودية  ، 
ومع بدأ الانتداب تم تقسيم العراق الى ولايات الموصل وبغداد والبصرة واعلان دولة العراق رسميا عام ١٩٢١  بعد مؤتمر القاهرة الذي حضرته مس بيل وأعلن فيه تشرتشل وزير المستعمرات البريطانية  أقامة مملكة العراق وتنصيب فيصل الاول ملكا على العراق وتعيين المندوب السامي بيرسي  كوكس ،
لعبت مس بيل دورا محوريا في العملية السياسية رغم انها بدأت حياتها مستكشفة آثار ، لكن تأثيرها السياسي على تأسيس دولة العراق كان واضحا ورسم خارطة دولة العراق الحديثة التكوين ،أما فيما يخص اتفاقها مع الضابط بالجيش البريطاني وعالم الآثار توماس إدوارد أو (لورنس العرب )كما هو معروف بجمع وتحليل  المعلومات الاستخبارية حول كل مايتعلق بالوضع العراقي والعشائر وتقديم تلك المعلومات الى الادارة البريطانية ، واقتراحها بقيام مجلس تأسيس الدولة العراقية ، مس بيل او (الخاتون)كما كان يلقبها البغداديون وآخرون وصفوها بالجاسوسة ، عملت على تأسيس المتحف العراقي عام ١٩٢٣  الذي أسهم بالحفاظ على الآثار العراقية البابلية لشغفها بالاثار الشرقية وساهمت بأنشاء المكتبة الوطنية ببغداد ، ومما يذكر عنها انها كتبت لوالدها رسالة مفادها انها وضعت اليوم خارطة للحدود الصحراوية للعراق من جهة الاردن ونجد (السعودية )، خاتون بغداد حيث لُقبت ايضا بصانعة الملوك فهي من أشارت لتنصيب الامير فيصل ملكا على العراق ربطتها علاقة وطيدة  بنوري السعيد الذي عينته عضوا في المجلس التأسيسي ووصفته بالقوة الجبارة المرنة وساهمت في صعوده السياسي وصار من الشخصيات الحليفة لبريطانيا   ،كما وعُرف عنها عن تقييمها للشخصيات العراقية من خلال أقامة المجالس وتواصلها معهم  وكانت من أهم المؤثرين في تخطيط السياسة العراقية لثقة الادارة البريطانية بطروحاتها  ، ومايعرف عن العراق بخارطته الجغرافية والسياسية الحالية التي صارت جزء مهم من الشرق الاوسط لايمكن الحديث عنها دون ذكرها ، انتهت حياة خاتون بغداد عام ١٩٢٦  بظروف غامضة وليكون مثواها الأخير في مقبرة الانكليز بجانب الرصافة ببغداد ،وليكون مع نهاية عام ٢٠٢٥ مرور مائة عام على رحيل مس جير ترود بيل  التي واكبت خطوات تشكيل دولة العراق وكانت اهم الشخصيات  التي عملت على تشكيل حكوماتها وخارطتها السياسية ومازالت رسائلها موثقة في المكتبة البريطانية ، واليوم وبعد قرن من الزمن وتحول السلطة من بريطانيا الى أمريكا القطب الاوحد ، رغم ان الانكليز مازال لهم دور لايمكن التغاضي عنه وان كان يبدو مخفيا ،فحكومة العراق اليوم بعد توالي النظام الملكي والجمهوري والنظام البرلماني من بعد ٢٠٠٣ ، تغير شكلها السياسي واصبح العرف المتفق عليه في تشكيل الحكومة وتقسيم السلطات الى حكم المكونات الشيعة الاغلبية والسُنة والكورد ، وعشرات الاحزاب لكل مكون وأقليات مازالت تابعة للاحزاب السياسية دون أن يكون لها هوية مستقلة 
كما أن دول التحالف الاطلسي مازالت لها اليد الطولى ،مع هيمنة امريكا  على منطقة الخليج تحديدا وتأثيرها على منطقة الشرق الاوسط الا أن الاتفاقات والمصالح الاقتصادية لدول أوربا من جهة والحلف المناوئ لها متمثلة بالصين وروسيا ،ومبعوثي امريكا وبريطانيا في العراق ليسوا مس بيل فلا الظروف ولا المساحة السياسية تسمح لهم بتكرار  ماجرى قبل مائة عام ،حيث كانت بداية نشأة دولة،
ولكن هل هناك تغيير للخارطة  الجغرافية والسياسية ، العام المقبل ومايليه من أحداث على مستوى الدولي والأقليمي ،سيشهد تلك التغييرات حسب المصالح الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية تباعا ،ولكل حادث حديث .

