تقارير

في الوقت الذي نستذكر فيه الذكرى الـ11 لتحرير كوباني، قلعة المقاومة من قبضة تنظيم داعش، تتعرض المدينة اليوم مجددًا لحصار ومخططات دولية تقودها فصائل الحكومة السورية المؤقتة والدولة التركية، بهدف كسر إرادة الشعب وارتكاب انتهاكات بحقه. وفي المقابل، يواجه أهالي كوباني ومقاتلوها هذه الهجمات بالروح نفسها التي هُزم بها داعش، في مواجهة بقايا التنظيم.

تمرّ اليوم 11 سنة على تحرير كوباني وكسر شوكة داعش على يد مقاتلي الحرية، ففي الوقت الذي كانت المدينة محاصَرة من كل الجهات، استطاعت إرادة المقاتلين إفشال أحلام داعش والدولة التركية، لتتحول ملحمة الدفاع عنها إلى ما يشبه “لينينغراد الجديدة” في رمزيتها التاريخية.

بداية الهجوم على كوباني

في عام 2014، وبعد سيطرة داعش على الموصل، شنّ التنظيم هجومًا على كوباني بتخطيط من الدولة التركية، وفرض حصارًا خانقًا على المدينة، ما أدى إلى تهجير السكان وتعريض المنطقة للقصف والدمار.

حاول داعش السيطرة على عدة مواقع استراتيجية، منها، تلّ مشتنور، مركز الثقافة والفن، المربع الأمني، معبر مرشد بينار، وتمكن من احتلال ثلاثة منها، إلا أنّ معبر مرشد بينار صمد وتحول إلى قلعة للمقاومة.

واصلت تركيا ضغوطها العسكرية من الشمال، وحشدت قوات وآليات عسكرية، وصرّح أردوغان أكثر من مرة بأن “كوباني ستسقط”، لكن ذلك لم يتحقق، وتحولت مقاومة المدينة إلى أسطورة تاريخية.

قرار المقاومة ودحر داعش

في 15 أيلول 2014، بدأ مقاتلو وحدات حماية الشعب والمرأة مقاومة بطولية ضد داعش، رغم قلة عددهم، وتمكنوا من صدّ الهجمات لمدة 20 يومًا، وأصبحت آرين ميركان رمزًا لتلك المقاومة البطولية.

وفي 18 كانون الأول 2014، انطلقت حملة تحرير كوباني تحت شعار: “على خطى جودي وساريا وزنار ورفاقهم”.

كما وجّه قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان نداءً للتعبئة العامة دفاعًا عن كوباني، ما شكّل دعمًا معنويًا كبيرًا للمقاتلين.

استجاب آلاف الشبان الكرد من مختلف كردستان وأوروبا لهذا النداء، والتحقوا بصفوف المقاومة، كما شاركت قوات البيشمركة من إقليم كردستان في الدفاع عن المدينة ومنع سقوطها.

أما قوات التحالف الدولي، التي كانت تراقب المعركة في البداية، فقد بدأت لاحقًا بتنفيذ ضربات جوية دعمًا للمقاتلين بعد أن رأت شجاعتهم وصمودهم.

كوباني… رمز الشجاعة والحرية

أصبحت مقاومة كوباني، وخاصة مقاومة النساء، رمزًا عالميًا للشجاعة والحرية والتصدي للظلام، وكانت تلك الملحمة بداية النهاية لتنظيم داعش، حيث انطلقت من كوباني شرارة هزيمته.

التاريخ يعيد نفسه

في الرابع من هذا الشهر، عقدت الحكومة السورية المؤقتة وإسرائيل اجتماعًا في باريس برعاية الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، وجرى اتخاذ قرار بمخطط دولي ضد الشعب الكردي، يقضي بإعادة النفوذ في مناطق شمال سوريا، وتقاسم السيطرة، وإعادة تفعيل الجماعات المسلحة في المنطقة.

وبناءً على ذلك، شنّت هذه الفصائل هجمات على مناطق شمال وشرق سوريا، وخاصة غرب كردستان.

فرضت الفصائل المسلحة حصارًا جديدًا على كوباني، وهاجمت المدينة بشكل متكرر رغم وجود اتفاقات لوقف إطلاق النار، إلا أنّ جميع هجماتها فشلت.

كما قامت بقطع المياه والكهرباء والإنترنت عن كوباني، ومنعت وصول المساعدات الإنسانية، في ظل صمت دولي، إلا أنّ إرادة السكان والمقاتلين تزداد قوة، ولا تزال المدينة تمنع أي محاولة لاختراق حدودها.

وتؤكد كوباني مرة أخرى، بروح مقاومة داعش، أنها قلعة للصمود والتحدي في وجه المخططات الجديدة.

اقرأ المزيد

بعد النكسة التي اصيبت بها ثورة شعب كوردستان، واحتلال قرى وقصبات كوردستان من قبل ازلام النظام البعثي البائد، ظهرت في منطقة جباري وهموند وقره حسن، قوة (4 جباري) بقيادة الشهيد مامه ريشه الذي اصبح اسطورة الكفاح المسلح.

مامه ريشه، أسمه نجم الدين شكر رؤوف، من مواليد 1955 ولد في قرية طالبان في منطقة كرميان، من عائلة كوردية الأصل داخل بيئة نظيفة وصافية ومحبة لقوميتهم الكوردية، لذلك ومنذ نعومة أظافره تولدت عنده الروح الوطنية، وفي العام 1970 كانت من أهم أمنياته أن يصبح فدائياً وينضم إلى الإنتفاضة الفلسطينية. وفي العام 1978 عندما مارس النظام البعثي البائد أبشع سياساته في مناطق إقليم كوردستان ألا وهي سياسية التعريب والتهجير القسري، اندفع مامه ريشه إلى حمل السلاح والإنضمام إلى صفوف قوات البيشمركة والقتال ضد أزلام النظام البعثي ضد القهر والإضطهاد.

الشهيد مامه ريشه خلال فترة زمنية وجيزة برز من بين المئات من قوات البيشمركة وبذلك كان صمام الأمان لأكثرية العمليات الفدائية، كما وأشتهر بسرعة البرق وأمسى العدو يحسبون له ألف ألف حساب، وبذلك حقق الإنتصارات الواحدة تلو الأخرى في أغلب المناطق المنبسطة والمجاورة لمدينة كركوك.

ومع كل عملية قام بها البطل مام ريشه ضد الظلم والطغيان كانت تعلو من شهرته وتزيد محبته في قلوب شعب كوردستان، وزرع مامه ريشه الرعب والهلع بين أجهزة النظام البعثي والعساكر والطائرات والمدفعية.

أكثر الملاحم كانت مليئة ببطولات قوات بيشمركة كوردستان وكان لمامه ريشه دور بارز فيها، بداية من (تل العرب) إلى ملحمة تحرير قرية (بيتوانه)، تعرض البطل مامه ريشه الذي كان يلقب بـ(صقر كرميان) خلال معارك البيشمركة إلى الإصابة لأربعة مرات، إستشهد والده (مام شكر) وأخيه (أحمد) على يد أزلام النظام البعثي العام 1981.

مامه ريشه حاضر في قلوب ووجدان جميع المظلومين والمضطهدين والفقراء وهمة الثوار والمقاتلين الشرفاء اينما كانوا، أهتم به الناس وتغنوا ببطولاته وشجاعته وصبره وتضحياته.

مامه ريشه سيدخل كركوك هذه الليلة

جميع الأجهزة وبضمنها قيادة الجيش بأستخباراتها ومغاويرها تدخل في حالة أنذار من الدرجة الأولى، بمجرد ان تسمع هذا الخبر، ينطلق مامه ريشه كالصقر الى كركوك والمناطق المجاورة لها لتنفيذ العمليات الفدائية وتحقيق الأنتصارات، في كركوك واطرافها والتي تحتوي على:

* مقر قيادة الفيلق الأول.
* مقر أحدى فرق الحرس الجمهوري.
* مقر منظومة الأستخبارات الشرقية وعشرات المراكز الأستخباراتية كأستخبارات الفيلق ومواقع الفيلق وغيرها.
* مقر قيادة مكتب تنظيم الشمال لحزب البعث المنحل.
* مقر قيادة قاعدة كركوك الجوية حيث عشرات المقاتلات المختلفة والسمتيات.
* مقر مديريات للأمن والأمن الشمالي.
* مقر تنظيمات حزب البعث المنحل في جانبي كركوك.
* الآلاف من الجيش الشعبي.

أستطاع مامه ريشه ورفاقه أن يزرعوا الرعب والهلع بين كل تلك الأجهزة والعساكر والطائرات والمدفعية!!!.

حصار جمجمال

في العام 1983، وصلت انباء الى الشهيد مامه ريشه بأن ازلام النظام البعثي البائد يحاصرون 3 من افراد البيشمركة في منزل في قضاء جمجمال، وعلى الفور توجه الشهيد مامه ريشه ورفاقه لنجدة البيشمركة وفك الحصار عنهم، وبحلول الليل وصل الشهيد مامه ريشه ورفاقه الى جمجمال، لكن المعركة كانت قد انتهت واستشهد البيشمركة الابطال بعد مقاومة بطولية وقتلهم العشرات من ازلام النظام البعثي البائد، فقرر الشهيد مامه ريشه الثأر للبيشمركة الشهداء، فهاجم هو ورفاقه مقرات الجيش والجيش الشعبي في قضاء جمجمال وقتلوا العشرات من ازلام النظام البعثي البائد وعادوا الى مناطقهم. 


بطولة اخرى

في العام 1983 ينطلق الشهيد مامه ريشه و4 من رفاقه الى منطقة قرهنجير لمهاجمة مقرات الجيش الشعبي في المنطقة، وبعد الهجوم على المقر وقتل العشرات من افراد الجيش الشعبي، انتشر ازلام النظام البائد في المنطقة للبحث من الشهيد مامه ريشه ورفاقه، وشاركت جميع صنوف الجيش والجيش الشعبي وازلام النظام البائد وطائرات مروحية في عملية البحث، لكن الشهيد مامه ريشه استطاع وبكل بسالة الاختباء بشكل جيد جداً من ازلام النظام البائد، بحيث كانوا لا يبعدون عنه سوى امتار قليلة لكنهم لم يتمكنوا من رؤيته ورفاقه، وكانوا يسمعونهم يقولون (اين ريشه؟، اين اختفى؟، هل سحبته السماء؟، هل هو من الجن ليختفي ويظهر بسرعة البرق؟.

من هو مامه ريشه

الشهيد البطل نجم الدين شكر رؤوف المعروف بـ(مامه ريشه)

* ولد الشهيد العام 1955 في قرية طالبان التابعة لمنطقة كرميان.
* تولد عنده الأحساس الوطني منذ ريعان شبابه.
* اتصل بالثورة الفلسطينية في العام 1970 واصبح فدائياً.
* انضم الى صفوف قوات البيشمركة في العام 1978، عندما قام النظام البعثي بتنفيذ سياسات التعريب والتهجير والظلم والاضطهاد ضد أبناء شعب  كوردستان.
* كان للشهيد (مامه ريشه) دور بارز وكبير في تنفيذ العمليات العسكرية ضد أزلام النظام البائد.
* في العام 1979 واصل الشهيد نضاله في صفوف قوات البيشمركة ضمن القاطع الرابع في منطقة بازيان. بعد ذلك اصبح قائد لقوة (4 جباري)، حيث زرع الشهيد الرعب والهلع بين ازلام النظام البعثي بشجاعته وتصديه لهم، حيث لقب بـ(صقر كرميان).
* إستشهد والده (شكر) وأخيه (أحمد) على يد أزلام النظام البعثي في العام 1981.
* خاض الشهيد (مامه ريشه) العديد من الملاحم البطولية، وانتصر فيها هو وعدد قليل من رفاقه على الجيوش الجرارة للنظام البعثي البائد.
* استشهد الشهيد (مامه ريشه) في 24/1/1985، هو وأثنين من رفاقه البيشمركة في قرية (حسن آوا).

