مقالةمقالة

((المسؤولية الملقاة على عاتق إقليم كوردستان لا تقتصر على حماية مكاسب شعبه الدستورية، بل تتجاوز ذلك إلى الإسهام في صون المسار الديمقراطي والدستوري للعراق )))

وضعت الانتخابات النيابية العراقية أوزارها، وسارت العملية الانتخابية بسلاسة عامة رغم بعض الخروقات المحدودة التي بدت متوقعة من أطراف اعتادت هذا السلوك في كل محطة انتخابية. 
ومع انقضاء هذا الاستحقاق، تتجه الأنظار مجددا إلى ما بعد النتائج، إلى مرحلة الحساب السياسي الحقيقي حيث تبدأ التجارب في الميدان لا على المنصات والشعارات.
من المهم التذكير أن جميع الأطراف الكردستانية كانت، خلال الحملة الانتخابية، تخاطب المواطن الكردستاني بوعود واضحة: ضمان الحقوق في بغداد، تأمين الميزانية والرواتب، وتفعيل المواد الدستورية الخاصة بإقليم كردستان. غير أن الفارق الحقيقي بين هذه القوى يكمن في مدى صدقها وجديتها وقدرتها الواقعية على تنفيذ ما التزمت به.
وفي هذا الإطار، يبرز الاتحاد الوطني الكردستاني كقوة أكثر توازنا ومسؤولية في التعاطي مع بغداد، لما يمتلكه من ثقل سياسي مؤثر ومكانة راسخة بين القوى الوطنية العراقية، صوته مسموع في المراكز السياسية، ورؤاه تحظى بالاحترام لما تتسم به من اعتدال وحكمة، ولما أثبته عمليا من التزام بمسؤولياته تجاه المواطنين وحقوقهم.
بعد إعلان النتائج، ستدخل الساحة العراقية في دوامة من المعادلات الصعبة التي ستتطلب توافقا دقيقا بين القوى السياسية لتشكيل السلطات، وفي خضم هذه المرحلة، تبرز الحاجة الملحّة لوحدة الصف الكردستاني وتنسيق المواقف بين قواه المختلفة، فالمسؤولية الملقاة على عاتق إقليم كردستان لا تقتصر على حماية مكاسب شعبه الدستورية، بل تتجاوز ذلك إلى الإسهام في صون المسار الديمقراطي والدستوري للعراق كله، لأن أي انحراف عن هذا المسار سيعيد البلاد إلى مركزية خانقة تهدد استقرار التجربة الاتحادية، وتضع مكتسبات الإقليم على المحك.
مثلما اكد رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل جلال طالباني في كل مناسبة، فإن الاتحاد سيبقى وفيا لتعهداته، وسيكون صوت المواطنين وقوتهم الحقيقية في بغداد، من أجل بناء عهد جديد من التفاهم والتكامل بين الإقليم والعاصمة، عهد يعيد الثقة ويترجم الشراكة إلى واقع ملموس في حياة الناس.
لقد حان الوقت لجميع الأطراف الكردستانية أن تُثبت لجماهيرها أنها على مستوى الوعود التي أطلقتها، وأن توحد موقفها من أجل تحقيق ما وعدت به في صناديق الاقتراع، فالشعارات وحدها لا تكفي، بل المطلوب هو الوفاء العملي والاتفاق الوطني الكردستاني–الكردستاني الذي يضمن مصالح الشعب ويحافظ على دور الإقليم الفاعل في بناء عراق اتحادي ديمقراطي مستقر

اقرأ المزيد

صادف يوم الثلاثاء الحادي عشر من تشرين الثاني 2025 ، يوم العرس الانتخابي لاختيار اعضاء مجلس النواب العراقي، الذكرى السنوية لواحدة من أكثر اللحظات التاريخية إشراقا في مسار الدولة العراقية الحديثة، وهي ذكرى إعادة انتخاب فخامة الرئيس مام جلال رئيسا لجمهورية العراق في جلسة مجلس النواب بتاريخ 11/11/2010، في حدث شكل علامة فارقة في مسيرة الانتقال الديمقراطي، وترسيخ النهج الدستوري، وتثبيت مبدأ الشراكة الوطنية والتعايش بين المكونات العراقية كافة.

لقد كان هذا اليوم تتويجا لمرحلة دقيقة من تاريخ العراق، إذ جاء انتخاب الرئيس مام جلال بإجماع وطني واسع بعد مخاض سياسي طويل أعقب انتخابات عام 2010، ما جعل من هذه اللحظة حدثا جامعا أعاد الأمل بإمكان توحيد الصف العراقي وتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، والعبور نحو مرحلة جديدة من الاستقرار وبناء الدولة.

تنبع أهمية هذه الذكرى من كونها لم تكن مجرد إجراء دستوري لإعادة انتخاب رئيس للجمهورية، بل كانت رسالة عراقية خالصة بأن وحدة البلاد وسيادتها فوق كل الخلافات، فقد مثل الرئيس مام جلال في نظر العراقيين والكردستانيين على حد سواء رمزا لوحدة الإرادة الوطنية، وصوتا للحكمة والاعتدال، وجسرا للتفاهم بين جميع القوى السياسية والمكونات الدينية والقومية.

كما ارتبط هذا اليوم في الوجدان الكردستاني بتجديد الاعتراف بالدور الوطني للكرد في بناء العراق الديمقراطي الاتحادي، وهو ما عكسته مشاركة واسعة للقوى الكردية في العملية السياسية على أساس الشراكة الحقيقية، لا التبعية أو الإقصاء.

 

 خطاب و ملامح مشروع وطني شامل

في خطابه التاريخي بعد أداء اليمين الدستورية، رسم الرئيس مام جلال ملامح مشروع وطني شامل لتثبيت الديمقراطية الاتحادية، والوحدة الوطنية، والمصالحة الحقيقية، حيث شدد على أن “الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا في ظل الوحدة الوطنية والمصالحة القائمة على التسامح دون نسيان الجرائم، وعلى نبذ الفئوية والطائفية بكل أشكالها.”

كما دعا فخامته إلى بناء دولة المواطنة القائمة على تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، مؤكدا أن الشراكة لا تعني تقاسم المناصب، بل الشراكة في الوطن، وفي تحمل المسؤولية أمام الشعب.

وأكد في كلمته أن “الإرادة العراقية الحرة” قادرة على معالجة أزماتها بقواها الذاتية، مثنيا على مبادرة رئيس إقليم كردستان التي ساهمت في جمع الكلمة وتوحيد الصف، في إشارة واضحة إلى أهمية التعاون بين بغداد وأربيل في رسم مستقبل العراق الاتحادي.

ولم يغب عن خطابه البعد الإنساني والوطني، إذ دعا إلى بناء “الإنسان العراقي الجديد” القادر على تقبل الآخر ورفض العنف والإقصاء، مشددا على أن التنوع العراقي هو مصدر قوة وليس تهديدا، وأن حماية هذا التنوع مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

إعادة انتخاب الرئيس مام جلال في تلك اللحظة الحساسة لم تكن مجرد استحقاق دستوري، بل كانت تجديدا للثقة بشخصية جامعة استطاعت عبر سنوات النضال والسياسة أن تحافظ على توازن العراق وسط العواصف الإقليمية والدولية.

لقد مثّل فخامته “صمام الأمان” للعراق، كما وصفه العديد من القادة، لما تميز به من حكمة سياسية وبعد نظر، ولما امتلكه من علاقات واسعة واحترام دولي مكّناه من تعزيز مكانة العراق عربيا وإقليميا ودوليا.

 

 برقيات التهاني ودلالاتها

 

تدفقت على بغداد عقب إعادة انتخابه عشرات برقيات التهاني من زعماء العالم، من الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الرئيسين هو جينتاو ودميتري ميدفيديف، ومن قادة المنطقة مثل أحمدي نجاد وعبد الله غول وصباح الأحمد الجابر الصباح ومحمد حسني مبارك، ومن القادة العرب والدوليين الآخرين وجميعها أكدت على:

* الدور الريادي للرئيس مام جلال في ترسيخ الديمقراطية.

* إسهاماته في توحيد العراقيين وتعزيز الاستقرار.

* مكانته كرمز سياسي معتدل يحظى بالاحترام الدولي.

* واعتبار انتخابه انتصارا للإرادة الوطنية العراقية وتأكيدا لنهج العراق في الشراكة والوحدة.

 

 أهمية إحياء الذكرى اليوم

إن استذكار هذا اليوم في 11 تشرين الثاني 2025 لا يحمل فقط معاني الوفاء لقائد وطني ترك بصمته العميقة في تاريخ العراق الحديث، بل هو تذكير للأجيال الجديدة بقيمة النهج الذي مثله مام جلال ، نهج الاعتدال والتسامح والحوار والشراكة الحقيقية.