اقرأ المزيد

العلم الكردستاني ليس تفصيلا شكليا في المشهد العراقي، ولا رمزا ثانويا يرفع على الهامش او عند الحاجة الى التطمين السياسي. انه راية لها تاريخها وشرعيتها ومكانتها القانونية والوطنية، وقد ثبتت هذه المكانة بنصوص الدستور العراقي نفسه، لا بخطاب عاطفي ولا بفرض امر واقع.

ان التعامل مع العلم الكردستاني بوصفه ملحقا بالعلم الاتحادي او امتيازا مؤقتا، يعكس فهما قاصرا لطبيعة الدولة العراقية بعد عام 2003، ولجوهر النظام الاتحادي الذي اختاره العراقيون بارادتهم. فالدستور لم ينشئ اقليما تابعا، بل اعترف بكيان اتحادي قائم، له مؤسساته المنتخبة وصلاحياته التشريعية ورموزه المعبرة عن هويته السياسية والتاريخية.

العلم الكردستاني ليس منافسا للعلم العراقي، لكنه ايضا ليس ظلا له. هو علم اقليم اتحادي يتمتع بشرعية دستورية كاملة داخل حدوده الجغرافية والسياسية، ويرفرف فوق مؤسسات اقليم كردستان الرسمية، وفي مقرات الاحزاب الكردستانية، مع العلم الاتحادي، باعتباره تعبيرا عن هوية سياسية معترف بها دستوريا، لا نزوة قومية ولا خروجا على الدولة.

اما اختزال هذا العلم في خطاب النزعة القومية الضيقة فهو اجحاف تاريخي واخلاقي فالتاريخ يشهد ان هذه الراية لم تكن يوما غطاء للاستبداد او اداة للقمع، ولم ترفع فوق سجون التعذيب او منصات الاعدام. وعلى العكس، ارتبطت بذاكرة المقاومة وبسنوات طويلة من الحرمان والاضطهاد، وبنضال شعب طالب بحقه في الحرية والاعتراف، لا في الهيمنة او الاقصاء.

كما انه لا توجد حساسية كردية تجاه العلم الاتحادي الحالي، لاسيما ان العلم العراقي السابق الذي ارتبط بعهد النظام الصدامي تم تغييره استجابة لمطالب اقليم كردستان، وبالتوافق مع القوى السياسية العراقية. وقد جرى الاتفاق حينها على اعتماد العلم الحالي بصيغته المعروفة بشكل مؤقت، الى حين التوصل الى علم جديد يمثل العراق بكل مكوناته واطيافه وتاريخه المتعدد، وهو ما يعكس حرص الكرد على الشراكة الوطنية لا القطيعة.

ان تخصيص يوم رسمي للعلم الكردستاني لم يكن عملا رمزيا معزولا، بل قرارا صادرا عن برلمان اقليم كردستان، المؤسسة التشريعية المنتخبة، في ممارسة طبيعية لصلاحياته الدستورية التي يعترف بها الدستور العراقي. وقرارات برلمان الاقليم، اسوة ببقية المؤسسات الدستورية، تستمد شرعيتها من هذا الاعتراف ولا تخضع للمزاج السياسي او الحملات الاعلامية الموسمية.