اقرأ المزيد

بين من يؤكد متانة منظومة ضبط الحدود، ومن يحذّر من ارتدادات المشهد السوري المضطرب على الأمن الوطني، يتشكل تقييم مزدوج لطبيعة المخاطر على الشريط العراقي – السوري. فبينما تشير المعطيات الميدانية إلى صعوبة تنفيذ خروقات فعالة عبر الحدود بفضل الإجراءات العسكرية والاستخبارية والتقنية، تظل التطورات في شمال وشرق سوريا، ولا سيما حول السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم داعش وعائلاتهم، عاملا حاسما في تحديد مستوى التهديد الفعلي الذي قد يتجه نحو الداخل العراقي.

حدود محمية بمنظومة متكاملة

الخبير في الشؤون الاستراتيجية رياض الوحيلي يؤكد أن قاعدة الانطلاق في قراءة المشهد يجب أن تبدأ من حجم المنظومة التي راكمها العراق خلال السنوات الماضية على خط الحدود مع سوريا. الوحيلي يرى أن الحديث عن "ثغرات واسعة" لا يعكس الواقع الميداني، وأن قدرة أي جماعات متطرفة على تنفيذ اختراق فعّال باتت محدودة للغاية في ظل ما هو قائم من إجراءات.

وقال الوحيلي، إن "احتمالات حدوث أي خرق أمني أو عمليات تسلل عبر الحدود العراقية – السورية تُعد محدودة للغاية، مشيرا إلى أن منظومة ضبط الحدود الحالية تجعل من الصعب جدا تنفيذ أي اختراق فعال.

وأوضح الوحيلي، إن "تأمين الشريط الحدودي يستند إلى جملة من العوامل الأمنية والعسكرية المتكاملة، في مقدمتها الانتشار المنظم لوحدات حرس الحدود والقوات الساندة، واعتماد خطط ميدانية مرنة تراعي طبيعة الأرض والتهديدات المحتملة، كما أن التنسيق العالي بين التشكيلات العسكرية والأجهزة الاستخبارية أسهم في رفع مستوى الجاهزية والاستجابة المبكرة لأي تحرك مشبوه".

وبيّن أن "استخدام التقنيات الحديثة، بما في ذلك أنظمة المراقبة الليلية والكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة، شكل عنصر حاسم في رصد التحركات غير الاعتيادية على طول الحدود، فضلا عن إقامة التحصينات والسواتر والخنادق التي تعيق محاولات التسلل وتحد من حرية الحركة في المناطق المفتوحة".

وأضاف أن "العامل الاستخباري يلعب دور محوري في منع الخروقات، عبر جمع وتحليل المعلومات الاستباقية ومتابعة شبكات التهديد قبل وصولها إلى الخطوط الحدودية، والضربات الاستباقية والإجراءات الوقائية أسهمت في تقليص المخاطر إلى أدنى مستوياتها".

وفق هذا التقدير، تبدو الحدود نفسها أقل هشاشة مما يُشاع أحيانا في النقاش العام، مع الاعتماد على مزيج من التحصينات الميدانية والرقابة التقنية والقراءة الاستخبارية المسبقة، بما يقلص هامش الحركة أمام محاولات التسلل المنظمة أو الفردية.

سوريا المضطربة: تهديد متحرك على بوابة العراق

على الضفة المقابلة، يلفت خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية اللواء جواد الدهلكي إلى أن قوة المنظومة الحدودية لا تكفي وحدها لعزل العراق عن تداعيات ما يجري داخل سوريا، خصوصا في الشمال والشرق، حيث تتموضع سجون ومخيمات تضم آلاف العناصر المتطرفة وعائلاتهم.

الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية اللواء جواد الدهلكي، حذّر من "التداعيات الخطيرة للتطورات الأمنية المتسارعة في سوريا، ولا سيما في المناطق الشمالية والشرقية المحاذية للحدود العراقية، مؤكداً أن أي تدهور أمني أو فراغ في السيطرة هناك سينعكس بشكل مباشر على الأمن الوطني العراقي.

وقال الدهلكي، في تصريح صحفي، إن "الاضطرابات الأمنية وعدم الاستقرار في بعض المناطق السورية، خصوصاً تلك التي تضم سجوناً ومخيمات لعناصر تنظيم داعش الإرهابي وعوائلهم، تشكّل تهديداً حقيقياً ومباشراً للعراق، في حال حدوث أي انهيار أمني أو ضعف في إدارة هذه المنشآت الحساسة، خاصة أن وجود آلاف العناصر الإرهابية المحتجزة في سجون قريبة من الحدود العراقية، إلى جانب مخيمات تضم أعداداً كبيرة من عوائل التنظيم، يمثل قنبلة موقوتة، إذ إن أي عملية هروب جماعي أو فوضى أمنية قد تؤدي إلى إعادة تنشيط الخلايا الإرهابية وفتح ممرات تسلل باتجاه الأراضي العراقية".

وبيّن أن "التنظيمات الإرهابية ما زالت تمتلك القدرة على استثمار الفوضى والصراعات المحلية، وتنتظر أي فرصة سانحة لإعادة ترتيب صفوفها، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة للمناطق الحدودية، والتداخل العشائري، وصعوبة السيطرة الكاملة على الشريط الحدودي".

وأضاف أن "العراق، رغم النجاحات الأمنية التي حققها خلال السنوات الماضية، لا يمكنه عزل نفسه عن محيطه الإقليمي، خصوصاً ما يجري في سوريا، لأن أمن البلدين مترابط، وأي خلل في أحدهما سينعكس على الآخر بشكل أو بآخر، ولهذا على الحكومة العراقية تعزيز الإجراءات الأمنية والاستخبارية على طول الحدود مع سوريا، ورفع مستوى التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بملف السجون والمخيمات، فضلاً عن دعم الجهد الاستخباري الاستباقي لرصد أي تحركات مشبوهة أو محاولات تسلل".

وشدد الدهلكي أنه "يجب إبقاء القوات الأمنية العراقية في أعلى درجات الجاهزية، وعدم الاكتفاء بالمعالجات العسكرية فقط، بل العمل على مقاربة شاملة تشمل التعاون الأمني، والدبلوماسي، وتبادل المعلومات، ومعالجة الأسباب التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة لإعادة الظهور".

بين الاطمئنان والتحذير: ما الذي تعنيه الرسالة المزدوجة؟

المقاربة التي يقدمها الوحيلي والدهلكي ترسم خريطة متوازنة للمشهد: من جهة، منظومة حدودية محسّنة تقلل من احتمال الاختراق المباشر، ومن جهة أخرى، بيئة إقليمية مضطربة على الجانب السوري، تجعل أي خلل في إدارة السجون والمخيمات أو في توازن القوى هناك عاملا مضاعفا للمخاطر.

بالنسبة لصانع القرار في بغداد، تعني هذه القراءة المزدوجة أن ملف الحدود لا يُقاس فقط بعدد الكاميرات والتحصينات، بل بطبيعة التنسيق مع الأطراف الفاعلة في سوريا ومع الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين بملف التنظيمات المتطرفة.

كما تعني أن نجاح العراق في تضييق هامش التهديد يتطلب استمرار الاستثمار في الاستخبارات والتحليل الاستباقي، إلى جانب إبقاء الحدود في حالة يقظة دائمة، باعتبارها نقطة التماس الأولى مع أي ارتدادات محتملة لما يجري خلفها.

اقرأ المزيد

منذ يومين تضجّ مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات لطائرة عسكرية أمريكية عملاقة تقف وسط الطائرات المدنية في مطار لوس أنجلوس الدولي، في مشهد غير مألوف أعاد إلى الواجهة مصطلح "طائرة يوم القيامة" وربطه مباشرة بأخطر السيناريوهات المطروحة في المنطقة، وعلى رأسها ضربة أميركية محتملة ضد إيران.

الطائرة التي ظهرت في المطار هي من طراز E-4B المعروفة باسم "نايت ووتش"، وهي نسخة عسكرية خاصة من بوينغ 747 صُمّمت لتكون مركز قيادة جويا في حال اندلاع حرب نووية أو تعرّض البنية القيادية في الولايات المتحدة لدمار واسع. الطائرة قادرة على التزوّد بالوقود جوا، والبقاء أياما في السماء، مع منظومات اتصالات مؤمّنة تسمح للرئيس وقيادة البنتاغون بإدارة العمليات من الجو في أكثر الظروف تطرفا.

 

 

بحسب المعلومات المتداولة، هبطت الطائرة في مطار لوس أنجلوس يوم الخميس، ثم أقلعت يوم الجمعة برفقة طائرة نقل عسكرية من طراز C-17، في أول ظهور لها على الإطلاق في مطار مدني منذ أكثر من نصف قرن. هذا الحضور المفاجئ في واحد من أكثر المطارات ازدحاما، وعلى مسافة دقائق من هوليوود، أثار ذهول هواة مراقبة الطائرات والمتابعين للشأن العسكري، وفتح باب التأويل على مصراعيه.

تزامن هذا المشهد مع تسريبات عن ميل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران، وحديث متزايد في واشنطن عن "خيارات قوية جدا" على الطاولة، ما دفع كثيرين إلى ربط تحليق "طائرة يوم القيامة" في الأجواء الأميركية المفتوحة برسالة ردع موجهة إلى طهران، مفادها أنّ الولايات المتحدة تستعرض أعلى درجات الجاهزية لأيّ تصعيد محتمل.

في المقابل، يحذّر خبراء عسكريون من المبالغة في قراءة الرموز، مشيرين إلى أنّ الطائرة جزء من تدريبات دورية واستعدادات مستمرة لسيناريوهات الطوارئ، وأنّ ظهورها في مطار مدني قد يكون مرتبطا بترتيبات لوجستية أو تدريبات مشتركة، من دون أن يعني بالضرورة أنّ الحرب على الأبواب.

بين قراءات الرسالة ومبرّرات الروتين العسكري، يبقى الثابت أنّ عام 2026 يشهد واحدا من أكثر المشاهد غرابة: طائرة صُمّمت لتحمّل ويلات حرب نووية تحلّق فوق سماء لوس أنجلوس، وتهبط بين الطائرات التجارية كأنّها ضيف عادي، فيما العيون كلّها تتجه إلى الشرق، حيث تقف إيران في قلب معادلة التصعيد والردع.

اقرأ المزيد

بين ركام التاريخ وصمود الجغرافيا، ينهض حيّا الشيخ مقصود والأشرفية كشاهدين على إرادة شعبية لا تقبل الانحناء أمام عواصف الزمان.

خمسة وعشرون عاماً من الحصار والقصف والنار لم تزد الكورد فيها إلا صلابةً، محولين أزقة هذه الأحياء إلى قلاع حصينة للكرامة. إنها ملحمة شعبٍ آمن بأن الإرادة تفعل المستحيل، فصاغ من النفير العام دستوراً للبقاء في وجه الطغاة.

في هذا التقرير سنستعرض مسيرة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب منذ عام 2001 حتى مطلع 2026، لنتحدث عن أبرز محطات النضال ضد القمع الأمني البعثي وانتفاضة 2004، والتحول الاستراتيجي مع انطلاق الأزمة السورية، وتشكيل وحدات حماية الشعب والمرأة، والتصدي لهجمات المرتزقة والحصار الخانق والهجمات الكيماوية عام 2016.

إلى جانب تسليط الضوء على أوضاع هذه الأحياء بعد سقوط نظام البعث وتولي حكومة مؤقتة تديرها هيئة تحرير الشام ومجموعات مرتزقة تابعة لتركيا وصولاً إلى اتفاقات 10 آذار والأول من نيسان 2025، والهجمات الحالية لمرتزقة الحكومة المؤقتة على هذه الأحياء وتمسّك الأهالي بخيار المقاومة والنفير العام.

حلب.. الفسيفساء التي لا تنكسر

تُعد مدينة حلب واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، وهي ليست مجرد مركز اقتصادي، بل هي لوحة فسيفسائية بشرية تعايشت فيها الأعراق والأديان لقرون. إلا أن حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، يمثلان حالة استثنائية في الذاكرة السورية المعاصرة. فهذان الحيان اللذان كان يقطنهما نحو 800 ألف نسمة (وفق إحصاءات 2010)، غالبيتهم من الكورد مع وجود عربي وتركماني وأرمني، تحولا من مناطق سكنية عشوائية نشأت نتيجة الهجرات الريفية، إلى قلاع حصينة للمقاومة والوعي السياسي.