وفي زمن تتجدد فيه التحديات أمام الدولة العراقية، تصبح هذه الذكرى منارة تهدي السياسيين إلى جوهر العمل الوطني: تغليب المصلحة العامة على المصالح الفئوية، والإيمان بأن قوة العراق تكمن في وحدته والالتزام بمساره الدستوري بامانة وبلاانتقائية.

لم تكن إعادة انتخاب الرئيس مام جلال في 11/11/2010 مجرد واقعة سياسية، بل حدث وطني جامع أسّس لمرحلة جديدة من الوعي الدستوري والسياسي، وجسد مفهوم القيادة المسؤولة التي تؤمن بالديمقراطية، وتحمي سيادة العراق وتنوعه.

وفي الذكرى السنوية لهذه المناسبة الخالدة، من الضرورة ان يجدد العراقيون — عربا وكردا وتركمانا ومسيحيين — العهد بالسير على نهج مام جلال، نهج الحوار والتفاهم والوطنية الصادقة، لاستكمال مسيرة بناء عراق ديمقراطي اتحادي مزدهر، يليق بتضحيات شعبه وتاريخه العريق.

اقرأ المزيد

جاء خطاب بافل طالباني الأخير باللغة العربية خطوة لافتة في توقيتها ومضمونها، حملت رسائل موجّهة إلى العراقيين جميعًا، وليست محصورة في نطاق الجغرافيا الكردية وحدها. هذا الظهور يعكس توجّهًا جديدًا داخل الاتحاد الوطني الكردستاني نحو تعزيز حضوره في المشهد السياسي الاتحادي، وإعادة صياغة دوره كشريك أساسي في الدولة العراقية.

اللهجة التي استخدمها طالباني في خطابه كانت هادئة، لكنها مباشرة، وقد حرص على التأكيد على الشراكة، وحدة المصير، واحترام التنوع، مع إبراز دور السليمانية والاتحاد الوطني في حماية استقرار العراق خلال المراحل الصعبة.

بدا واضحًا أن الاتحاد الوطني يستعد لتقديم مرشحه الأبرز لمنصب رئاسة الجمهورية، مستندًا إلى إرث سياسي وتاريخي طويل، وعازمًا هذه المرة على المضي بثقة بعيداً عن خيارات “المرشحين الاحتياطيين” أو تسويات اللحظة. 

إن هذا الخطاب لا يمكن اعتباره مجرد رسالة إعلامية، بل هو إعلان عن مرحلة سياسية جديدة، يسعى فيها الاتحاد الوطني لاستعادة موقعه الطبيعي في المعادلة الوطنية.

اقرأ المزيد

بموازاة خطابات رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني الجماهيرية المفعمة بالامال والتعهدات الحقيقية ،برزت سلسلة خطابات قوباد طالباني في أربيل وسوران ورواندز وسيدكان وورتـي وقسري، كخريطة طريق واضحة المعالم تعبر عن النهج الإصلاحي الجديد للاتحاد الوطني الكوردستاني، وتؤكد أن الحزب لا يكتفي بإطلاق الشعارات، بل يعمل على تنفيذها كمشروع وطني متكامل، يمتد من عمق الإقليم إلى قلب بغداد.
لقد تحدث قوباد طالباني، المشرف على دائرة أربيل الانتخابية، بلغة واثقة قائمة على الوقائع، ليخاطب وجدان المواطن الكوردستاني مباشرة، مؤكدا أن ما يطرحه الاتحاد الوطني اليوم ليس برنامج انتخابات عابرا، بل استراتيجية حكم وإدارة، تقوم على ثلاثة أسس:
أولا، معالجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية من جذورها لا بترقيعها؛ وثانيا، إصلاح العلاقة بين الإقليم وبغداد على قاعدة الدستور والشراكة الحقيقية؛ وثالثا، إعادة الاعتبار لدور المواطن والجماهير في صناعة القرار السياسي داخل الحزب والإقليم على السواء.
ومن خلال خطابه المتزن، حاول قوباد طالباني تفكيك المعادلة التي أثقلت حياة الناس في السنوات الماضية، مبينا أن أزمة الرواتب والموازنة ليست مشكلة مالية فقط، بل هي نتاج خلل سياسي وإداري في العلاقة بين أربيل وبغداد، لا يمكن حله إلا عبر اتفاق شامل طويل الأمد، يُعيد الثقة والالتزام المتبادل بين الطرفين.
ولم يكتفِ قوباد بتشخيص الواقع، بل استعرض نماذج ملموسة من الوفاء بتعهدات الاتحاد الوطني، فقد أوفى الحزب بعهده في استحداث محافظة حلبجة، وفي إعادة التوازن إلى كركوك، وفي حماية الشراكة داخل مؤسسات الإقليم، وفي مواجهة أي محاولة لتهميش إرادة المواطنين أو تزييف أصواتهم.
وبهذا، جسد الاتحاد الوطني مرة أخرى مبدأ الفعل قبل القول الذي رسخه الرئيس مام جلال وأكده الرئيس بافل طالباني في الميدان.
إن الخطاب الذي يقدمه قوباد طالباني اليوم، هو دعوة إلى تصحيح مسار الحكم في الإقليم، وإلى ترسيخ نمط جديد من السياسة الكوردستانية، قوامه العمل والصدق لا التجمل بالشعارات. وهو خطاب موجه خصوصا إلى الأصوات الساخطة والمترددة، ليقول لها إن العزوف عن التصويت لا يعاقب المقصرين، بل يكافئهم، وإن الطريق إلى التغيير الحقيقي يبدأ من صندوق الاقتراع الأخضر الذي يحمل الرقم 222، رمز الاتحاد الوطني الكوردستاني.
وفي جوهر رسالته، أراد قوباد طالباني أن يذكر الجميع بأن اتحادا وطنيا قويا يعني كوردستان قوية ومستقرة، وأن قوة الحزب في بغداد هي الضمانة لحقوق الإقليم ومكتسباته الدستورية، وأن التحالف بين الشرعية الشعبية والمصداقية السياسية هو وحده القادر على إخراج كوردستان من دوامة الأزمات.
لقد أصبحت الرسالة واضحة بان  الاتحاد الوطني لا يعطي الوعود ليربح الانتخابات، بل يعمل ليُصلح مسار الادارة والحكم وان  وعوده ليست موسمية، بل خطة إصلاح وطنية مستمرة، تتقدم كل يوم بخطى واقعية، لأنها ببساطة تنطلق من معاناة الناس وتعود إليهم على هيئة أمل وثقة واستقرار.
ان تجسيد العمل بدل الكلام، والتنفيذ بدل الوعد، والمصداقية بدل المزايدة ،رسالة تنتظرها الجماهير من حزب عريق آمن دائما بأن شرعيته لا تُستمد من الشعارات، بل من خدمة الناس وحماية كوردستان.

اقرأ المزيد

 

في 2022/10/13 تسنّم الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد منصب رئاسة الجمهورية، ومنذ ذلك اليوم وحتى الان يؤدي مهامه الدستورية بجد واخلاص، واضعا نصب عينيه خدمة المواطنين والدفاع عن حقوقهم، وفي حياة الشعوب، تتجسد رموز الدولة في مؤسساتها وقادتها، وفي مقدمة هؤلاء يبرز رئيس الجمهورية باعتباره رأس الدولة وحامي الدستور وراعي السيادة الوطنية. ليس منصب الرئيس مجرد لقبٍ رسمي أو مكانة بروتوكولية، بل هو أمانة ومسؤولية كبرى تُناط بشخصٍ اختارته الأمة ليكون ممثلاً لها أمام العالم، ولسانها الصادق في المحافل الدولية، وضامن التوازن بين السلطات، وحامياً لوحدة البلاد وأمنها واستقرارها.

لقد أثبتت التجارب أن شخصية رئيس الجمهورية تلعب دوراً محورياً في تعزيز قيم الديمقراطية وترسيخ ثقافة التعايش والسلام بين مختلف مكوّنات المجتمع. فالرئيس الناجح لا يُقاس بما يملكه من صلاحيات دستورية فحسب، بل بما يمتلكه من حكمة ورؤية وحرص على جمع الكلمة وتوحيد الصفوف. إن وجود رئيسٍ يتمتع بالمصداقية والعدالة يشكل صمّام أمان أمام الأزمات، ويمنح المواطنين الثقة بأن بلدهم يسير نحو بر الأمان مهما عصفت به التحديات.