من الخطا، بل من الخطورة، تحويل النقاش حول العلم الكردستاني الى ساحة تشكيك بالحقوق الدستورية او اختبار للولاءات الوطنية. فالوطنية في الدول الاتحادية لا تقاس بانكار الخصوصيات، بل باحترامها وتنظيمها ضمن اطار قانوني جامع. والعلم الكردستاني، في هذا المعنى، ليس تهديدا لوحدة العراق، بل احد تعبيراتها الحديثة.

ان العراق الذي يتسع لقومياته واديانه ومذاهبه، يجب ان يتسع ايضا لرموزه الدستورية المتعددة، ما دامت منسجمة مع الدستور وارادة المواطنين. واي محاولة لتقزيم العلم الكردستاني او التعامل معه كرمز قابل للتشكيك او المساومة، ليست دفاعا عن الدولة، بل ارتدادا عن فلسفة الدولة الاتحادية نفسها.

ومن الناحية القانونية والدستورية، فان الدستور العراقي لعام 2005 حسم هذا الجدل بشكل واضح، اذ نص في المادة الاولى على ان العراق دولة اتحادية، واعترف في المادة 117 باقليم كردستان بوصفه اقليما قائما يتمتع بسلطاته الدستورية. كما منحت المواد 121 و122 سلطات الاقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة في ادارة شؤونها، بما في ذلك تنظيم مؤسساتها واعتماد رموزها الادارية والثقافية، على ان لا تتعارض مع السيادة الاتحادية. 

وبموجب هذه النصوص، فان قرارات برلمان اقليم كردستان، بما فيها قرار تخصيص يوم رسمي للعلم الكردستاني واعتماد رفعه داخل مؤسسات الاقليم، تعد قرارات دستورية نافذة، ولا يمكن الطعن في مشروعيتها من منطلق سياسي او اعلامي، ما دامت منسجمة مع الاطار الاتحادي العام الذي اقره الدستور وصوت عليه العراقيون.

ليست المشكلة في الاعلام التي ترفرف، بل في الذهنيات التي ترفض الاعتراف بان العراق لم يعد دولة بلون واحد ولا بذاكرة واحدة ولا براية واحدة داخل فضائه الاتحادي.

اقرأ المزيد

تدخل مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة مرحلة شديدة التعقيد، في لحظة تتزاحم فيها الحسابات الداخلية المتشابكة مع ضغوط خارجية تتصدرها الولايات المتحدة وإيران. وبينما تواصل القوى السياسية محاولاتها لتأسيس ائتلاف حكومي قادر على الصمود، يبدو واضحاً أن ولادة هذه الحكومة لن تكون عملية تقنية مرتبطة بالطرف الفائز في الانتخابات فحسب، بل معركة توازن دقيقة بين مراكز النفوذ الداخلية وکذلك المدعومة خارجيا.
أفرزت الانتخابات الأخيرة برلماناً موزعاً بين قوى شيعية متنافسة، وكتل سنية تبحث عن تعزيز وزنها في معادلة السلطة، وقوى كردية تواجه تحديات داخلية في إقليم كردستان. هذا التعدّد زاد من صعوبة تشكيل ائتلاف واضح، خصوصاً في ظل تراجع قدرة أي طرف على فرض هيمنة منفردة.

البيت الشيعي، بوصفه الكتلة الأكبر عدداً وتأثيراً، يواجه انقساماً بين أحزاب تملك خبرة طويلة في إدارة الدولة وبين فصائل مسلّحة دخلت العملية السياسية بثقل متصاعد. ورغم تكرار شعار “وحدة الموقف”، فإن الخلافات حول من يكون رئيسا للوزراء في الحكومة الجديدة تجعل من التوافق أمراً بالغ الصعوبة وذلك لتعدد الأسماء. وفي هذا المشهد، يبقى موقف القوى السنية والكردية جزءاً أساسياً من معادلة التوازن.

تقدّم واشنطن مجموعة مطالب تعتبرها ضرورية لشكل التعاون مع الحكومة المقبلة، أبرزها:توسيع الحكومة الجديدة مسافاتها مع إيران وكذلك تقليص نفوذ الفصائل المسلحة في القرار الأمني،وضمان استمرار الشراكة الأمنية في مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل نشاط بقايا داعش،وحماية المصالح الأمريكية في العراق ومنع أي نشاط معادٍ من الأراضي العراقية تجاه القواعد الأمريكية أو شركائها في المنطقة.