ويتربع الشيخ مقصود على قمة تل استراتيجي يشرف على معظم أحياء حلب، ما منحه ثقلاً عسكرياً جعل منه مطمعاً لكل القوى المتصارعة خلال سنوات الأزمة السورية.

المقاومة في حلب.. صرخة الفجر قبل الثورة (2001 - 2010)

لم تبدأ مقاومة حيي الشيخ مقصود والأشرفية مع انطلاق الأزمة السورية عام 2011، بل كانت جذورها ضاربة في عمق الصراع مع نظام البعث الاستبدادي. فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديداً في 15 شباط 2001، شهد حي الشيخ مقصود أول تظاهرة علنية كبرى. انطلق الآلاف من منطقة "الشقيف" باتجاه "شارع عشرين"، منددين بالمؤامرة الدولية ضد القائد عبد الله أوجلان.

كانت هذه المواجهة هي الأولى في عهد بشار الأسد، حيث واجهتها أجهزة المخابرات الجوية والأمن العسكري بعنف مفرط، واعتقلت العشرات من الشبان الذين تعرضوا لتعذيب وحشي في الأقبية الأمنية.

انتفاضة 2004: الدماء ترسم حدود الهوية

في 12 آذار 2004، اشتعلت شرارة الانتفاضة في قامشلو، ولم يتأخر أبناء الشيخ مقصود والأشرفية عن تلبية النداء. فرض النظام البعثي حصاراً خانقاً وحظر تجوال استمر لأكثر من أسبوع، طال حتى الصيدليات والمراكز الطبية.

وفي 16 آذار 2004، ارتكبت قوات الأمن مجزرة عند منطقة "المثلث" في الأشرفية، حيث استخدم الرصاص الحي لتفريق اعتصام سلمي، ما أدى لاستشهاد الشابين "آري فوز ولو" و"جلال إبراهيم" والمواطنة "فريدة أحمد". فتحول الاعتصام إلى انتفاضة حجارة، أدت لمقتل قائد قوات مكافحة الشغب وحرق آليات أمنية.

وفي 20 آذار 2004، تحدى الآلاف الحصار وخرجوا في تظاهرة "نوروز" التي أجبرت الأمن على التراجع. وفي 26 آذار 2004، أضرم المناضل "يكتا هركول" النار في جسده بساحة سعد الله الجابري بقلب حلب، احتجاجاً على القمع، ليصبح أيقونة خالدة للمقاومة.

واستمرت الحالة الصدامية؛ ففي 12 آذار 2005، تجددت المواجهات لإحياء ذكرى الشهداء، واعتقل نظام البعث المئات من الأشخاص.

وفي 27 كانون الأول 2007، هاجم الأمن تظاهرة في "سوق الخضرة" بالأشرفية، وزجّ بالشبان في السجون بتهمة "اقتطاع أراضي سورية"، ولا يزال مصير بعضهم مثل "صفقان" و"شكري" مجهولاً حتى يومنا هذا.

وفي آذار 2009، اندلعت حرب شوارع حقيقية بعد هجوم الأمن على محتفلين بالنوروز في الرقة، حيث ردّ أبناء حلب بحرق عربات الأمن وقلبها في الشوارع.

مرحلة الإعداد للثورة وبناء الذات (2011 - 2012)

ومع بداية عام 2011، دخلت سوريا مرحلة تاريخية جديدة. وبينما كانت مدينة حلب متأخرة في الالتحاق بالاحتجاجات، كان الشيخ مقصود والأشرفية يسبقان الجميع بالتنظيم. في أيلول 2011، تم افتتاح "مركز الثقافة والفن الديمقراطي" في الشيخ مقصود شرقي، وهو أول مؤسسة كردية علنية تتحدى قانون الطوارئ.

وفي تشرين الأول 2011، جرت انتخابات المجالس الشعبية التي أفرزت "مجلس شعب غرب كردستان" برئاسة "سينم محمد".

الدفاع المشروع ومواجهة الشبيحة

وفي 14 كانون الثاني 2012، استشهد أحد مؤسسي وحدات حماية الشعب الشهيد خبات ديرك، وشكّل تشييعه في حلب، الذي انطلق من مشفى عثمان بالأشرفية، مظاهرة مليونية هزت أركان النظام. لم يتحمل النظام هذا التنظيم، فحرك عائلات "الشبيحة" مثل عائلة "البكاري". وفي 10 آذار 2012، أطلق الشبيحة النار على عضوة اتحاد ستار (مؤتمر ستار حالياً) "كوله سلمو"، التي استشهدت في 13 آذار، لتندلع شرارة تطهير الحيين من الشبيحة.

وفي 10 نيسان 2012، ثم في 9 و10 أيار 2012، جرت معارك طاحنة ضد عائلة "أبو عارف" في الشيخ مقصود شرقي، انتهت بطرد جميع الفلول الأمنية وتشكيل "لجان الحماية المدنية".

توّج هذا التنظيم في تموز 2012 بتشكيل "لواء شهداء الأشرفية" و"لواء مقاومة الشيخ مقصود"، تزامناً مع انطلاق ثورة 19 تموز في روج آفا.

وفي 27 تموز 2012، نفذت الوحدات عملية "انتقام الطحين" ضد حواجز النظام في السكن الشبابي ودوار الجندول، رداً على استهداف قافلة إغاثية، وقتل في العملية أكثر من 20 عنصراً من قوات النظام البعثي.

سنوات النار.. الحصار والكيماوي (2013 - 2016)

عام 2013 كان عام الاختبار القاسي؛ حيث واجه الحيان هجمات مزدوجة من النظام والمجموعات المسلحة المتشددة التي تحولت الآن إلى مرتزقة. ففي 29 آذار 2013، بدأ النظام هجوماً جوياً واسعاً استمر حتى 17 نيسان. وفي 10 نيسان 2013، استهدف طيران النظام البعثي الحي بالقنابل العنقودية، مما أدى لاستشهاد 15 مدنياً.

وفي 13 نيسان 2013، ارتكب النظام جريمة حرب باستخدام غاز "السيانيد" السام، ما أدى لاستشهاد 3 مدنيين وتسمم 16 آخرين.

وفي المقابل، بدأ مرتزقة "خالد حياني" (لواء شهداء بدر) هجوماً وحشياً في 25 نيسان 2013 على السكن الشبابي، واختطفوا ممرضات وقتلوا مدنيين تحت التعذيب، لكن وحدات حماية الشعب طردتهم في معارك بطولية استشهد فيها القيادي "زهر الدين خليل".

وفي حزيران 2013، هاجم ائتلاف فصائل (جبهة النصرة، لواء التوحيد، وأحرار الشام) الحي، لكنهم انكسروا أمام صمود المقاتلين.

وفي أيلول 2014، ومع هجوم مرتزقة داعش على كوباني، توجهت نخبة مقاتلي حلب للمشاركة في المقاومة هناك، ونقلوا خبرة حرب الشوارع التي اكتسبوها في أزقة حلب.

وفي 3 شباط 2015، استشهدت أول مقاتلة من وحدات حماية المرأة YPJ في حلب، "جاندا ولات"، إثر قصف على السكن الشبابي.

وفي 2 أيار 2015، تشكلت ما تسمى غرفة عمليات "لبيك يا أختاه" بقيادة جبهة النصرة لغزو الحي، لكن في 28 أيار 2015، سحقت الوحدات هذا الهجوم وكبدت المرتزقة خسائر فادحة.

2016: ملحمة كسر الحصار

وبعد ذلك بدأ حصار شامل على حيي الشيخ مقصود والأشرفية وتحديداً في 22 أيلول 2015، وتفاقم أكثر في 2016. وفي 20 شباط 2016، أعلنت حركة المجتمع الديمقراطي النفير العام. وفي 8 آذار و7 و8 نيسان 2016، تعرّض الحي للقصف بالمواد الكيماوية من قبل مرتزقة جيش الإسلام الذين اعترفوا بذلك رسمياً. وفي أيار 2016، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً يدين المرتزقة بقتل 83 مدنياً بينهم 30 طفلاً في الشيخ مقصود.

وفي 7 أيلول 2016، استشهد الطبيب الجراح الوحيد في الحي، "شاهد جميان"، في قصف غادر. وانتهت هذه الحقبة في تشرين الثاني 2016 بتحرير وحدات حماية الشعب لستة أحياء شرقية (بستان الباشا، الهلك، بعيدين، الحيدرية، الشيخ خضر، الشيخ فارس)، ليعلن الحي انتصاره النهائي على المرتزقة.

سوريا الجديدة.. من سقوط الأسد إلى مواجهة التهجير القسري (2024 - 2026)

دخلت الأزمة السورية مرحلة الحسم بعد توافق دولي على إسقاط هذا النظام والتخلص من أذرع إيران في البلاد، ففي 27 تشرين الثاني 2024 أطلقت هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة سابقاً، ما تسمى عملية "ردع العدوان". ومع السقوط المتسارع لنظام بشار الأسد بناء على توافق دولي في 8 كانون الأول 2024، حافظت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية على خصوصيتها الأمنية.

وفي 10 آذار 2025، وقّع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية "مظلوم عبدي" اتفاقاً تاريخياً مع رئيس الحكومة المؤقتة "أحمد الشرع". تبع ذلك اتفاق محلي في 1 نيسان 2025، نص على بقاء قوى الأمن الداخلي "الأسايش" في الحيين، وخروج قوات سوريا الديمقراطية بسلاحها الثقيل لضمان عدم التصادم.

عدوان كانون الثاني 2026: النفير العام مرة أخرى

لكن المجموعات المرتزقة ومن ورائهم دولة الاحتلال التركي التي ظلت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية غصة في حلقومهم، لم يتوقفوا عن استهداف الحيين، ففي الربع الأخير من عام 2025، بدأت تلك المجموعات المرتزقة في الحكومة المؤقتة والتي تدربت على يد دولة الاحتلال التركي بفرض حصار جائر وتكرار الهجمات على الحيين.

ومع مطلع العام الحالي 2026، وتحديداً في 6 كانون الثاني 2026، شنت مرتزقة الحكومة المؤقتة بدعم وإدارة مباشرة من الاحتلال التركي، هجوماً واسعاً بالأسلحة الثقيلة والطيران المسيّر على الحيين. حيث استهدف القصف مشفى "عثمان" ومشفى "الشهيد خالد فجر"، مما أخرجهما عن الخدمة تماماً كما استهدف القصف منازل المدنيين بشكل مباشر في جريمة حرب مكتملة الأركان، وأسفر العدوان حتى الآن عن استشهاد أكثر من 25 مواطناً وإصابة أكثر من 100.

ورداً على هذه المجازر، وتفادياً لتكرار ما حدث في الساحل السوري خلال شهر آذار 2025 ومجازر السويداء وأشرفية صحنايا في تموز 2025 التي ارتكبها مرتزقة الحكومة المؤقتة بحق المكونات السورية المختلفة معها دينياً وقومياً، أعلنت إدارة أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في 9 كانون الثاني 2026 حالة النفير العام، مؤكدة تمسكها بالبقاء ورفض التهجير القسري.

الجغرافيا تهزم السياسة

إن قصة الشيخ مقصود والأشرفية هي قصة شعب رفض الانحناء للعواصف. من عام 2001 وحتى 2026، ظلت هذه الأحياء "الرئة" التي تتنفس منها حلب الكرامة. إن صمود هذه الأحياء اليوم هو صمود لمشروع الأمة الديمقراطية في وجه مشاريع الاحتلال والتقسيم، وهي رسالة للعالم بأن الخرائط التي تُكتب بالدم والوعي الشعبي لا يمكن محوها بجرة قلم سياسي.

اقرأ المزيد

تشهد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب تصعيداً أمنياً وعسكرياً منذ مطلع كانون الثاني/ يناير 2026، بعد سلسلة اشتباكات متفرقة مستمرة منذ التوصل إلى اتفاق 1 نيسان/ أبريل 2025 بين مجالس الحيين والسلطة السورية.

الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أشهر من التوترات، كان يهدف إلى تنظيم الوضع الأمني المحلي مع مراعاة مصالح السكان، وتمثّل ترتيبا مؤقتا لإدارة البنية الأمنية داخل الحيين.