لقد عُرف رئيس الجمهورية بصفاته الإنسانية الرفيعة، فهو رجل حوار قبل أن يكون رجل قرار، يمد الجسور بين القوى السياسية المختلفة، ويعمل على تقريب وجهات النظر بما يحفظ المصلحة العليا للوطن. كما أنه قريب من أبناء شعبه، يحمل همومهم ويستمع إلى مطالبهم، ويسعى جاهداً إلى أن تكون الدولة خادمة لمواطنيها، لا متسلطة عليهم. هذه الروح التواضعية والإنسانية أكسبته احتراماً واسعاً داخلياً وخارجياً، وجعلت من موقع الرئاسة مرجعاً أخلاقياً إلى جانب كونه مؤسسة دستورية.

وعلى الصعيد الدولي، يحرص رئيس الجمهورية على أن تكون بلاده فاعلة في المجتمع الدولي، قائمة على احترام المواثيق الدولية، وبناء علاقات متوازنة تقوم على التعاون والتكامل لا على الصراع والهيمنة. وبفضل هذه السياسة الرصينة، استطاعت الدولة أن تعزز مكانتها بين الأمم، وتكون جسراً للتواصل بين الشرق والغرب، ومنبراً للدعوة إلى الحوار والسلام والتنمية المشتركة.

أما في الداخل، فإن مبادرات الرئيس في رعاية التفاهم الوطني وإطلاق المشاريع الداعمة للشباب والمرأة والتنمية المستدامة، تمثل دليلاً واضحاً على إدراكه العميق بأن استقرار الدولة لا يتحقق إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. فبناء دولة القانون والمؤسسات هو السبيل الأمثل لتجاوز الأزمات والتحديات، والرئيس يدرك تماماً أن قوة الدولة تُقاس بمدى احترام حقوق مواطنيها وكرامتهم.

إن الحديث عن رئيس الجمهورية هو حديث عن رجل يمثل الإجماع الوطني، ويقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، ويحمل على عاتقه همّ الوطن والمواطن. هو صوت الحكمة في زمن الانفعال، ورمز الاعتدال في زمن الانقسام، ووجه الدولة المشرق أمام العالم.

وختاماً، نستطيع القول إن رئيس الجمهورية، بما يحمله من صفات قيادية وإنسانية، يمثل نموذجاً إيجابياً لرجل الدولة الذي يضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار، ويكرّس حياته لخدمة الوطن. إنه بحقّ رمز الوحدة الوطنية، وضمانة الاستقرار، وحارس الدستور.

اقرأ المزيد

مام جلال ليس اسمًا يُتلى عابرًا، بل هو أشبه بجرسٍ يوقظ الذاكرة كلما حاول النسيان أن يمدّ يده. هو صورة وطنٍ يتشظّى ثم يلتئم، وصوتُ أبٍ يعرف أن الكلمة أحيانًا أقدر من المدفع، وأن ابتسامة صادقة قد تفتح أبوابًا أوصدتها العواصف. 
حين نكتب عنه، كأننا نكتب عن نهرٍ يتدفق في الروح؛ كل جملة تُشبه قطرة، وكل صورةٍ ظلًّا من ظلاله الوارفة. فالرجل لم يكن زعيمًا سياسيًا وحسب، بل كان شاعر السياسة في زمنٍ قاسٍ، يحوّل الطين إلى نبتة، واليأس إلى ضوءٍ صغير يتسع شيئًا فشيئًا.
لقد استطاع أن يجلس إلى المختلفين كما يجلس الأب إلى أبنائه؛ يفتح ذراعيه ليجمع المتخاصمين، ويمسح بيده غبار الخلاف، كأنه يمسح غبار الطريق عن كتفي مسافرٍ عائد. كان يرى أن الوطن بيتٌ واحد، وإن كثرت أبوابه ونوافذه، فلا بد أن تُضاء كلها لتكتمل الإقامة فيه. وقد قال يومًا:
“العراق لا يُبنى بالإقصاء، بل بالشراكة والاعتراف بالآخر.”
وما أجمل أن نجد من يستعيد صورته بالكلمة، كما فعل عماد أحمد في مقالته التي لم تكن تقريرًا سياسيًا، بل مرآةً إنسانيةً تعكس جوهر القائد الذي أحبّ أن يُرى بوصفه إنسانًا قبل أي لقب. ذلك النص فتح أمامنا أفقًا جديدًا للكتابة عنه، حيث تتحول السيرة إلى قصيدة، والتجربة إلى مجاز، والذاكرة إلى حديقةٍ لا تذبل.
مام جلال 
باقٍ بيننا، لا في الصور المعلّقة على الجدران، بل في الحكايات التي تتردّد على الألسن، في صدى الضحكة التي تذكّرنا بأن الزعيم لا يفقد إنسانيته، وفي ذلك اليقين الذي يتركه فينا: أن السياسة بلا حكمة كالسفينة بلا بوصلة. وكان يردد دومًا:
“الثقافة هي الوجه الآخر للسياسة، ومن دونها تتحول السياسة إلى صراع أعمى.”
إن الكتابة عنه ليست مجرد وفاء، بل هي استعادة لزمنٍ حمل الكثير من الألم والكثير من الأمل معًا. زمنٌ أدركنا فيه أن بعض الرجال يتحولون بعد رحيلهم إلى رموزٍ تسكن اللغة والوجدان، وتبقى مثل قناديل صغيرة ترشد الخطى في عتمة الطريق.
مام جلال…
كان يجلس في حضرة المختلفين كما يجلس الأب إلى أبنائه، كلمةٌ منه كانت تسوّي هوّةً عميقة،
ولفتةٌ منه كانت كافية لتعيد الأمل إلى مائدةٍ موحشة.
لم يكن زعيمًا فقط، بل نديم الحكمة ورفيق الحلم،
ورحيله لم يُطفئ القنديل، بل ترك فينا جمراً يضيء كلما تاهت الطرق.
وأنا أكتب عن مام جلال، أشعر وكأنني أسترجع نبضًا عاش بيننا، وصوتًا يهمس بالحكمة في كل زاوية. إنه أكثر من اسمٍ في كتب التاريخ؛ إنه تجربة تملأ القلب، وتعلّمنا أن القيادة ليست مجرد سلطة، بل إحساسٌ بالآخر، ومرافقة للأمل، وإيمان بأن الإنسان قادر على أن يكون أكبر من كل الخلافات، وأعمق من كل المصاعب.
مام جلال…
سيبقى حيًا ما بقيت الحكايات، وما بقي الشعراء يبحثون عن صورةٍ للإنسان الكبير، وما بقيت الشعوب تتلمس في الليل بصيص نورٍ يقودها إلى فجرها،
وقصيدةً مفتوحة على أملٍ لا ينطفئ.

اقرأ المزيد

نقف عند عتبة خريف آخر، وعيوننا تفيض حزنا على الفقدان الاليم لرئيسنا ومرشدنا، ونقف عند حزن تساقط الأوراق الملونة لأشجار هذا الخريف.
 لقد آن الأوان لأن تروي دموعنا هذه جذور الاتحاد الوطني وتعزز صلابته، ونحولها في ربيع قادم إلى شجرة باسقة، أكثر خضرة وظلا للكوردايتي.

الخريف وذكرياته تعيدنا إلى شهداءنا، وسجناءنا وقصص صمودهم الفريدة، كيف أصبحوا مع حملة البيشمركة وعموم الناس تناغما جديدا وخلقوا ربيع الانتفاضة. يجب ألا تثنينا المشاكل والأزمات اليوم، بل لتكن وقودا يمدّنا بالطاقة لتغيير أنفسنا ومحيطنا، مستلهمين في ذلك حكمة مام جلال السياسية، لنحول التحديات إلى فرص للنمو والتجدد.

هكذا هو قدر الاتحاد، فكل انتصار مرهون بتضحيات، وكل فرحة تتخللها لحظات حزن عميق، وهذا ما جعلنا نقدر إنجازاتنا ومكاسبنا بشكل أفضل من الآخرين؟

الآن ليس معنا سندنا، مام الجميع، الذي كان مثل جبل شامخ خلف الاتحاد وجماهيره، لكن اليوم، الاتحاد الوطني لديه رئيس واحد وقيادة واحدة وقرار وطني واحد، لذلك، من الضروري الآن أن تكون روح مام ونهجه بوصلتنا، ليس فقط وفاء لنهجه، بل لكي لا نقع في أخطاء كبيرة واستراتيجية.

على الرغم من كل العقبات الخارجية، فإن ما يجعل خريف كردستان الطبيعي هذا يتحول إلى خريف سياسي هو وجود بعض الفساد والضعف في بعض المؤسسات الديمقراطية، وعدم تحويل شرعية الثورة إلى شرعية القانون والدولة، والتفريط بالمستقبل من أجل مكاسب يومية بخسة.