على المستوى العملي، تُمارس واشنطن هذه الضغوط من خلال لقاءات رسمية، وتنسيق مع شركائها المحليين، ونقل رسائل واضحة حول ضرورة “استقرار الدولة” بعيداً عن نفوذ الجماعات المسلحة. وتعلم العاصمة العراقية أن تجاهل هذه المطالب قد يؤدي إلى قيود اقتصادية وعسكرية، ما سيضعف الحكومة منذ لحظتها الأولى.

على الجانب الآخر، تنظر طهران إلى العراق باعتباره أحد أعمدة أمنها الإقليمي ومحوراً أساسياً في شبكة تحالفات تمتد إلى سوريا ولبنان واليمن. لذلك تفضّل حكومة لا تتعارض مع مصالحها، أو على الأقل لا تتصادم مع حلفائها المحليين.
تستخدم إيران مجموعة أدوات تأثير، أبرزها:
الدعم السياسي للقوى والحركات المتحالفة معها داخل البرلمان،والعلاقات مع الفصائل المسلحة التي تعتبر نفسها جزءاً من “محور المقاومة”والتبادل الاقتصادي الواسع الذي يجعل أي توتر ينعكس على الطرفين،والتواصل الأمني والدبلوماسي لضمان أن الحكومة المقبلة لن تتخذ خطوات تعتبرها طهران تهديداً مباشراً لنفوذها.
تدرك القوى العراقية أن إقصاء نفوذ إيران بشكل مفاجئ سيقود إلى ردود فعل سياسية وربما أمنية، بينما يفتح التماهي الكامل مع رغباتها الباب أمام ضغوط أمريكية تجعل العراق في قلب صراع المحاور.

القوى السنية، التي تطمح إلى استعادة دورها السياسي بعد سنوات من الاضطراب، تدخل مفاوضات تشكيل الحكومة بعين على الوزارات الخدمية والاقتصادية، وبعين أخرى على إعادة بناء مناطقها المحررة من تنظيم داعش.
تسعى الكتل السنية إلى ضمان حصصها التقليدية في رئاسة البرلمان وبعض الوزارات، لكنها في هذه الدورة تتطلع أكثر إلى حقائب ذات ثقل اقتصادي، مع إدراكها لأهمية عدم إغضاب المحورين الأمريكي والإيراني.
في خلفية المشهد، يبرز تنافس داخلي بين زعامات سنية كلاسيكية وشخصيات جديدة صاعدة، ما يزيد من صعوبة توحيد صوتهم خلال مفاوضات الائتلاف.

تمثل الأطراف الكردية عاملاً حاسماً في تشكيل الحكومة، وغالباً ما يكون موقفها المشترك “بيضة القبان” في ترجيح كفة أي تحالف. لكن الانقسام السياسي بين الحزبين الرئيسيين -  الاتحاد الوطني الكردستاني — وحزب الديموقراطي الكردستاني -يجعل ملف المشاركة الكردية جزءاً آخر من تعقيد المشهد.
إن وحدة الموقف الكردي تمنح أربيل والسليمانية وزناً تفاوضياً كبيراً، بينما يؤدي الانقسام إلى تقليل قدرة الطرفين على التأثير في شكل الحكومة المقبلة.

إن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ليس ممارسة دستورية عابرة، بل امتحان لمستقبل الدولة نفسها. فالعراق اليوم يقف على مفترق طرق: إما حكومة قادرة على إدارة التوازن الإقليمي وحماية القرار الوطني، أو الدخول في دورة جديدة من الأزمات والارتهان للمحاور.
وبين واشنطن وطهران، لا تزال الكلمة الأخيرة بيد الأطراف العراقية، إن أرادت أن تعيد للدولة هيبتها وللمواطن ثقته بمؤسسات الحكم.

اقرأ المزيد
123456