خلفية الاتفاق
وقّع الاتفاق في 1 نيسان 2025، وأكد على بقاء البنية الأمنية المحلية المرتبطة بـ”قسد” وحواجزها، مع استمرار التنسيق الرسمي مع وزارة الداخلية السورية عبر آلية مشتركة.

ونص الاتفاق على منع دخول فصائل مسلحة خارجية وتعزيز الاستقرار والتعايش المشترك، مع إبقاء التنسيق المحلي بين المجتمع والإدارة الرسمية.

ويُنظر إلى الاتفاق من جانب “قسد” كمرجعية سياسية، معتبرة أي تحرك عسكري ضد الحيين تجاوزاً له، بينما تعتبر الحكومة السورية الاتفاق ترتيباً هشاً يمكن تغييره إذا اعتبرت الوضع الأمني مهدداً.

ورغم بنود الاتفاق، بقي الحيان تحت قيود على الحركة والتجارة، مع مراقبة من قوات وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية على المداخل الرئيسية.

وشهد الحيان أحياناً تدخلات أمنية محدودة لإبعاد مجموعات مسلحة خارجية، فيما حاول الجانب الكردي إعادة تفعيل الحوار لتخفيف القيود، لكنه غالباً صُدم بردود رسمية تميل إلى الضغط الأمني والعسكري.

جولات الاشتباك السابقة
منذ الاتفاق، سجلت عدة اشتباكات محدودة بين قوات وزارة الدفاع والأسايش، كان أبرزها في خريف 2025. وأسفرت الاشتباكات حينها عن مقتل عنصر واحد من القوى الأمنية وجرح آخرين، بينما نفت الأسايش استهداف حواجز الجيش ووصفت الهجوم بأنه نفذته “فصائل منفلتة” تابعة للحكومة.

ومنذ مطلع كانون الثاني 2026، تصاعدت الاشتباكات إلى مستويات واسعة، شملت قصفاً مدفعياً وصاروخياً، واستخدام دبابات وأسلحة ثقيلة من جانب الجيش أو فصائل مرتبطة به.

وأعلنت وزارة الدفاع عبر “هيئة العمليات” أن جميع مواقع “قسد” داخل الحيين أصبحت “أهدافاً مشروعة”.

وفي المقابل، وصفت قيادات من الإدارة الذاتية الهجمات بأنها انتهاك صارخ لاتفاق 1 نيسان وإعلان حرب، مؤكدين التزام الطرف الكردي ببنود الاتفاق.

البعد المدني والديموغرافي
تشير التقارير إلى وقوع قتلى وجرحى ونزوح للسكان. غالبية السكان هم من مهجّري عفرين، ما يجعل استمرار القصف قضية حساسة من الناحية المدنية والديموغرافية. كما تم قطع طرق رئيسية، مثل طريق حلب – غازي عنتاب، أثر على حركة المدنيين والبضائع، وزاد من هشاشة الوضع الأمني في الحيين.

ويركز الجانب الكردي على الالتزام بالاتفاق وحماية المدنيين، مع التأكيد أن أي هجوم على الحيين يمثل اعتداء على السكان الكرد.

بينما يصف الجانب الحكومي التحركات العسكرية بأنها إعادة بسط السيادة على الحيين وإزالة أو تحجيم الوجود العسكري لـ”قسد”، مؤكداً أن أي حل مستقبلي يجب أن يتم عبر ترتيبات أمنية جديدة تختلف عن اتفاق 1 نيسان.

التطورات في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية تعكس تحديات تطبيق الاتفاقات الأمنية بين أطراف مختلفة في بيئة مشحونة عسكرياً وسياسياً.

كما يظهر التصعيد الحالي كيف أن أي ترتيب مؤقت يصبح هشاً أمام تغير المعطيات الميدانية والسياسية، مع انعكاس مباشر على المدنيين وحركة السكان داخل المدينة.

اقرأ المزيد

تطرح المعطيات الاقتصادية والجيوسياسية والبيانات الرسمية، تساؤلات جوهرية حول دوافع الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في ضوء ثروة فنزويلا النفطية.

ورغم أن الإدارة الأمريكية بررت هذا التدخل بوصفه "استجابة لتهديدات تمس الأمن القومي"، ونفذت عملية عسكرية غير مسبوقة داخل الأراضي الفنزويلية بذريعة "مكافحة تهريب المخدرات"، إلا أن دوافع إدارة الرئيس دونالد ترامب أثارت تساؤلات واسعة على الساحة الدولية. وقد تُرجم هذا التشكيك بموجة رفض دولية للهجوم الأميركي وأسبابه المعلنة، في وقت لم تحظ فيه واشنطن بسوى دعم إسرائيلي معلن، ما عمق الشكوك حول الخلفيات الحقيقية للعملية وأهدافها السياسية والاقتصادية.

ووفقا لأحدث الإحصائيات الدولية الموثوقة، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، بما يقارب 303 مليار برميل، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فيما يبلغ احتياطي السعودية 267 مليار برميل في المرتبة الثانية، في وقت بلغ احتياطي الولايات المتحدة 74.4 مليار برميل في المرتبة التاسعة عالميا.

يذكر أن الاحتياطيات المؤكدة (Proven Reserves) تشير إلى الكميات التي يمكن استخراجها اقتصاديا بالتكنولوجيا الحالية وبنسبة ثقة تتجاوز 90%.

ويعني هذا أن فنزويلا، كدولة واحدة، تتفوق على كل من السعودية والولايات المتحدة من حيث حجم الاحتياطي، رغم أن إنتاجها اليومي لا يتجاوز 700 ألف برميل، مقابل أكثر من 13 مليون برميل يوميا للولايات المتحدة.

ويعود سبب ضعف انتاج فنزويلا إلى العقوبات الأمريكية، ونقص الاستثمار، وتدهور البنية التحتية، ما حوّل "الذهب الأسود" إلى ثروة مجمدة، لكنها لا تزال هدفا استراتيجيا هائلا يسيل له لعاب الولايات المتحدة.

وتبرر واشنطن تدخلها باتهامات تتعلق بـ"تهريب المخدرات"، زاعمة أن نظام مادورو متواطئ مع شبكات كارتلات الكوكايين. لكن البيانات الرسمية الأمريكية والدولية تفند هذا الادعاء.

 ووفقا لتقرير إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية  لعام 2025، فإن 84% من الكوكايين المضبوط في الولايات المتحدة يعود أصله إلى كولومبيا، وليس فنزويلا.

ويضاف إلى ذلك أن المسارات الرئيسية لتهريب الكوكايين تمر عبر كولومبيا والمكسيك إلى الولايات المتحدة، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

وتصنف فنزويلا كـ"ممر ثانوي" في بعض الحالات، لكنها ليست مصدرا رئيسيا، ولا تلعب دورا مركزيا في سلسلة التوزيع الرئيسية.

فاتهامات "الإرهاب المرتبط بالمخدرات" ضد مادورو تفتقر إلى أدلة ميدانية موثقة، وتبدو أقرب إلى ذريعة سياسية لتغطية أهداف استراتيجية أوسع.

فالتركيز الأمريكي على فنزويلا لا يتوافق مع منطق "مكافحة المخدرات"، بل مع منطق السيطرة على الموارد، إذ يعد النفط الثقيل الفنزويلي (Orinoco Belt) بديلا استراتيجيا طويل الأجل في سوق الطاقة، خصوصا مع توقعات تقلص الإنتاج التقليدي عالميا.
كما أن الشركات الأمريكية الكبرى مثل "Chevron" كانت قد حصلت على تراخيص محدودة للعمل في فنزويلا عام 2022، لكن العقوبات المتجددة أعاقت التوسع.

فاحتجاز مادورو ودفع فنزويلا نحو حكومة "صديقة" قد يمهد لفتح الباب أمام استثمارات نفطية أمريكية واسعة، تمكن واشنطن من التحكم بجزء كبير من إمدادات النفط العالمية.

ويشير باحثون في معهد الأهرام للدراسات السياسية إلى أن "الاحتياطي النفطي الفنزويلي الضخم يشكل ورقة ضغط جيوسياسية لا تقدر بثمن، خصوصا في زمن التنافس مع الصين وروسيا على مصادر الطاقة".

ووصفت روسيا والصين العملية بأنها "عدوان إمبريالي" و"استعمار جديد تحت غطاء القانون"، فيما عبرت كولومبيا وإسبانيا عن "قلق عميق" إزاء انتهاك السيادة.

الحكومة الفنزويلية المؤقتة برئاسة رودريغيز التي تتولى السلطة بعد اعتقال مادورو أعلنت استعدادها للتفاوض مع "الشركاء الدوليين" حول قطاع النفط، في إشارة واضحة إلى واشنطن.

ورغم الخطاب الرسمي الأمريكي، فإن البيانات الموضوعية والمؤشرات الجيوستراتيجية تؤكد أن الهدف الحقيقي من الهجوم على فنزويلا هو السيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، لا مكافحة تهريب المخدرات الذي تظهر المصادر الرسمية أن مصادره الرئيسية تكمن في كولومبيا والمكسيك.

الهجوم على مادورو ليس فقط انتهاكا للقانون الدولي، بل سابقة خطيرة تعيد تعريف مفاهيم السيادة في القرن الحادي والعشرين: حيث تصبح الدول الغنية بالموارد هدفا مشروعا لأي قوة عظمى ترفع شعار "الحرب على الشر" بينما هي تطمع في "الذهب الأسود".

اقرأ المزيد

بعد دقائق من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نجاح عملية عسكرية في فنزويلا انتهت باعتقال نيكولاس مادورو، أصدرت نائبة الأخير، ديلسي رودريغيز، رسالةً صوتيةً ​عبر التلفزيون الفنزويلي الرسمي، تطالب فيها بإثبات سلامته.

وفيما تُطالب زعيمة المعارضة، الحائزة على «نوبل» للسلام، ماريا كورينا ماتشادو، بتسليم الرئاسة «فوراً» لمرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوروتيا، يُجادل أنصار مادورو بأن القانون الفنزويلي ينصّ على تسليم الرئاسة لديلسي رودريغيز. وكشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مؤتمر صحافي، السبت، أن رودريغير أدّت القسم لتسلّم منصب الرئاسة في فنزويلا، وأنها أكّدت لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو «استعدادها للتعاون» مع واشنطن. في الوقت ذاته، تحدّث ترمب عن «إدارة» فنزويلا إلى جانب «فريق من الفنزويليين» خلال «فترة انتقالية» لم يُحدّد مدّتها.

من جانبه، عبّر وزير الخارجية سيرغي لافروف في اتّصال مع رودريغيز عن «تضامنه الكامل ‌مع ‌الشعب ⁠الفنزويلي ​في ‌مواجهة العدوان المسلح». وأضاف وفق وزارة الخارجية الروسية: «تحدّث الجانبان عن ضرورة منع أي تصعيد آخر وإيجاد مخرج من ​الأزمة عبر الحوار». وبعدما رجّحت تقارير إعلامية وجود رودريغير في روسيا، نفت الوزارة صحّة هذه المعلومات وفق وكالة «تاس».

ومع احتمال لعب رودريغيز دوراً في قيادة فنزويلا في الأسابيع والأشهر المقبلة، نستعرض بعض أبرز محطّات مسيرتها المهنية. وُلدت رودريغيز (56 عاماً) في كراكاس يوم 18 مايو (أيار) 1969، وهي ابنة المقاتل اليساري في حرب العصابات خورخي أنطونيو رودريغيز، مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية» الثوري في سبعينات القرن الماضي، كما ذكرت وكالة «رويترز».

نالت رودريغيز شهادة محاماة من الجامعة المركزية في فنزويلا، وصعدت بسرعة في السلم السياسي خلال العقد الماضي، حيث شغلت منصب وزيرة الاتصال والإعلام بين عامي 2013 و2014.

تولّت رودريغيز بعد ذلك منصب وزيرة الخارجية بين عامي 2014 و2017، وخلال تلك الفترة حاولت اقتحام اجتماع لتكتل «ميركوسور» التجاري في بوينس آيرس، عقب تعليق عضوية فنزويلا في التكتل. وفي عام 2017، تسلّمت رئاسة «الجمعية التأسيسية» الموالية للحكومة، التي وسّعت صلاحيات مادورو.