لتجاوز هذه الأمور، يجب أن نجعل هذا الخريف مرة أخرى مادة وطاقة وقدرة لحل جميع المشاكل بوحدة الصف والموقف والصوت الواحد للوصول إلى ربيع كردستاني طويل الأمد، يحمل من التنوع السياسي والآراء الحرة بقدر تنوع ألوانه، ونصبح جميعا معا تناغما وسيمفونية لازدهار الكوردايتي.

كم هو مفعم بالأمل عندما نرى الجهود والمساعي تتجه تدريجيا نحو طريق الوحدة والأخوة وتسعدنا كل ابتسامة، كل وحدة، كل مصافحة في سبيل توحيد صفوفنا وتوافق البيت الكردي،فلنعضد هذه الأخوة، وبحكمة وحنكة الجميع نعزز ركائز الدولة والحكم في إقليمنا.

 وليكن تنافسنا حول تقديم المزيد من الخدمات لشعبنا وتحسين معيشتهم، وبالتكاتف ندافع عن حقوق الإقليم واستحقاقاته المالية وفق الدستور، ونمضي نحو تحسين العلاقات بين الإقليم وبغداد

حان الوقت لنقتدِ بابتسامة مام جلال وحكمته، ولنكن مرنين أمام أبناء شعبنا؛ فذلك ليس ضعفا ولا تنازلا، بل هو سموٌّ وانتصار. فكل خطوة تُقدَّم من أجل المواطن والمصلحة العامة هي إنجاز حقيقي ومبعث فخر لكل من يسير في طريقها.

لقد مضت ثماني سنوات ونحن بلا مام جلال؛ ذاك القائد الذي كان شجرة واحدة، لكنها تحمل عبق جميع بساتين الدنيا. كان زهرة تختزل في أوراقها جمال كل الورود، وعطرا يضم في شذاه كل روائح الكون. كان كردستان بأسرها متجسدة في هيبته.

وكلما توغّل الزمن في غيابه الأبدي، ازداد قربه منا أكثر فأكثر. واليوم، الاتحاد، وكردستان بكل أطرافها، والعراق برمّته، أحوج ما يكونون إلى حكمة مام جلال وبُعد نظره. فلنتمسّك بحكمته ونردد: إلى الأبد أنتم بصيرتنا ومرشد دربنا وقائدنا، لأنكم بمهارتكم وحكمتكم اصبحتم اكبر من الاتحاد وكل أشكال العمل الحزبي، وهذا ماجعلكم خيمة جامعة تحتمي بها الجميع.

اقرأ المزيد

 

في العادة، تنشغل وسائل التواصل في العراق يوم الثاني من آب، سنويا، باستذكار حماقة صدام باجتياح دولة الكويت وما ترتب على ذلك من تداعيات خطيرة ومؤلمة قادت الى فرض حصار اقتصادي تسبب بمعاناة إنسانية كبرى استمرت 13 عشر عاما، خسر فيها العراق الكثير من إمكانياته وقدراته البشرية والمادية والأمنية وادى الى تنازلات سيادية مذلة بعد هزيمة صدام في حرب الكويت، وكان من المتوقع ان يكون استذكار هذه الحماقة أكبر هذه السنة نظرا للاهتمام الشعبي والسياسي بقضية خور عبدالله الذي تنازل صدام وعبر قرارات أممية عن حقوق العراق فيه، لكن كل ذلك لم يحدث.
لقد وضع الصداميون خطة إعلامية بسيطة تعتمد على سذاجة البعض وحسد البعض وغضب كثير من المواطنين بسبب المشاكل الخدمية من أجل حرف الاهتمام العام وتشتيت الأنظار عن يوم الكارثة التي مازال العراق يعاني من تبعاتها، اذ قامت الصفحات والحسابات التابعة لخميس الخنجر بنشر فيديو قديم لمواطن ممتعض من الهدية التي استلمها من رئاسة الجمهورية لأنها لم تكن مسدسا كما توقع او كما تربى في أحضان نظام قمعي يهدي المسدسات لمواليه وهو نهج اتبعه بعض الساسة والمسؤولين بعد عام 2003 في تقليد بائس للنظام الصدامي، وبذلك قدم الخنجر هدية كبرى للصداميين.
نشر الفيديو على نطاق واسع مدروس لتحقيق عدة أهداف، منها تغييب الاهتمام بذكرى اجتياح الكويت وقضية خور عبدالله، وكذلك التمهيد لحملة شرسة تطالب باقصاء الكرد عن منصب رئاسة الجمهورية بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهو هدف غير مخفي وقد أعلنه اكثر من سياسي ممن يتبنون إرث صدام في إدارة موقع الرئاسة ويحلمون بإعادة ثقافة المسدسات فهم لا يقتنعون بالهدايا الرمزية والبسيطة بل يريدون ولاء مغموسا بالقتل والدم.
المؤسف، ان بعض العراقيين الذين دعموا الفيديو كانوا يعانون أمورا كثيرة تستحق الانفعال والغضب أكثر من هدية الرئاسة البسيطة، كانوا مثلا يعيشون بلا كهرباء في ظهيرة لاهبة، وانهار القرى نضبت مياهها، وتحاصرهم النفايات، والبطالة تعرقل حياة أبنائهم، ولديهم برلمان غائب يعجز عن عقد جلسة عادية، وحكومة تفشل في تقديم موازنة وبلادهم تتعرض للانتهاكات العسكرية التركية، وعشرات المشاكل المصيرية، لكنهم فضلوا في النهاية صب غضبهم على قنينة زيت وقنينة دبس رمان والتعاطف مع شخص هو مشروع قاتل كان يتمنى الحصول على مسدس، لأنه يعرف ان هناك في بلادنا من يوزع المسدسات لأهداف انتخابية ويشجع المواطنين على قتل بعضهم البعض، ويريد من رئاسة الجمهورية الاشتراك في هذه المهزلة.

اقرأ المزيد

‎قيل إن بغداد لم تعد ترحّب بالوفود القادمة من أربيل.
‎لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
‎فما أُغلق لم يكن مجرد بابٍ إداري، بل مساحة تفاهم كانت تُبقي العلاقة حيّة، ولو على أجهزة التنفس الاصطناعي.

‎منذ 2003، لم تُبْن العلاقة بين المركز والإقليم على أرض صلبة.
‎بل تأسست على “التفاهمات المؤقتة”، تلك التي تُكتب بالحبر السياسي وتُمحى بالماء المتقلّب للظروف.
‎ولم يكن هناك عقد شراكة طويل الأمد، بل تبادل مصالح مرحلي، فيه الكثير من الحذر… والقليل من الثقة.

‎الوفود التي اعتادت أن تطير من أربيل إلى بغداد كانت تحمل معها أكثر من ملف…
‎تحمل أملًا هشًّا بأن اللقاء قد يغيّر شيئًا، أو يُخفف وطأة الأزمة، أو يفتح نافذة بعد أن أُغلقت الأبواب.

‎لكن بغداد تغيّرت.
‎لم تَعُد تهتم بما يُقال خلف الطاولات، بل بما يُسلّم على الورق.
‎صارت تنظر للملف الكردي كما ينظر المحاسب إلى ميزانية ناقصة:
‎“أين الإيرادات؟ وأين توقيع الخزينة؟”

‎الرد غير المُعلن: “لا ترسلوا وفوداً… أرسلوا جداول.”
‎ولا بيانات سياسية، ولا شروحات إعلامية، بل كشوفات حساب لا تحتاج إلى مترجم سياسي.

‎في أربيل، لم يكن الاستياء خفياً.
‎فحين يلتزم الإقليم بضخ النفط، ثم لا تصله المستحقات كاملة،
‎وعندما تُربط الرواتب بتقارير لجنة مالية اتحادية،
‎ويُعامل كأن لا وجود لخصوصية أو تعقيد،
‎يبدأ شعور “الخسارة بدون مقابل” بالتكاثر داخل القرار الكردي.

‎السؤال الأهم ليس إن كانت بغداد ترفض الحوار، بل:
‎هل ما زالت هناك قناعة لدى الطرفين بأن هذه العلاقة تستحق أن تُنقذ؟

‎بغداد لا تريد مناقشة التفاصيل، بل تنفيذ القانون كما تراه هي.
‎وأربيل لم تعُد تملك الوقت الكافي لإعادة التفاوض في كل مرة.

‎النتيجة؟
‎رجل في دهوك ينتظر راتبه منذ شهرين،
‎وامرأة في السليمانية تسأل في السوق: “هل صرفوا الرواتب؟”
‎وفي مكان آخر، تُكتب تقارير تُقيّم الأداء المالي للإقليم وكأنه دائرة صغيرة في دولة كبيرة، لا كيانًا سياسيًا له تاريخ معقد.

‎لكن ما يغيب عن هذه المقاربة هو أن العلاقة بين أربيل وبغداد لم تكن يوماً علاقة رقمية.
‎بل كانت سياسية، مشوبة بالعاطفة أحياناً، والمجاملات في أحيان أكثر.

‎حين يُقطع الحوار، حتى وإن كان شكليًا،
‎وحين يُدار ملف بهذا الحجم عن طريق البريد الإلكتروني والتواقيع فقط،
‎فذاك يعني أننا لم نعد في مرحلة تفاهم، بل في مرحلة فرض قواعد.

‎هل تقبل أربيل أن تتحول إلى تابع إداري؟
‎وهل تفهم بغداد أن الفيدرالية ليست ملفًا ماليًا بل فلسفة حُكم؟

‎هذا ليس صراع أرقام، بل صراع على طريقة فهم الدولة.
‎والخطر الأكبر ليس في تأخر الرواتب، بل في فقدان الثقة…
‎لأن الرواتب قد تُصرف لاحقاً، لكن الثقة حين تُفقد لا تُسترد بسهولة.

‎الوفود كانت تحاول أن تُبقي الخيط ممدودًا،
‎حتى لو كان واهنًا.
‎واليوم، قُطع الخيط.
‎فمَن سيعيد وصله؟
‎ومَن يملك المفتاح الجديد… إن كان المفتاح قد فُقد بالفعل؟

‎أنا خاون القرداغي، أجريت الحوارات عندما كانت الأبواب مفتوحة، وأحلّل الآن حين أُغلقت وبدأت تُدار الملفات من خلف الزجاج المعتم للعقل المركزي

اقرأ المزيد


في خطوة عكست ثقل العراق السياسي والبيئي، شارك فخامة رئيس الجمهورية الدكتور عبداللطيف جمال رشيد في مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات، المنعقد في مدينة نيس الفرنسية، ليضع العراق في صدارة الدول الساعية إلى بناء شراكات دولية لمواجهة التغير المناخي وأزمات المياه والبيئة.

ورغم بعض الانتقادات السطحية التي طالت المشاركة بحجة أن العراق لا يملك سواحل بحرية، جاءت كلمة الرئيس لتؤكد عكس ذلك وأن أصدق الأقوال ما صدّقته الأفعال، وأن العراق المعني مباشرةً بأزمة المياه والتصحر، يمتلك رؤية بيئية ناضجة، وخبرة فنية تؤهله للعب دور ريادي في رسم السياسات الدولية لحماية البيئة والمناخ.


الرئيس العراقي لم يذهب إلى نيس بصفة بروتوكولية شكلية، بل حمل معه خلفيته العميقة في قضايا المياه والموارد الطبيعية، وتجربته الطويلة التي تتجاوز حدود العراق، ليُصيغ خطابا عقلانيا حازما، يُعلي من شأن الشراكة الدولية ويضع العراق في قلب الرؤية الكونية للمياه والمناخ.

لقد أكد الدكتور عبداللطيف رشيد في كلمته امام المؤتمر أن الموارد المائية – بما فيها المحيطات – لم تعد مجرد ملف بيئي، بل قضية إنسانية وأمنية وتنموية ومشددا  على أن أمن المحيطات بات مسألة أمن دولي، تمسّ حتى الدول غير الساحلية، بسبب ارتباطها بمسارات التلوث والتغير المناخي وارتفاع درجات حرارة المياه وتفاقم ظاهرة تحمض المحيطات.
لقد أشار رئيس الجمهورية إلى أن العراق يعاني من انحسار كبير في المياه بسبب التغير المناخي وعدم وجود سياسات إدارية عادلة للأنهار العابرة للحدود، مما أدى إلى النزوح الداخلي، وتراجع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي. 
وهنا قدم فخامته مقترحا واقعيا بالدعوة إلى اتفاق عالمي لحماية المحيطات يستند إلى اتفاقية أعالي البحار، وإلى تعزيز التمويل المستدام والتكامل المؤسسي بين وزارات البيئة والمياه والاقتصاد الأزرق، إلى جانب تطوير إدارة المياه في الأحواض المشتركة والبحار المغلقة.

رجل الماء  في قضايا المياه
ماينبغي ملاحظته هنا انه ليست مصادفة أن يتحدث رئيس جمهورية العراق في مؤتمر المحيطات بلغة علمية دقيقة ورؤية استراتيجية ناضجة حيث ان فخامته ليس طارئا على هذا الملف، بل يُعرف في الأوساط الأكاديمية والتنفيذية بـ”رجل الماء”، لما له من باع طويل في إدارة ملف الموارد المائية على الصعيدين الوطني والدولي.

الدكتور عبداللطيف رشيد يحمل درجة الدكتوراه في الهندسة من جامعة مانشستر البريطانية، وتولى مناصب هندسية واستشارية بارزة في مجال المياه والري والسدود. وهو مؤسس وعضو ناشط في عدد من الهيئات الدولية المتخصصة في إدارة المياه العابرة للحدود، وقد عمل لسنوات ضمن منظمات أممية ومنظمات غير حكومية متخصصة في التنمية والبيئة.

صوت علمي مسؤول
خلال توليه وزارة الموارد المائية في العراق لسنوات حرجة (2003–2010)، وضع أسسا لسياسات مائية وطنية، وشارك في مفاوضات استراتيجية مع دول الجوار، كما أشرف على مشاريع كبرى لصيانة وتحسين البنية التحتية المائية وله كتب وأبحاث علمية منشورة في موضوعات المياه، التغير المناخي، إدارة الأحواض النهرية، واستخدام التكنولوجيا في الري الحديث.
هذه الخلفية العلمية والميدانية هي ما جعلت مشاركته في مؤتمر نيس ذات صدقية خاصة، وأضفت على خطابه وزنا نوعيا، دفع العديد من المراقبين الدوليين إلى اعتباره صوتا علميا مسؤولا وسط الخطابات السياسية العامة.
انطلاقا من هذه الحقائق يمكن القول ان مشاركة العراق كانت اثبات بأن لدى هذا البلد رؤية مهمة وفعالة، تنبع من معاناة واقعية وخبرة تقنية عميقة، وأنه شريك مسؤول في الجهد العالمي لمواجهة التحديات البيئية الكبرى وان حضور فخامة الرئيس دليل على ان مشاركة العراق ليست مجرد حضور رمزي في محفل دولي، بل هي مبعث فخر لكل من يدرك أن قضايا المياه والمناخ لم تعد محصورة بجغرافيا البحار والمحيطات، بل تشمل مصائر الشعوب ومستقبلها. 
لقد أثبتت طروحات فخامة رئيس الجمهورية، أن للعراق رؤية ناضجة وفعّالة في إدارة الملف البيئي والمائي على المستويين الإقليمي والدولي، وأنه قادر على الإسهام في صياغة حلول شاملة لقضايا تمسّ الإنسانية بأسرها وكلمة فخامته لم تكتفِ بتشخيص التحديات، بل قدّمت مبادرات واقعية وخطوات مقترحة لتعزيز التعاون العالمي، وبناء شراكات بيئية واقتصادية متعددة الأطراف، تعكس إيمان العراق العميق بأهمية التضامن الدولي. 
ومن نيس، وجه العراق رسالة واضحة للعالم: لسنا مجرد ضحايا للتغير المناخي، بل شركاء في مواجهته، وفي بناء مستقبل آمن بيئيًا وإنسانيًا.

كلمة العراق في مؤتمر نيس لم تكن دفاعا عن الحضور، بل دليلاً على الفعل السياسي البيئي المسؤول، ورسالة إلى المجتمع الدولي أن العراق يريد أن يكون شريكا حقيقيا في رسم سياسات الكوكب البيئية، وأن النهج التشاركي الذي دعا إليه الرئيس العراقي، يعكس نضجا سياسيا واخلاقيا لا بد أن يُحتذى.

اقرأ المزيد

في كل الأحوال، لن تجد عراقيًا واحدًا مهتمًا باستقرار البلاد وتعايش العباد يفرحه ما يحدث من أزمات وتوترات، خصوصًا عندما تقع بين قوى سياسية عراقية، فكيف إذا كانت بين الدولة والمجتمع!.

إن التوترات التي تسود الآن بين بغداد وإقليم كردستان، بسبب قطع رواتب موظفي الإقليم مجددًا من قبل وزارة المالية الاتحادية، تعيد إلى الواجهة انعدام الثقة بشروط استمرار النظام الاتحادي في البلاد، والمسؤوليات المترتبة عليه والواقعة على عاتق الطرفين.