عُيّنت رودريغيز نائبة للرئيس في يونيو (حزيران) 2018، ووصفها مادورو بـ«امرأة شابة، شجاعة، متمرّسة، ابنة شهيد، ثورية، واختبرت ألف معركة». ومع تولّيها حقيبتي المالية والنفط في 2024، بالتزامن مع منصبها نائبةً للرئيس، أصبحت رودريغيز شخصية محورية في إدارة الاقتصاد الفنزويلي، ما منحها نفوذاً كبيراً على القطاع الخاص المتآكل في البلاد. وحتى لحظة اعتقال مادورو، كانت رودريغيز تعمل عن كثب مع شقيقها، خورخي رودريغيز، الذي يرأس الجمعية الوطنية (البرلمان).

اقرأ المزيد

دوّت الانفجارات «الموعودة» في كاراكاس... حصلت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة ووقع نيكولاس مادورو في القبضة...

تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا بشكل حاد أواخر عام 2025، عقب تنفيذ الجيش الأميركي سلسلة من الضربات البحرية في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، قالت واشنطن إنها استهدفت سفناً متورطة في تهريب مخدرات. ونُفِّذ العديد من هذه الضربات التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 95 شخصاً بمحاذاة السواحل الفنزويلية.

كانت كل مؤشرات الحشد العسكري الأميركي الواسع في المنطقة، معطوفاً على تهديدات الرئيس دونالد ترمب بتنفيذ ضربات برية، وإعلانه في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أن المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها صار مغلقاً، تعني أن الحرب على الرئيس نيكولاس مادورو آتية...

تطورت الأمور، ووصلت إلى حد مصادرة القوات الأميركية مطلع الشهر الأخير من 2025 ناقلة نفط مرتبطة بفنزويلا قبالة سواحل البلاد، ثم أمر ترمب، في 16 ديسمبر (كانون الأول)، بفرض حصار على ناقلات النفط التي تدخل فنزويلا، أو تغادرها، في خطوة هدفت إلى وقف تجارة النفط في البلاد، وتوجيه ضربة كبيرة لاقتصاد الدولة الأميركية اللاتينية المعتمد بشكل أساسي على هذه المادة الحيوية.

وفي تطوّر آخر، نفّذت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في ديسمبر (كانون الأول) ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت منشأة على الساحل الفنزويلي، قال ترمب إنها تُستعمل لتهريب المخدرات...

وقائع فنزويلية
بعيداً عن تفاصيل اليوم الحاسم التي ستتضح بالتدريج، وفي خلفية الأزمة، فإن فنزويلا تعاني وضعاً اقتصادياً رديئاً منذ سنوات أدى إلى نقص حاد في الخدمات العامة، وصولاً إلى صعوبة الحصول على الغذاء.

وقد غادر أكثر من سبعة ملايين فنزويلي البلاد منذ العام 2015. ووفقاً لتقديرات إنسانية محلية، يحتاج نحو 19.7 مليون شخص (من أصل 31 مليون فنزويلي) إلى مساعدات إنسانية. كما يصنّف برنامج الأغذية العالمي فنزويلا ضمن أكثر الدول معاناة من انعدام الأمن الغذائي، وكان 9 ملايين و300 ألف شخص يفتقدون ما يكفي من الغذاء في 2019.

يورد موقع الـ«سي آي إيه» الآتي: «ظلّت الحكومات المنتخبة ديمقراطياً هي السائدة إلى حدّ كبير حتى العام 1999، غير أنّ هوغو تشافيز، الذي تولّى الرئاسة بين 1999 و2013، مارس السلطة بشكل استبدادي».

ويضيف أنه بعد وفاة تشافيز -الذي كان عدوّاً لدوداً في نظر واشنطن– في الخامس من مارس (آذار) 2013، استمر هذا النهج مع خلفه نيكولاس مادورو. و«كانت الانتخابات البرلمانية التي أُجريت عام 2020 مزوّرة، ويرى معظم أحزاب المعارضة، والعديد من الأطراف الدولية أن الجمعية الوطنية المنبثقة منها تفتقر إلى الشرعية. وفي 2021، أنهت قوى معارضة عديدة مقاطعة انتخابية استمرت ثلاث سنوات، وشاركت في الانتخابات البلدية، وانتخابات حكّام الولايات، رغم الظروف السلبية التي شابت العملية. ونتيجة لذلك، ضاعفت المعارضة أكثر من مرّتين تمثيلها على مستوى البلديات، واحتفظت بأربع ولايات من أصل 23».

يضيف موقع وكالة الاستخبارات المركزية: «أدّت سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية إلى جعل فنزويلا غير مهيّأة لمواجهة الانخفاض العالمي في أسعار النفط عام 2014، الأمر الذي أطلق مسار تراجع اقتصادي أسفر عن تقليص الإنفاق الحكومي، ونقص في السلع الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم. وقد دفع تدهور الظروف المعيشية ملايين الفنزويليين إلى الهجرة، واستقر معظمهم في دول الجوار».

وقد فرضت واشنطن منذ سنوات سلسلة من العقوبات على فنزويلا، ورئيسها، ومحيطه، ودعمت معارضيه مثل الرئيس السابق للبرلمان خوان غوايدو الذي أدى اليمين الدستورية رئيساً للبلاد بعد قرار أصدرته الجمعية الوطنية في 23 يناير (كانون الثاني) 2019 مؤدّاه أن الانتخابات الرئاسية الفنزويلية للعام 2018 غير شرعية، وبالتالي رفض النواب الاعتراف بتنصيب مادورو لولاية رئاسية ثانية. لكن الأخير صمد، وبقي في القصر الرئاسي.

وتكرر الأمر في الانتخابات الرئاسية عام 2024، خصوصاً بعد قرار منع السياسية المعارضة ماريا كورينا ماشادو من خوضها، وخروج حليفها إدموندو غونزاليس منها «فائزاً»، ليغادر البلاد بعدها، ويطلب اللجوء السياسي في إسبانيا.

النفط الفنزويلي

فنزويلا.. البلد الذي يلمع في عيون ترامب. تملك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، ما يقرب من 303 مليارات برميل. القيمة التقديرية لهم تتجاوز تقريباً 21 تريليون دولار. اكتشفوا أبعاد الكنوز الفنزويلة التي أصبحت حديث العالم

شهد إنتاج النفط في فنزويلا نموًا ملحوظًا خلال عامي 2024 و2025، وبلغ الإنتاج الشهري ذروته عند 940 ألف برميل يوميا في فبراير/شباط 2025، أي بزيادة تقارب 100 ألف برميل يوميا مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

غير أن هذه الثروة الهائلة لا تنعكس على مستوى الإنتاج الفعلي، الذي يُعد اليوم متواضعا مقارنة بحجم الاحتياطيات وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية. ولعل هذا التباين بين الاحتياطيات وحجم الإنتاج يضع فنزويلا في صلب الاهتمام الأميركي.

تُعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في العالم، إذ تجاوزت وارداتها 600 ألف برميل يوميا خلال شهر ديسمبر/ الجاري، وهو ما يمثل نحو 4% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، وفقًا لوكالة رويترز

ماذا بعد؟

قال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تعليقا على التحركات العسكرية الأمريكية في منطقة الكاريبي، "يستهدفوننا لأننا نمتلك أكبر احتياطي للنفط في العالم".

جاء ذلك في كلمة بالعاصمة كراكاس، الجمعة، أكد فيها على أن "الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها فنزويلا".

وأضاف: "يستهدفوننا لأننا نمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لو لم تكن لدينا 30 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، ولم نكن في موقع استراتيجي، ولم نمتلك أكبر احتياطي نفطي ورابع أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، ربما كانوا لن يذكروا اسم فنزويلا حتى".

وتعد فنزويلا من أغنى دول العالم بالثروات الباطنية، إذ تحتل المرتبة الأولى عالميا في احتياطيات النفط المؤكدة، والتي تقدر بأكثر من 300 مليار برميل.

كما تمتلك رابع أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم بأكثر من 195 ترليون قدم مكعب، إلا أن استغلال هذه الثروات مازال محدودا بسبب ضعف البنية التحتية والعقوبات الاقتصادية الأمريكية.

واتهم مادورو الولايات المتحدة باستخدام وسائل الإعلام الدولية للتلاعب بالرأي العام.

وأردف أن واشنطن تسعى لفرض رواية تبرر شن حرب ضد فنزويلا، وتعد خطة لتهيئة الأرضية لتغيير النظام، ونهب ثروات البلاد الطبيعية الهائلة.

وقال: "الحقيقة أن فنزويلا بريئة، وكل ما يُنفذ ضدنا يهدف إلى الحرب وتغيير النظام، نحن شعب عريق ولن نتنازل قيد أنملة عن كرامتنا، الخطاب الأمريكي ضد فنزويلا مليء بالافتراءات".

النفط وتغيير النظام

يرى عدد متزايد من المحللين أن الهدف الحقيقي لإدارة ترامب هو تغيير النظام لفتح الباب أمام موجة من الخصخصة تمنح الشركات الأمريكية وصولاً مباشراً للموارد الطبيعية الهائلة في فنزويلا. وبذلك توجه واشنطن رسالة للصين وروسيا لإزاحتهما من حديقتها الخلفية في استعادة لسياسة مجالات النفوذ التي لطالما اتبعتها الإمبراطوريات القديمة.

في الولايات المتحدة لم يعد بعض السياسيين يخفون أن النفط هو الهدف. فقد قالت النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازارة  لقناة فوكس نيوز ، نحن على وشك الدخول. بالنسبة لشركات النفط الأمريكية ، ستكون فنزويلا احتفالاً، لأن هناك أكثر من تريليون دولار من النشاط الاقتصادي.
أما جيمس ستوري، آخر سفير للولايات المتحدة في كاراكاس، يجب أن يختفي مادورو لأنه ممثل سيء يجلس فوق أكبر احتياطيات نفط في العالم، إضافة إلى المعادن الضرورية لاقتصاد القرن الحادي والعشرين، وقد تحالف مع منافسينا الاستراتيجيين.
تعمل عدة شركات نفط أجنبية في فنزويلا عبر شراكات مع شركة PDVSA الحكومية، مع احتفاظ الدولة بحصة الأغلبية،  وتشمل الشركات: شيفرون، ريبسول، إيني، وشركات صينية. لكن في فبراير الماضي شددت واشنطن العقوبات وسحبت تراخيص التصدير من الشركات الغربية، قبل أن تمنح لاحقاً استثناءً لشيفرون يسمح لها بالاستمرار دون تحويل أموال مباشرة للدولة الفنزويلية. وكانت الصين المستفيد الأكبر، إذ استحوذت في منتصف العام على 85% من صادرات النفط الفنزويلي وفق موقعOil Price

الذهب الأسود هو المسألة

اسم فنزويلا يعني «فينيتسيا الصغيرة»، أطلقه على تلك الأرض المستكشف الإيطالي أميركو فيسبوتشي عام 1499 بعد رؤيته المنازل المبنية على ركائز خشبية في بحيرة ماراكايبو، مما ذكّره بمدينة البندقية في إيطاليا.

فينيتسيا الإيطالية مدينة عائمة في المياه، فيما النسخة الأميركية اللاتينية تعوم على بحر من النفط... ليست المسألة مكافحة فساد، ولا إرساء ديمقراطية، ولا رفاهية شعب...الذهب الأسود هو المسألة.

اقرأ المزيد

انتقدت صحيفة "ذا هيل" الأميركية، القادة الأميركيين الذين "لم يتعلموا شيئاً من العراق"، ولا يزالون يؤمنون بأن المبالغة ونشر الخوف واختلاق التهديدات الوجودية لا تزال فعالة، وذلك في إشارة إلى السياسة الأميركية الحالية تجاه فنزويلا التي تظهر مدى سهولة تداخل النفط والأمن والمبررات الأخلاقية عندما ترغب واشنطن في الحرب.

ووصفت الصحيفة في تقرير لها، التدخلات العسكرية الأميركية ضد السفن التي تنقل النفط الفنزويلي، بأنها بمثابة "استعراض فظ للقوة يعيد إلى الاذهان ذكريات مؤلمة عن مدى سهولة تداخل النفط والأمن والمبررات الأخلاقية عندما ترغب واشنطن في الحرب".