صحيح أننا نعلم أن حكومة إقليم كردستان ليست ملتزمة تمامًا بإرسال الواردات النفطية وغير النفطية إلى بغداد، ونحن هنا في الإقليم ننتقد كبار المسؤولين على هذا التقصير، بل نغالي أحيانًا في إلقاء اللوم عليهم. ومع ذلك، فإن بغداد أيضًا تتحمل كامل المسؤولية عن أي قرار يؤدي إلى تأزيم الموقف بدلًا من اللجوء إلى الحوار الوطني، والإداري، والفني السليم لحل المعضلات. والأسوأ من ذلك هو التمسك بعقوبة جماعية تطال جميع موظفي الإقليم بعقلية الضغط على أربيل لإرغامها على الالتزام.

المشكلة هنا تكمن دائمًا في غياب الخشية من إيذاء المواطن ومعاقبته تحت ذرائع سياسية أو إدارية، وليس بمنطق إدارة الدولة. يمكن لبغداد أن تعاقب المسؤولين في الإقليم بأي وسيلة ممكنة وقانونية نتيجة أي خرق إداري، أما معاقبة المواطن فليس من حقها، ولا تشاطرها في ذلك لا قرارات المحكمة الاتحادية ولا نصوص الدستور العراقي.

ولا حاجة هنا لأن نكرر أننا نصرخ منذ أكثر من عامين ونقول: لا تعاقبوا من لا ذنب لهم فيما يحدث. فقد انفجر الشارع الكردي أكثر من مرة في وجه حكومة الإقليم، ونُظّمت تظاهرات عديدة لإيصال رسالة واضحة: لا للمزيد من التوتر مع بغداد، ولا لتسييس حق الموظف المواطن.

وعليه، فإن على الحكومة في بغداد ألا تقع في الفخ ذاته، لا سيما ونحن على أبواب عيد الأضحى المبارك، والناس هنا يتطلعون إلى تلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ المزيد

قيل لي ذات مساء:
كل شيء في العراق قابل للموت… الكهرباء، الماء، الرواتب، التعليم، الصحة، العدالة، حتى الأمل نفسه… لكن شيئًا واحدًا بقي حيًا، لم يذبل، لم ينهزم: الغيرة العراقية.

تأملت العبارة. ظننتها مبالغة أول الأمر، حتى وقفتُ على معناها في تفاصيل الناس… في عيون البسطاء، في تصرفات “الما عدهم غير شرفهم”، في قصص لا تروى على الشاشات ولكنها تعيش في الأزقة وبين الجدران.

هل تريد دليلاً؟
خذ ما جرى في الموصل بعد تحريرها. مدينة مدمرة، ناسها مهجرون، وقلوبهم مكسورة. ومع ذلك، عاد الناس ليبنوا بيوتهم بأيديهم. لا منظمة دولية، لا قرض حكومي، لا وعد سياسي. فقط شرفهم، وغيرتهم، و”ما نقبل أحد يشوف بيتنا خرابة”.
شاب في العشرين، باع دراجته ليساعد أباه في بناء غرفة تسكن فيها أمه. لم يسأل عن الدولة، سأل عن “الستر”.

في البصرة، حين يُغرقها الإهمال ويُقتل شبابها برصاص “طائش لا يُحاسب”، نجد أهلها يغسلون دم أبناءهم بالدموع ويصرّون على دفنهم بكرامة. ثم في اليوم التالي، تجد الأم الثكلى تطبخ للمشيعين وتقول “ما أريد أحد يحچي علينا”.
أيعقل أن يبقى هذا النوع من الكرامة حيًا وسط الخراب؟ نعم… لأن الغيرة لا تموت.

في كربلاء، حين اندلعت الحرائق في بعض الفنادق خلال الزيارات، هرع الناس ليخرجوا الزوار، بعضهم دخل بغير تردد وسط النار. لم يفكر بنفسه، فكر بـ”حرمة الضيف”، بـ”ما يصير نخلي أحد يحترگ وإحنە نشوف”.

في النجف، حين أُسعف طفل سوري لاجئ مصاب بالسرطان إلى مستشفى حكومي، لم يسأله أحد عن جنسيته. الطبيب العراقي قال: “عندي غيرة، مثل ما ما أقبل على ابني، ما أقبل على هذا الطفل”.

في بغداد، قبل أشهر فقط، احترقت سيارة أحد المواطنين أمام أعين الناس. لا أحد عرفه، لا أحد سأل عن مذهبه أو منطقته، لكن شيئًا في دواخل الشباب دفعهم ليقفوا بجواره.

ما هي؟ إنها الغيرة العراقية.

تجمّعوا حوله، وجمعوا له مبلغًا محترمًا من المال ليسدّ أول صدمة، لا أكثر. لم يسأله أحد: “أنت منو؟” بل قالوا: “أنت عراقي… وتعبك ما يحترگ وحدك”.

وأنا – خاون القرداغي – لا أنقل حكايات الآخرين فقط.
في طوزخورماتو، اشتريت يومًا تمرًا من أحد الباعة، وقلت له بصوت عفوي: “أريد سلة طيبة، هاي لأمي”.
ما إن سمع كلمة “لأمي”، حتى قال دون تفكير:
“والله هاي هدية، لا تاخذ مني شي… هاي الغيرة يا أخي”.

هذه الغيرة لا تُدرّس في المدارس، ولا تخرج من الدساتير، بل تنبع من الطبع، من الدم، من اللاوعي العراقي العميق.

الغيرة العراقية ليست صفةً طارئة، بل مركّب من الفطرة والتاريخ. هي امتداد لزمن كانت العشيرة تموت إذا أُهين اسمها، والزلمة يُذبح نفسه ولا يُقال عنه “ما عنده غيرة”.
نحن من قال فينا الشاعر:

“الغيرة إلنا والكرم من طبعنا
والموت نختاره ولا حد يذلنا”

نعم، تموت مشاريعنا، وتُنهب مواردنا، وتغيب العدالة، ويهرب الأطباء، وتُقمع الصحافة…
لكن الغيرة العراقية لا تموت، لأنها ليست من مؤسسات الدولة، بل من تراب الأرض.

هي التي تجعل أبًا يعيل أسرته من عرقه ويرفض السرقة حتى لو جاع،
وأمًا ترفض أن تخرج من بيتها دون “ستر”،
وشابًا يعمل 18 ساعة في اليوم كي لا يُقال “عائلته محتاجة”،
وبنتًا تتخرج بتفوق لتقول لأبيها “تعبك ما راح هدر”.

أنا لا أزعم أن العراقيين وحدهم في العالم يمتلكون الغيرة…
لكنني، خلال أكثر من عشرين عامًا من التنقل والسفر والحوار، لم أرَ شعبًا يغلي بها كما يغلي بها العراقي.
كرديًا كان أم عربيًا، شيعيًا أو سنيًا، مسلمًا أو مسيحيًا… حين تُمسّ كرامته، يتغير صوته، ينهض.

أنا خاون القرداغي، منذ أكثر من عقدين وأنا أجري الحوارات مع السياسيين، أستمع وأحلل…
لكنني أؤمن أن الغيرة العراقية ليست في تصريحاتهم، بل في تفاصيل الناس العاديين.
هؤلاء وحدهم… من يملكون ما لا تموت به الأوطان

اقرأ المزيد

الانتخابات في العراق لا تشبه الانتخابات في أي مكان آخر. ليست مجرد اقتراع، ولا اختباراً ديمقراطياً دورياً، بل أشبه ما تكون بمسرح معقّد: الجمهور يعرف النهاية، لكن لا أحد يغادر القاعة.

يُقال إن المشاركة تصنع التغيير. عبارة مألوفة، تَرد في كل حملة إعلامية، وتُطبع على كل بوستر انتخابي. لكن ماذا عن المقاطعة؟ ماذا تفعل إذا كان نصف الشعب يقرر ألا يذهب إلى مراكز الاقتراع؟ هل تغيّر أيضاً؟ أم تفتح الباب للفراغ، للبدائل الأخطر، أو للشرعية المصطنعة؟

هذا السؤال ليس جديدًا، لكنه لم يُطرح بجدّية كافية. الكل يتحدث عن “الذهاب للصندوق”، لكن قليل من يسأل: ماذا يحدث حين لا نذهب؟

لنفهم نتائج المقاطعة، علينا أولاً أن نُفرّق: هل هي فعلٌ احتجاجي واعٍ؟ أم ردة فعل يائسة؟ الفرق بين الاثنين، هو الذي يُحدد أثرها.

في انتخابات 2018، نسبة المشاركة كانت أقل من 45% بحسب مفوضية الانتخابات. وفي 2021، ومع كل الوعود والتحسينات، كانت المشاركة حوالي 41%. هذا يعني أن أكثر من نصف الشعب لم يُصوّت. لكن، من تولوا المناصب قالوا إنهم “اختارهم الشعب”، رغم أن الشعب لم يكن هناك.