وأضافت أنه مع تصعيد إدارة دونالد ترمب لحملة الضغط على فنزويلا، "يتضح أن الدروس الوحيدة التي استخلصتها أميركا من غزوها الكارثي للعراق كانت خاطئة".

وقال التقرير الأميركي إن "أخطر خطأ ارتكبه البيت الأبيض هو انغماسه في التفكير المتحيز"، موضحاً أنه مثلما فعلت إدارة جورج بوش من قبلها، فإن إدارة ترمب يبدو أنها تفضل حماسها لإسقاط دكتاتور على الحقائق أو التخطيط الاستراتيجي.

ولفت إلى أن الإدارة الأميركية صنفت مؤخراً مادة الفنتانيل الكيميائية باعتبار أنها بمثابة "سلاح دمار شامل"، فإنها بذلك أعادت تكرار الادعاء الكاذب الذي استخدمه جورج بوش لجر الولايات المتحدة إلى العراق في العام 2003.

وأشار إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالتعاون مع "تجار مخدرات وإرهابيين مخدرات"، مذكراً بذلك هوس جورج بوش غير المبرر بوجود تحالف بين تنظيم القاعدة وصدام حسين.

وبعدما ذكر التقرير بأن ترمب صرح مؤخراً بأنه لا يستبعد الحرب، أوضح التقرير أنه يمكن الاستنتاج "بأن قادتنا لم يتعلموا شيئاً من العراق، لكن الحقيقة سوداوية أكثر، حيث إنهم تعلموا أن المبالغة ونشر الخوف واختلاق التهديدات الوجودية لا تزال فعالة".

واعتبر التقرير أن هذا "المنطق الساخر" يتم توجيهه نحو جار في الأميركيتين، في إشارة إلى فنزويلا، موضحاً أنه برغم أن أميركا اللاتينية ليست غريبة عن تدخلات واشنطن، إلا أن إعادة تدوير الخطابات المكررة لأكثر الأخطاء كارثية في التاريخ الأميركي الحديث، وهي إشارة إلى العراق، تظهر المنطقة، والعالم بأكمله، بأن الولايات المتحدة لا تزال عاجزة، أو غير راغبة، في كبح جماح أسوأ نزعاتها.

وتابع التقرير موضحاً أن الذاكرة السياسية قصيرة، إلا أن تكاليف حرب العراق كانت باهظة، وأنه في حين كان الغزو الأولي سريعاً وناجحاً عسكرياً، إلا أنه أعقبه نحو عقد من العنف وعمليات مكافحة التمرد، والتي قتل خلالها أكثر من 4400 جندي أميركي ومئات الآلاف من العراقيين، معظمهم من المدنيين.

وقال التقرير إن الدرس الذي استخلصه القادة الأميركيون ليس أن الحروب كالحرب في العراق، يجب أن تكون نادرة ومحدودة ومخططة بدقة كبيرة، مضيفاً أن العراق لم يُمنح اهتماماً للتخطيط لما بعد خطاب الرئيس جورج بوش بعنوان "انتهاء المهمة" عام 2003، مذكراً بأن تفكيك الدولة العراقية أدى إلى فراغات في السلطة، ونشأت فيها ميليشيات متطرفة موالية لصدام، وتنظيم القاعدة في العراق، وفي نهاية المطاف تنظيم "داعش".

وأضاف التقرير قائلاً إن "الدرس الأعمق لم يكن مجرد أن الغزو يخلق عدم الاستقرار، بل أن المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومات تساهم في تسريع انتشار الفكر المتطرف والعنف العابر للحدود".

وفي هذا الإطار، ذكر التقرير أن "السيناريو نفسه قد يتكرر في فنزويلا، حيث إن أميركا اللاتينية لها تاريخ طويل من التمرد، من القوات المسلحة الثورية "فارك" في كولومبيا، مروراً بحركة "الزاباتيستا" في المكسيك، وصولاً إلى جماعة "الدرب المضيء" في بيرو.

وأوضح التقرير أنه على غرار انجذاب القوات البعثية المنحلة نحو الميليشيات والجماعات الإرهابية بعد عام 2004، فإن قوات الأمن الفنزويلية المنقسمة قد تندمج بسهولة في بيئات الجريمة والإرهاب القائمة، مذكراً بأنه خلال عهد مادورو، تعاونت فنزويلا مع جماعات حرب العصابات الكولومبية وشبكات التهريب غير المشروعة، بينما وطدت علاقاتها مع "حزب الله".

وبعدما قال التقرير إن فنزويلا تشكل مخاطر أكبر من تلك التي شكلها العراق، حيث إن نظام مادورو يقوم بتجنيد وتسليح الميليشيات، ويعد القوات لحرب عصابات، تابع قائلاً إنه عندما انهار العراق وتفكك جيشه، فإن تنظيم القاعدة تحرك سريعاً لتجنيد الجنود العاطلين عن العمل.

ورأى التقرير أن أي تدخل من شأنه أن يعرض فنزويلا لخطر تكرار خطأ العراق الفادح، والمتمثل بهدم دولة في بيئة مهيأة أصلاً لترسيخ التطرف والجريمة.

وختم التقرير بالقول إن الدروس التحذيرية التي كان ينبغي أن تكبح جماح القوة الأميركية، تعاد صياغتها لتصبح بمثابة دليل للحرب، موضحاً أن الإدارة الأميركية تروج لوهم القوة لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى، على حساب مصداقية الولايات المتحدة واستقرارها وأرواح سكانها، مضيفاً أنه كان ينبغي لتجربة حرب العراق أن توقف هذا النمط من التفكير، إلا أن فنزويلا تشير إلى أن ذلك لم يحدث.

اقرأ المزيد

اختيار تطبيق المراسلة على هواتف العراقيين تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من معادلة الأمان الشخصي، فكل رسالة أو صورة أو مقطع صوتي يمر عبر الشاشة يمكن في لحظة توقيف أمني أو مصادرة هاتف أن يتحوّل إلى ملف تحقيق أو وسيلة ضغط وابتزاز.

من قصص تسريب الدردشات الخاصة وتصوير المحادثات، إلى الحديث المتكرر في بغداد عن نسخ شرائح الاتصال أثناء الاعتقال أو الاستجواب، يجد كثير من المستخدمين أنفسهم أمام سؤال مباشر: أي تطبيق يوفّر حماية أكبر لحياتهم وسمعتهم وعائلاتهم، سيغنال أم واتساب؟

تحذير.. الرسالة لكل العراقيين
الصحفي الاستقصائي عثمان المختار حذّر من الاعتماد على واتساب بالنسبة للصحفيين والناشطين والمحامين، وداعيًا بقوة إلى استخدام تطبيق سيغنال. تحذيره يتجاوز مستوى التشفير، إذ يركّز على الطريقة التي يمكن فيها استعادة المحادثات أو سحب البيانات من الهاتف عند مصادرته، أو عبر نسخ شريحة الاتصال، إن صحّت هذه الممارسات.

ورغم أنّ كلام المختار موجّه أساسًا إلى الفئات الأكثر عرضة للملاحقة، إلا أنّ جوهر الرسالة لا يتوقف عند حدود المهنة أو الصفة؛ فالمعلومة الحساسة في العراق قد تكون صورة عائلية، أو دردشة شخصية، أو رأيًا سياسيًا عابرًا في مجموعة أصدقاء أو أقارب، وكلها قابلة للتحوّل في ظرف معيّن إلى أداة ضغط أو تهديد، سواء على الفرد نفسه أو على من يتواصل معهم.

ما الذي يفعله سيغنال.. وما الذي يعرفه عنك فعلًا؟
يُقدَّم سيغنال بوصفه تطبيقًا بُني من الأساس على فكرة حماية الخصوصية، لا على فكرة جمع البيانات. التشفير فيه افتراضي وقوي لمختلف أشكال التواصل تقريبًا، من الرسائل النصية إلى المكالمات الصوتية والمرئية والمجموعات. الأهم في السياق العراقي هو حجم المعلومات الجانبية التي يحتفظ بها التطبيق عن مستخدميه، وليس فقط قوة التشفير.

سيغنال لا يراكم سجلًا تفصيليًا عن طبيعة حركة المستخدم اليومية: من تتواصل معه، عدد الرسائل، توقيت الاتصال، والمسار الجغرافي المرتبط بكل ذلك. كما لا يبني أرشيفًا مركزيًا لعلاقات المستخدم يمكن الرجوع إليه بسهولة لاحقًا، ولا يحتفظ بنسخ خفية من المحادثات على خوادم الشركة. في الغالب يقتصر ما تعرفه الخدمة عن المشترك على رقم الهاتف، وتاريخ التسجيل، وبعض البيانات التقنية الضرورية لاستمرار العمل، مع خيار رسائل تختفي تلقائيًا وفق مؤقت يحدّده المستخدم.

في بيئة قد يتحوّل فيها تفتيش هاتف واحد إلى محاولة رسم خريطة كاملة لعلاقات صاحبه، يعني ذلك أنّ الجهة التي تصادر الجهاز ستواجه تطبيقًا يقلّل قدر الإمكان من المعلومات المتاحة للتجميع والتحليل، ويجعل أي اختراق أو مصادرة أقل قدرة على كشف شبكة المعارف أو إعادة بناء تاريخ المحادثات بشكل دقيق.

واتساب.. محتوى مشفّر وميتاداتا حسّاسة
في المقابل، يعتمد واتساب هو الآخر على تشفير كامل لمحتوى الرسائل بين طرفي المحادثة، وهذا عنصر قوة لا يمكن إنكاره. غير أنّ الخدمة تجمع في الوقت نفسه قدرًا واسعًا من البيانات الجانبية المتعلقة بحركة المستخدم: نوع الجهاز، أوقات الاستخدام، أطراف المراسلة، تكرار التواصل، إضافة إلى معلومات تقنية يمكن من خلالها استنتاج الموقع التقريبي أو ربط السلوك الرقمي بحسابات وخدمات أخرى.

من زاوية المستخدم العراقي، قد لا يظهر خطر هذه البيانات الجانبية في الأيام العادية، لكنها تكتسب وزنًا مختلفًا عند حصول أزمة أو استهداف أمني أو سياسي. إذ يمكن أن تتحوّل إلى خريطة لعلاقات الشخص واهتماماته واتصالاته داخل البلاد وخارجها، من دون الحاجة إلى الاطلاع على محتوى الرسائل نفسها. هكذا يصبح سجل الميتاداتا في حد ذاته أداة يمكن استغلالها في التحقيق أو الضغط أو الملاحقة.

ما الذي يعنيه هذا لعائلة عراقية.. لا لصحفي فقط؟
التحذيرات الموجّهة إلى الصحفيين والناشطين تنعكس مباشرة على العائلة العراقية العادية، لأنّ أي اختراق لهاتف فرد واحد يفتح المجال أمام الاطلاع على صور ورسائل ومجموعات تضم أقارب وأصدقاء وزملاء. وهذا يعني أن مسؤولية الأمان الرقمي لم تعد فردية بالكامل، بل مشتركة بين كل من يشارك في تلك الدوائر.

رب أسرة يتبادل صور أولاده، موظف يناقش سوء خدمة معيّنة في مجموعة عمل، طالب يعبّر عن رأيه السياسي مع أصدقائه، تاجر يتحدّث عن تفاصيل تجارته في محادثة خاصة؛ جميعهم يدخلون ضمن دائرة التأثر في حال تحوّل الهاتف إلى مصدر معلومات في يد جهة تحقيق أو طرف يمتلك قدرة على استرجاع البيانات أو الاطلاع على سجلات الاستخدام. ومن هنا تبرز أهمية اختيار أداة تقلّل ما يمكن تجميعه واستغلاله، لا على مستوى المحتوى فقط، بل على مستوى الخريطة الكاملة لحركة المستخدم وعلاقاته.

بين الأداة والسلوك.. كيف يحمي العراقي نفسه رقميًا؟
مع ذلك، لا يكفي تغيير التطبيق وحده. أي خدمة مراسلة، مهما بلغ مستوى الحماية فيها، يمكن أن تتحوّل إلى نقطة ضعف إذا ترافق استخدامها مع سلوك عفوي أو غير محسوب. لذلك تبدو الخطوات الآتية أكثر واقعية للعراقيين الراغبين في تعزيز أمانهم الرقمي:

استخدام سيغنال قدر الإمكان في المحادثات التي تحتوي على معلومات شخصية أو مهنية حساسة، أو تلك التي تشمل صورًا وملفات لا يُراد تداولها خارج دائرة ضيقة.

تقليل أرشفة الدردشات القديمة في أي تطبيق، وحذف ما لا ضرورة للاحتفاظ به، أو الاعتماد على الرسائل ذات الاختفاء التلقائي في الحوارات الحساسة.

تجنّب النسخ الاحتياطية غير المشفّرة للمحادثات، خصوصًا تلك التي تُرفع تلقائيًا إلى خدمات التخزين السحابي.

تأمين الهاتف نفسه عبر قفل قوي، وتجنّب تركه مفتوحًا في أماكن العمل أو أثناء التنقّل، والانتباه لأي مؤشرات تدل على احتمال نسخ شريحة الاتصال أو العبث بها.

في المحصّلة، يمنح سيغنال مستوى أعلى من الحماية على مستوى البيانات والعلاقات مقارنة بواتساب، لأنّ بنيته لا تقوم على جمع الميتاداتا وتوظيفها تجاريًا، ولأنّه يترك للمستخدم مساحة أوسع للتحكم في أثر أي حادثة مصادرة أو سرقة أو اختراق. وفي واقع مثل الواقع العراقي، حيث يمكن أن تتحوّل شاشة صغيرة في الجيب إلى ملف كامل عن صاحبها، يصبح هذا الفارق التقني جزءًا من حماية الحياة الخاصة لا مجرد خيار في إعدادات الهاتف.

اقرأ المزيد

رغم الحرب التي أخذت حتّى الآن مليون جندي ضحية، إلا أنّ الجنود من الجانبين تغلّبوا على أوامر قادتهم واحتفلوا معاً بعيد الميلاد


يلتزم الجنود في الحرب بالأوامر وفقط، هم مجرّد أدوات لتنفيذ وتحقيق خُطط القادة والزعماء، لكنّ هذه القاعدة قد تتغيّر وتتبدّل أحياناً تحت وطأة الحرب التي لا ترحم، والتي تنزع الإنسانية من الجنود رويداً رويداً. وهذا ما حدث في الحرب العالمية الأولى، فيما أصبح يعرف لاحقاً "هدنة عيد الميلاد".

بعدما بدأت الحرب العالمية الأولى بحوالي أربعة أشهر، كان الجميع قد وصل إلى مرحلةٍ يائسة ومُحبطة، فالحرب لم يكن مقرراً لها أن تستمرّ كلّ هذه الشهور، لقد ظنّ الجميع أنّها سرعان ما ستنتهي في أيام أو عدَّة أسابيع. 

ها هي الحرب العالمية الأولى تدخل شهرها الرابع، ووصل ضحاياها مليوناً من الجنود. والجنود المتبقّون منهكون وضجرون، فالحرب قد طال أمدها أكثر من اللازم، وهم في شوقٍ إلى أسرهم وعائلاتهم، وعلى الجانب الآخر لم يحقِّق أي من الأطراف انتصاراً كبيراً يُنذر بانتهاء الحرب التي تضجر منها الجميع، ولم يكن أحدٌ يعلم أنّ الحرب العالمية الأولى ستطول وتطول أكثر لثلاث سنوات ونصف السنة.


الحرب العالمية الأولى عالقة بعد 4 أشهر من المعارك
فقد علقت القوات الألمانية في مواجهة قوات الحلفاء في حرب خنادق على الجبهة الغربية في أوروبا، بعدما توقَّف الهجوم الألماني الكاسح على فرنسا وبلجيكا. شيَّدت القوات على كلا الجانبين المتحاربين خنادق متطورة للهروب من نيران المدفعية القاتلة والبنادق الآلية في الحرب العالمية الأولى. 

أنذرت حرب الخنادق تلك، أو ما تعرف أيضاً باسم حرب الاستنزاف، التي تطورت في الأشهر الأخيرة من عام 1914، بالسنوات الثلاث التالية من المحاولات المكلفة وغير المجدية من جانب الحلفاء وقوى المركز لكسر الجمود وتصفية قوات العدو.

استعدّ الجنود من كلا الجانبين لملاقاة العدو في يوم عيد الميلاد، لكن بدلاً من ملاقاة العدو بالحِراب والرصاص والمدافع أحضروا السجائر وكرات القدم.

في يوم 24 ديسمبر/كانون الأول عام 1914، نصب الجنود الألمان أشجاراً للاحتفال بعيد الميلاد فوق متاريس الخنادق، وفي عدّة أماكن على امتداد جبهتهم، وهكذا بدأ الأمر، رغم أنّ هناك روايات أخرى عن كيف بدأ الاحتفال بين الجنود.

فهناك رواية تقول إنّ أحد الجنود الألمان بدأ يغنِّي، وخرج بعض أفراد من زملائه من خنادقهم حاملين السجائر وبعض التذكارات والهدايا لأعدائهم الفرنسيين والبريطانيين.

وقد وصف أحد جنود قوات الحلفاء ما حدث قائلاً: "لقد كان عشية عيد الميلاد، كان هناك ضوء قمر أبيض جميل وصقيع على الأرض تقريباً في كل مكان، وفي حوالي الساعة السابعة أو الثامنة مساءً سمعنا أصوات غناء وكثيراً من الضجة، وظهرت أضواء مفاجئة على طول الخندق الألماني، ثم بدأ الجنود الألمان يغنون ترنيمة "Stille nacht، heilige nacht".

وهكذا استيقظ الجندي واستيقظ كل الجنود النائمين، يكمل الجندي قائلاً "أنهى الجنود الألمان ترنيمتهم وصفقنا لهم، ثم اعتقدنا أنَّه يجب علينا الرد عليهم بطريقةٍ ما، لذا بدأنا غناء ترنيمة "The First Noel"، سمعنا تصفيقهم لنا عندما انتهينا، ثم بدأوا غناء ترنيمة أخرى". 

وهكذا أكمل الجنود الاحتفال بغناء ترانيم عيد الميلاد، يغني الألمان أولاً إحدى ترانيمهم ثم يرد عليهم أعداؤهم بغناء واحدةٍ أخرى من ترانيمهم، ثم فجأةً تركوا الأحداث تتطوّر وحدها، فقد وجدوا أنفسهم فجأةً يتشاركون غناء نشيد عيد الميلاد الشهير "أديست فيديليس".


نشيد أديست فيديليس
تجرّأ البعض بعد فترة وجيزةٍ بالذهاب عبر "المنطقة المُحرمة" بتعبير الجنديّ، وهي المنطقة الواقعة بين خنادق الطرفين المتحاربين.

جندي آخر من قوات الحلفاء اسمه فريدريك جيمس ديفيز، كتب واصفاً لقاءه بجنود العدو عبر المنطقة المحرمة، في 25 ديسمبر/كانون الأول 1914: "كان الجنود الألمان على بعد 50 ياردة فقط من خنادقنا، لقد جاءوا إلينا وخرجنا لمقابلتهم، تصافحنا وقدّمنا إليهم السجائر والمربى واللحم المحفوظ المُعلّب، من جانبهم قدّموا إلينا السجائر أيضاً، لكن لم يكن لديهم الكثير من الطعام، لقد بدا واضحاً أنَّ الألمان قد سئموا هذه الحرب".

بينما رواية أخرى تقول إنّ الأمر بدأ أساساً من الجبهة البريطانية، حين بدأ أحد الجنود البريطانيين بالغناء، وعندما انتهى طلب الجنود الألمان على الجبهة الأخرى منه أن يعيد الغناء. وهنا بدا الجميع متحمساً للاحتفال بعيد الميلاد بعيداً عن الحرب، فخرج جندي ألماني دون سلاح، فقابله بريطاني آخر دون سلاح، وهكذا خرجت أفواج من الجنود للقاء أعدائهم للاحتفال معهم بعيد الميلاد، على امتداد الجبهة.

كانت أوامر القادة من كلا الجانبين هي تجنُّب الاقتراب من عساكر العدو في ليلة عيد الميلاد، لكنّ الضجر والحنين للاحتفال وتخطِّي البؤس هزم أوامر القادة. ويذكر المؤرخ "ستانلي واينتراوب" مؤلف كتاب "الليلة الصامتة"، أن بداية الهدنة عندما تجاهل الجنود أوامر قادتهم بعدم الاقتراب من عساكر العدو، وبعد أن تبادل الطرفان هتافات مثل "كفوا عنا نيرانكم، نكف عنكم نيراننا"، أنشدوا ترانيم عيد الميلاد مع بعضهم البعض، وخرجوا بعدها من الخنادق وتصافحوا بالأيدي.

هدنة عيد الميلاد.. هل لعب الجنود كرة القدم؟!
عُرفت هذه الهدنة غير الرسمية، والتي حدثت على عكس أوامر القادة باسم "هدنة عيد الميلاد". كما أصبحت لاحقاً ذكراها شيئاً أسطورياً، وباتت ذكراها مُخلّدة في الخيال الشعبي، باعتبارها رمزاً أيقونياً لانتصار المشاعر الإنسانية المشتركة على خطط سفك الدماء في خضم حرب شعواء لا معنى لها.

ومع ذلك، هناك العديد من الأساطير التي تكتنف القصص حول هذه الهدنة، أساطير يبدو أنّها تكوّنت من الشائعات وأنصاف الحقائق والتصورات الخاطئة.

في الحقيقة لا تشير هدنة عيد الميلاد إلى هدنةٍ واحدة بعينها، بل إلى سلسلة من الهدنات المستقلة غير الرسمية على الجبهة الغربية للحرب. فقد حدثت نفس الهدنة بشكلٍ مختلف عام 1915، وفي أوقات متفرقة من الحرب العالمية الأولى.

ورغم أنَّ الوضع في معظم الجبهة الغربية ظلّت تسوده المعارك العنيفة، فقد ورد بالفعل أنَّ 100 ألف جندي شاركوا في هدناتٍ غير رسمية، كان المبرر المنطقي المُعلن للعديد من هذه الهدنات هو إعطاء فرصة لدفن الموتى من كلا الجانبين. حدثت مثل هذه الهدنات طوال فترة الحرب العالمية الأولى، حيث ألقى المقاتلون أسلحتهم للتآخي وقضاء فترة ودية مع نظرائهم من الأعداء ودفن موتاهم.

لكن خلافاً للاعتقاد السائد، ورغم وجود صور للجنود وهم يلعبون كرة قدم، إلا أنّ البعض يعتقد أنّه لا توجد أي أدلة موثوقة تشير إلى حدوث أي مباراة لكرة القدم بين الجنود الألمان والبريطانيين في يوم عيد الميلاد عام 1914. وهي أبرز هذه الأساطير حول هدنة عيد الميلاد. لكنّ عدم وجود أدلة موثوقة عليها لا يعني نفي حدوثها، ولكن يعني أيضاً عدم إثبات صحة حدوثها بشكل تام.

كان الجنود البريطانيون يلعبون كرة القدم بالفعل خلف الخطوط الأمامية، إذ كانت رياضة شائعة يمارسها الجنود على كلا الجانبين، ومع ذلك لا يوجد الكثير من الأدلة الموثوقة تشير إلى عقد مباراة وجهاً لوجه بين الجنود الألمان والبريطانيين خلال هذه الهدنة غير الرسمية الأسطورية.

اقرأ المزيد

تضع تحذيرات وزارة الصحة بشأن داء الكلب، وتأكيدها أنّ اللقاح متوفر وأنّ الوقاية تكون ممكنة فقط خلال الساعات الأولى بعد التعرّض للعضّة، ملفّ الكلاب السائبة في واجهة الاهتمام من جديد. فالمشهد لم يعد مجرّد انزعاج من أصوات النباح ليلا أو قطعان تجوب الأزقّة، بل تحوّل إلى قضية صحية وأمنية مرتبطة بإصابات خطرة وحالات وفاة مسجّلة في أكثر من مدينة، في وقت تواصل فيه أمانة بغداد تنفيذ حملات واسعة للإبادة، فيما تختبر مدن أخرى مثل خانقين مقاربات مختلفة لإبعاد الكلاب عن الأحياء السكنية.