هنا تظهر أولى نتائج المقاطعة: فقدان التمثيل الحقيقي. صعود قوى لا تعكس غالبية الناس، بل فقط من ذهبوا للصندوق. استمرار المنظومة القائمة دون مساءلة، بحجة أن الناس لا تهتم.

نعم، أحياناً تُخيف المقاطعة السلطة، لكنها لا تهددها فعلاً إلا إذا اقترنت بوعي جمعي، وتحرك مدني منظم، وصوت إعلامي ذكي. حين تتجاوز المقاطعة نسبة 60–70%، تبدأ السلطة في القلق، ليس لأن شرعيتها تنهار واقعياً، بل لأنها تنهار معنوياً وإعلامياً.

في الجزائر، انتخابات 2019 شهدت نسبة مشاركة لم تتجاوز 39%. ظهرت تقارير دولية تقول: “الانتخابات لم تُقنع أحداً”. فجأة، صار حديث الإعلام عن شرعية النظام، لا عن الفائز. وفي لبنان، انتخابات 2022 سجّلت أدنى نسبة مشاركة منذ 2005، وكل القوى التي راهنت على شرعية الصندوق وجدت نفسها تُبرر، لا تحتفل.

ينطبق هذا على العراق أيضاً، لكن بشكل خاص ومعقّد. لأن السلطة هنا لا تخاف من المقاطعة المجردة… بل من المقاطعة الواعية، المنظمة، الصاخبة إعلامياً.

يبقى هناك سؤال أكثر حساسية: هل المقاطعة تُسهّل التزوير؟
الجواب واقعي أكثر منه نظري. كلما قلّ عدد المشاركين، أصبح من الأسهل التلاعب بالنتائج، وتدوير الوجوه، وتضخيم الأصوات الصغيرة لتصبح كبيرة. بل في بعض الحالات، المقاطعة الجماعية تجعل الأقلية تحكم باسم الأغلبية، قانونياً وإعلامياً. يعني: المقاطعة بدون بديل أو مشروع سياسي واضح، تُفسر من السلطة بأنها ضوء أخضر للاستمرار.

من الناحية الأخلاقية، يراها البعض تجريدًا للفاسدين من شرعيتهم الأخلاقية. حين لا يذهب الناس، يُفهم أنهم لا يثقون بالنظام، ولا بالعملية، ولا بالمخرجات. لكن هل تُقرأ هذه الرسالة من الأطراف المعنية؟ غالباً لا. لأن من يعيش داخل المنظومة لا يسمع إلا صدى نفسه.

وفي النهاية، من يخسر؟ الشعب؟ السلطة؟ أم الطبقة الوسطى التي لا تصوّت ولا تخرج إلى الشارع، وتنتظر معجزة؟

الجواب ليس بسيطاً. المقاطعة بلا صوت إعلامي حقيقي تعني صمتاً. والمقاطعة بلا مشروع بديل تعني فراغاً. والمشاركة بلا مساءلة تعني شرعنة للتكرار.

المشاركة قد تُحدِث تغييرًا، لكنها لا تكفي وحدها. والمقاطعة قد تُربك، لكنها لا تصنع بديلاً. التغيير لا يصنعه فقط الذهاب أو الانسحاب، بل الوعي الجماعي الذي يسبق الصندوق ويتجاوزه.

في العراق، لا يكفي أن نُشارك أو نقاطع. يجب أن نسأل دائماً: لماذا؟ وبأي شروط؟ ولمن نعطي شرعيتنا؟

أنا خاون القرداغي، ومنذ أكثر من عقدين وأنا أتابع الانتخابات لا كحدث موسمي، بل كظاهرة اجتماعية وسياسية، أسمع ما لا يُقال، وأحلل ما لا يظهر في الصور. في عالم السياسة، أحيانًا يكون “الغياب” أقوى من الحضور، إذا كان وعيًا، لا هروبًا

اقرأ المزيد

الأسد خرج. لم يعد ذلك مجرد حديث في الكواليس، بل واقع سياسي فُرض على الأرض، وأُعلِن عنه بصيغة رسمية، مع إنتقال السلطة إلى رئيس جديد إسمه “أحمد الشرع”، في مشهد بدا هادئاً في ظاهره، لكنه يحمل إرتدادات قادمة في عمق الخريطة السورية.

تغيّر شكل المشهد السوري، لكن المضمون لا يزال معقّداً، ملتبساً، ومفتوحاً على إحتمالات أكبر من مجرد تغيير إسم في رأس السلطة.

لأكثر من عقد، تم إختزال الأزمة السورية بشخص بشار الأسد. في الخطاب، في الإعلام، وفي المعارك. كأنَّ المشكلة تبدأ به وتنتهي عنده. لكن اليوم، بعد أن هرب الأسد من المشهد السياسي، تتكشّف تعقيدات الواقع السوري التي ظلّت مؤجّلة لعقد من الزمن.
ولأكون صريحاً، كثيرون اعتقدوا أن خروج الأسد سيفتح الباب للحلول، لكنّ ما تكشّف حتى الآن يوحي بالعكس: أننا كنا نُقاتل صورة، بينما البُنية بقيت في مكانها.

في الشمال، قسد تطرح مشروعها السياسي بشكل مُعلَن، وتعتبره إطاراً لحل دائم قائم على اللامركزية، مدعومة بإسناد إقليمي ودولي، وتحرص على تقديم نفسها كشريك في مستقبل سوريا لا ككيان منفصل. وعلى الرغم من إتفاقها مع الحكومة السورية الجديدة على الإنخراط في المنظومة العسكرية الموحّدة، بدأت ترتفع أصوات من داخل دمشق تُهدد قسد وتتهمها بالسعي إلى الإنفصال تحت عناوين الفدرالية.
في المقابل، تركيا — التي تُعد أحد أقوى حلفاء أحمد الشرع — لا تُخفي موقفها، بل تُعلن بوضوح رفضها لأي صيغة فدرالية في سوريا، وتُواصل دعم جماعات مسلحة تنشط قرب الحدود وتقصف بين الحين والآخر مواقع حيوية، منها سد تشرين، في رسالة مفادها أن خريطة الشمال لن تُرسم بهدوء.

في الجنوب، لم يكتفِ الدروز برفع صوتهم دفاعاً عن خصوصيتهم السياسية والإجتماعية، بل دخلوا مرحلة الإشتباك المباشر مع الدولة السورية الجديدة. المواجهات التي إندلعت في جرمانا وأشرفية صحنايا لم تعد تُقرأ كمجرد توترات أمنية، بل باتت تعبيراً واضحاً عن تصدّع داخلي في مشهد ما بعد الأسد، وإنهيار توازنات كان يُعتقد أنها مستقرة.
واللافت أن إسرائيل لم تكتفِ بالمراقبة أو الدعم السياسي، بل قصفت القوات السورية الجديدة أكثر من مرة خلال هذه الإشتباكات، في مؤشّر على دخول الصراع مرحلة حساسة تتجاوز الداخل السوري، وتُعيد الجنوب إلى واجهة التصعيد الإقليمي من جديد.
وما يُقلق في كل هذا، أن الرسائل لا تُوجَّه لطرف واحد، بل توزَّع على أطراف عديدة، وكأن الجميع يقرأ نهاية مختلفة لنفس القصة.

وفي خضم هذه المواجهات، تداولت مصادر ميدانية وصحفية صوراً لعناصر من القوات الأمنية التي شاركت في قتال الشوارع ضد المسلحين الدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا، وقد ظهرت على أذرع بعضهم شارة تعود لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش، تحديداً على الذراع الأيسر.
الصورة لم تُنكر رسمياً، ولم تُعلّق عليها الحكومة الجديدة، لكن مجرد إنتشارها في هذا التوقيت فتح باباً واسعاً للتساؤلات: هل نحن أمام إختراق داخل أجهزة الدولة؟ أم أمام رسائل مرمّزة من قوى ظلت حاضرة تحت الرماد؟
في كلتا الحالتين، بدا أن ما بعد الأسد ليس أكثر إستقراراً… بل أكثر غموضاً.

في الساحل، العلويون، الذين دفعوا ثمناً باهظاً في سنوات الحرب، لم يعودوا طرفاً صامتاً، بل بدأوا يُطالبون بضمانات تحفظ وجودهم وموقعهم.
وبين كل هذه القوى، تظهر طوائف ومناطق جديدة على الخريطة، لم تكن في المشهد السياسي سابقاً، لكنها ترى أن لحظة ما بعد الأسد، لحظة مناسبة للمطالبة بالتمثيل، أو حتى بالإستقلال في القرار.

في ظل هذه التحولات، تبدو سوريا مُقبلة على مرحلة تُعاد فيها صياغة النفوذ، والهوية، ومركز القرار.
لم يعد السؤال: من يحكم دمشق؟
بل: من يتحدث بإسم سوريا؟
ومن يملك مفاتيح وحدتها؟
ومن يُمسك بخيوطها في ظل هذا التعدد والتداخل؟

من إستطاع أن يُبعد الأسد، إن أراد فعلاً إستعادة سوريا، عليه أن يتعامل مع واقع جديد يتشكل على الأرض: قوى أمر واقع، ومشاريع متنافسة، وخطابات لم تعد تنطلق من دمشق وحدها.

المشهد لم ينتهِ بخروج الأسد، بل بدأ صراع التعريفات: من هو صاحب الشرعية؟ من يُمثل الدولة؟ ومن يتحدث بإسم الشعب؟
إنها ليست معركة مقعد شاغر، بل معركة سرديات متناقضة، ومشاريع مُتزاحمة، وذاكرة مثقلة بالدم والإنقسام.

في سوريا ما بعد الأسد، لا تُكافأ النوايا، بل تُختبر القدرة على قراءة الخريطة الجديدة… والتعامل معها دون أوهام.
وليس من عادة الخرائط أن تُهدي نفسها لأحد.

أنا خاون القرداغي، منذ أكثر من عقدين وأنا أُجري الحوارات مع السياسيين العرب والكورد، باللغتين العربية والكردية، أستمع لما يقولونه، وأقرأ ما لا يقولونه. واليوم… سوريا تقول الكثير، لكن بلغات مختلفة.

اقرأ المزيد


تحولت وسائل الاعلام الرسمي العراقي الى مجرد مؤسسات دعاية لرئيس مجلس الوزراء محمد السوداني، وتتزايد شكاوى وانتقادات أصحاب الرأي والكتاب من هيمنة اتجاه واحد على اعلام الدولة الذي تمثله شبكة الاعلام العراقي (قنوات العراقية، جريدة الصباح، وكالة الانباء....) بضغط من السوداني وحاشيته الذين لا يطيقون سماع أي صوت غير صوتي التطبيل والتزمير للمنجزات الوهمية.

لم يحدث منذ عام 2003 ان تعرض الاعلام العراقي، الرسمي وغير الرسمي الى حالة من الاستغلال الحكومي والمطاردة والقمع والاسكات والشراء كما يحدث اليوم، ويتجاهل السوداني وحاشيته ان الاعلام الرسمي هو اعلام الدولة وليس اعلام مجلس الوزراء، واعلام الدولة مكلف بالتغطية المتوازنة والعادلة لنشاطات الدولة وكذلك فسح المجال للأصوات الناقدة والمعارضة مادامت تتحرك ضمن الدستور والقوانين واللياقة الإعلامية، ويمنح مساحة كبيرة للمواطن لعرض مطالبه وانتقاداته واعتراضاته، لأن اعلام الدولة ممول من المال العام ويخضع لسلطة مجلس النواب.

لقد استحوذ السوداني على شبكة الاعلام العراقية بطرق غير دستورية ولا قانونية، ابتداء من تشكيل مجلس أمناء للشبكة بدون عرضه للتصويت في البرلمان ثم فرض لون معين من التوجهات واقصاء شخصيات وتوجهات بدرجة دفعت المواطن الى النفور من الاعلام الرسمي والبحث عن بدائل وهو ما يتسبب بهدر المال العام نتيجة الإدارة غير المهنية، وتضييع فرص التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين وكذلك تقديم صورة جيدة عن النظام السياسي العراقي الذي يسمح لجميع الأصوات بالظهور في الاعلام الرسمي بما يحقق أفضل صور التنوع والتعددية.

ان استيلاء السوداني على الاعلام الرسمي يعيد الى الاذهان صورة الاعلام البعثي الصدامي الذي تتصدر فيه صورة المسؤول واخباره صفحات الجرائد ونشرات الاخبار، وهو نموذج سيء يؤدي غالبا الى نتائج عكسية ومردودات سلبية ليس فقط على الحاكم وانما على موقف الشعب من الدولة ككل بعدما يصل الشعب الى قناعة ان الدولة مختزلة بشخص واحد لا يحقق نتائج جيدة في العمل ولا يتخذ القرارات الصائبة ومع ذلك يريد اقناع المواطنين بأن كل شيء بخير، حتى يندفع المطبلون وراءه الى تزييف الحقائق والعبث حتى بالسياقات المهنية لتحرير الخبر من اجل تضخيم كل ماهو صغير وبهرجة كل ما هو عادي ليتحول الكلام بديلا عن الأفعال والعمل الحقيقي.

لقد أفرغ السوداني شبكة الاعلام من دورها ومضمونها وسلبها ارادتها وافقدها جمهورها وهو يسعى اليوم بشتى الطرق للاستيلاء على الاعلام الخاص عبر الترغيب والتمويل واسكات وملاحقة المعترضين والمنتقدين وهذا دليل على الدكتاتورية والتفرد والنرجسية وحب الذات، وهي كلها صفات لا تنسجم مع النظام الديمقراطي ولا تليق بالحياة المعاصرة، ولذلك يجب إيقاف هذا المنهج التدميري لحرية التعبير.

اقرأ المزيد

منذ عام 2005، دخل العراق مرحلة جديدة بعد سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والعزلة. كانت الانتخابات الأولى مشهداً استثنائياً: أصابع ملوّنة بالحبر، وجوه تملؤها الآمال، وشعور ثقيل بأن العراق يقف على أعتاب ولادة جديدة. كان التصويت آنذاك أكثر من مجرد إجراء ديمقراطي، كان إعلان حياة بعد الموت، وخطوة نحو استعادة الوطن من ركام الألم.

لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الانتخابات وحدها لا تكفي لتغيير مصير بلد معقد كالعراق. رغم تعاقب أربع دورات انتخابية، ورغم تغيّر الوجوه وتبدل التحالفات، إلا أن البنية العميقة للسلطة بقيت كما هي: شبكة مصالح متداخلة، محاصصة طائفية، وفساد مستشرٍ تحوّل مع الزمن إلى ثقافة أكثر منه حالة طارئة. الوجوه تغيرت مرات، الأحزاب انقسمت وتحالفت وانشقت، لكن نمط إدارة الدولة ظلَّ حبيس المحاصصة لا المحاسبة، ورد الفعل لا التخطيط، والمصالح الضيقة لا المصالح الوطنية.

من 2005 حتى اليوم، لم يحدث تغيير جوهري في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. بقيت الدولة بالنسبة للكثيرين مصدر وظائف وخدمات مشروطة بالولاءات، لا عقداً اجتماعياً يقوم على الحقوق والواجبات. بقي المواطن يشعر أنه متلقٍ للوعود لا صانع للقرار، مستهلكاً للسلطة لا شريكاً فيها. التعليم لم يتحسن بالشكل المطلوب، الاقتصاد ظل يعتمد على النفط بشكل مقلق، والقضاء لم يتمكن من فرض هيبته الكاملة على الحياة السياسية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن شيئاً ما تغيّر في الوعي العام. صبر الناس على الواقع لم يعد كما كان، وحدّة النقد في الشارع العراقي أصبحت أعلى وأكثر وعياً. الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت بغداد ومدن الجنوب كانت إشارة على أن جيلًا جديدًا وُلد من رحم الخيبة، جيل لم يعش طويلاً في ظل الخوف مثلما عاش الآباء. جيل صار يعرف أن صناديق الاقتراع لا تكفي إذا لم تكن مصحوبة بثقافة محاسبة مستمرة، وبقناعة بأن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ ولا تنتهي بيوم التصويت، بل تمتد إلى كل يوم يعيش فيه المواطن حرّاً وكريماً.

التغيير الذي حدث في العراق منذ 2005 لم يكن بالسرعة ولا بالعمق الذي حلم به الناس، لكنه مع ذلك وضع بذرة الوعي الأولي الذي يكبر مع كل خيبة، ومع كل جولة انتخابية لم تحقق المأمول. العراق اليوم، رغم كل آلامه، مختلف عن عراق الأمس: أكثر وعياً بحقه، أشد رفضاً للاستغلال، وأقرب إلى الانفجار من أجل التغيير الحقيقي إذا استمر انسداد الأفق.

الطريق ما زال طويلاً، وربما مليئاً بالخيبات القادمة، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن العراقيين باتوا يعرفون الطريق، حتى لو تأخر الوصول.

أنا خاون القرداغي، وهذا ما استنتجته بعد سنوات من مراقبة المشهد الانتخابي العراقي

اقرأ المزيد
123456