معطيات صحية: لقاح متوفر وساعات حاسمة بعد العضّة

تشير دوائر وزارة الصحة إلى أنّ داء الكلب ما يزال أحد أخطر الأمراض الفيروسية المرتبطة بعضّات الكلاب السائبة، مع التأكيد على أنّ اللقاح الوقائي متوفر في المؤسسات الصحية، وأنّ فاعليته ترتبط مباشرة بسرعة مراجعة المصاب للمراكز الصحية بعد التعرّض. ووفق الإرشادات الطبية، فإنّ الساعات الأولى بعد العضّة تُعدّ حاسمة في منع تطوّر المرض، ما يعني أنّ أي تلكّؤ في طلب العلاج أو التقليل من خطورة الحادثة، قد يتحوّل إلى تهديد حقيقي لحياة المصاب، خصوصا في المناطق التي تشهد كثافة في أعداد الكلاب السائبة، وعلى تماس يومي مع الأطفال وطلبة المدارس وسكّان الأحياء الطرفية.

أمانة بغداد: أكثر من 19 ألف كلب سائب أُبيدت خلال أحد عشر شهرا

على مستوى العاصمة، تعكس إحصائية أمانة بغداد حجم المشكلة وضغطها على الأحياء السكنية. فقد أعلنت الأمانة، أنّ دوائرها البلدية نفّذت منذ 1 كانون الثاني وحتى 30 تشرين الثاني 2025 ما مجموعه 1562 حملة لمكافحة الكلاب السائبة، أسفرت عن إبادة 19,386 كلبا في مختلف مناطق بغداد.

المتحدّث باسم الأمانة، عدي الجنديل، أوضح في تصريح صحفي، أنّ تنفيذ هذه الحملات يتمّ عبر جميع التشكيلات البلدية، وبالتنسيق مع وزارة الداخلية ودائرة البيطرة، مبينا أنّ الأمانة تكفّلت بتوفير وشراء الخراطيش اللازمة، فيما جرت مفاتحة وزارة الداخلية لتنسيب رماة مختصّين، إضافة إلى حضور ممثل عن دائرة البيطرة في أثناء التنفيذ. وبعد عمليات الإبادة، يتم رفع الكلاب النافقة ونقلها إلى مواقع الطمر الصحي المخصّصة في منطقتي النباعي والنهروان، في محاولة للحدّ من أي تبعات بيئية أو صحية إضافية.

هذه الأرقام تعني، عمليا، أنّ ظاهرة الكلاب السائبة ليست محدودة بحيّ أو اثنين، بل هي مشكلة موزّعة على خريطة العاصمة، وتتطلّب جهدا مستمرا يوميا تقريبا، بحسب ما تشير إليه الأمانة عبر استمرار عمل شعب البيئة والمخلّفات الصلبة في الدوائر البلدية لملاحقة الزيادات المتواصلة في أعداد الكلاب.

خانقين نموذجا: محمية خارج المدن وتعاون مجتمعي

في محافظة ديالى، سجّل قضاء خانقين تجربة مختلفة في التعامل مع المشكلة نفسها، لكن بأدوات أخرى. مدير بلدية خانقين، مجبل الكروي، أوضح في حديث لـ"بغداد اليوم"، في وقت سابق، أنّ البلدية أطلقت أول محمية للكلاب السائبة خارج المدينة، بجهود ذاتية ومن دون أعباء مالية كبيرة، عبر إنشاء موقع خاص تُنقل إليه الكلاب التي يتم جمعها من داخل الأزقّة والأحياء السكنية.

الكروي أشار إلى أنّ المرحلة الأولى من المشروع شملت توفير ثلاث مصائد خاصة، تُستخدم لجمع الكلاب تباعا ونقلها إلى موقع المحمية، مع تنسيق مع الأهالي والناشطين لتأمين الاحتياجات الأساسية من ماء وغذاء بجهود تطوعية. هذه الخطوة جاءت بعد تزايد شكاوى المواطنين في خانقين من انتشار الكلاب داخل الأحياء، والحاجة إلى حلّ يخفّف الضغط عن السكّان، ويُبعد الكلاب عن مراكز التجمع البشري.

الناشط المدني محمد القيسي من جانبه، أشار إلى أنّ ظاهرة الكلاب السائبة باتت من أبرز التحديات في مراكز المدن في ديالى، سواء في خانقين أو بعقوبة، لافتا إلى تسجيل مئات الهجمات سنويا طالت أطفالا ونساء وشبانا، وتسببت بإصابات بعضها خطير، فضلا عن تسجيل حالتي وفاة لطفلين خلال الأشهر الماضية نتيجة هجمات كلاب سائبة. هذه المعطيات الميدانية تعطي صورة واضحة عن حجم الخطر في المدن خارج بغداد أيضا، وتربط مباشرة بين الظاهرة وملف السلامة العامة وداء الكلب.

استنتاجات أولية: ملف واحد بأدوات مختلفة وحاجة إلى تنسيق أوسع

المعطيات المتوفّرة من بغداد وديالى، إلى جانب تحذيرات وزارة الصحة، تشير إلى أنّ ملف الكلاب السائبة لم يعد قضية خدمية محصورة بعمل الأمانات والبلديات، بل أصبح ملفا مركّبا يلامس الصحة العامة والأمن المجتمعي، ويتطلّب تنسيقا واضحا بين أمانة بغداد والبلديات في المحافظات ووزارة الصحة ودائرة البيطرة ووزارة الداخلية.

ففي العاصمة، تكشف أرقام حملات الإبادة عن ضغط كبير على أجهزة الأمانة، وحجم انتشار واسع للكلاب السائبة داخل الأحياء، بما يفرض استمرار العمل الميداني اليومي. وفي خانقين، تظهر تجربة المحمية كمحاولة مختلفة لتنظيم وجود الكلاب وإبعادها عن مراكز المدن. وبين هذين المسارين، يظلّ العامل الحاسم صحيا هو استجابة المواطنين السريعة بعد أي تعرّض للعضّ أو الخدش، عبر مراجعة المراكز الصحية للحصول على لقاح داء الكلب خلال الساعات الأولى.

بهذه الصورة، يتبلور أمام الجهات المعنية مسار مزدوج: استمرار المعالجات الميدانية على الأرض للحدّ من انتشار الكلاب السائبة في الأحياء، مع ربطها بخطط توعية صحية واضحة حول مخاطر داء الكلب وآليات الوقاية منه، وتوثيق دقيق لحالات الهجوم والإصابة، بما يسمح ببناء قاعدة بيانات تساعد لاحقا في توجيه الحملات والبرامج إلى المناطق الأكثر خطورة واحتياجا.

اقرأ المزيد

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الماضية، بتداول اسم العقيد الأمريكية ستيفاني باغلي بعد سلسلة لقاءات أجرتها في بغداد وكوردستان، وسط تساؤلات عن طبيعة مهمتها وتوقيتها.

وتشغل باغلي منصب الملحقة الدفاعية في السفارة الأمريكية ببغداد، وهي أرفع ممثل عسكري لوزارة الدفاع الأمريكية في العراق، وتُعدّ مسؤولة عن تنسيق العلاقات الأمنية بين الجانبين.

وتمتلك العقيد باغلي مسيرة عسكرية تمتد لأكثر من 20 عاما داخل المؤسسة الدفاعية الأمريكية، وشغلت خلالها مواقع قيادية في مجالات التعاون الأمني والملحقيات العسكرية. كما عملت سابقا ملحقة دفاعية في جورجيا ومناصب أخرى تتعلق بإدارة برامج الشراكة العسكرية والتنسيق بين البنتاغون وحلفائه، قبل تولّيها منصب الملحقة الدفاعية في السفارة الأمريكية ببغداد. ويُنظر إليها داخل الأوساط العسكرية الأمريكية كإحدى المختصات بملفات إعادة هيكلة القطاعات الأمنية وتعزيز قدرات الحلفاء على مواجهة التهديدات غير التقليدية.

وقالت تقارير صحفية إنّ العقيد ستيفاني باغلي عقدت خلال الأيام الماضية لقاءات مع مسؤولين في بغداد وأربيل، تركزت على ملفات حماية البنى التحتية ومواجهة التهديدات التي تستهدف الاستقرار، إلى جانب بحث التعاون الأمني والعسكري المشترك.

وبيّنت التقارير أنّ وجود باغلي في بغداد يرتبط كذلك بملف نزع سلاح الفصائل المسلحة، وبمتابعة التفاهمات الأمريكية-العراقية الخاصة بإطار تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، في ظل تحركات سياسية وأمنية لفتح هذا الملف على نطاق أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وأثار ظهور باغلي المتكرر موجة واسعة من النقاش عبر مواقع التواصل، خصوصا مع تداول معلومات عن وصولها إلى بغداد للإشراف على مراحل من خطة الدعم الأميركي المرتبطة بإعادة تنظيم الوضع الأمني".

وفي وقت سابق، كانت باغلي قد التقت قادة في قوات البيشمركة ومسؤولين أمنيين، لبحث تطوير قدرات الحماية ومنع تكرار الهجمات التي تستهدف البنى التحتية للطاقة.

اقرأ المزيد

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة العراقية وجهات سياسية فاعلة تلقت خلال الأسبوعين الماضيين رسالتي تحذير غير اعتياديتين من دولة عربية وجهاز استخبارات غربي تضمنتا معلومات «جدية» عن اقتراب تنفيذ ضربات عسكرية واسعة في العراق، وأكد مسؤول عراقي أن «دولة صديقة» أبلغت بغداد بمضمون «التهديد»، قبل أن تسارع فصائل شيعية إلى تقديم تنازلات.

كان من المحتمل أن تشمل الضربات مؤسسات حكومية على صلة بالفصائل الشيعية و«الحشد الشعبي»، وشخصيات ذات نفوذ مالي وعسكري، ومواقع ومخازن طائرات مسيّرة وصواريخ ومعسكرات تدريب، ويُعتقد على نطاق واسع أن «الرسالتين» سرعتا من إعلانات سياسية متواترة من فصائل دعت أخيراً إلى «حصر السلاح بيد الدولة»، إلا أنها طلبت «الوقت وحرية التصرف فيما سمته نطاقاً وطنياً» لإنجاز عمليات تفكيك مفترضة لقدراتها العسكرية، وهي «وجهة نظر» محل خلاف داخلي بين قادة «الإطار التنسيقي» حتى الآن.

رسالة «دولة صديقة»
قالت المصادر إن مستوى التهديد بدأ بالتصاعد أولاً مع رسالة وصلت من دولة عربية تحتفظ بعلاقات جيدة مع الأميركيين والإيرانيين «شدّدت على أن بغداد قريبة للغاية من التعرض لهجوم عسكري خاطف على غرار استهداف المكتب السياسي لحركة (حماس) في الدوحة في سبتمبر (أيلول) 2025».

وأبلغت الرسالة أطرافاً في الحكومة العراقية وسياسيين عراقيين أن «مستوى التهديد جدي للغاية، وأن إسرائيل باتوا يتحدثون عن حصولهم على ضوء أخضر من الأميركيين للتصرف منفردين في مسرح العمليات العراقي»، وفق المصادر.

وكان العراق أحد مسارح أهداف تخطط إسرائيل لضربها منذ عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن سياسيين عراقيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» خلال الأشهر الماضية أن الأميركيين كانوا يمنعون تل أبيب من شن عمليات في العراق، لكنهم في المقابل كانوا يضغطون لإزالة مخاطر السلاح خارج الدولة.

وقال دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، إن الانطباع الذي كان الأميركيون يحصلون عليه من المسؤولين العراقيين أنهم لا يدركون تماماً حقيقة الأمر، وأن عليهم اتخاذ قرارات حاسمة تجنبهم المخاطر». وأضاف أنهم «في مرحلة ما بدأوا يشعرون بالحنق من ضعف الاستجابة العراقية».

وأكد مسؤول في الحكومة العراقية وصول «رسائل» بشأن الجماعات المسلحة. وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» رافضاً الكشف عن اسمه لأنه غير مخوَّل بالتصريح علناً، إن «التحذيرات وصلت من دول صديقة وسفارات دول غربية عاملة في بغداد».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبوفدك (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبوفدك (أرشيفية - إعلام حكومي)
«ملف ضخم ومعلومات غزيرة»

وقالت المصادر إن مسؤولين في الحكومة تلقوا بعد أيام من وصول الرسالة العربية «ملفاً ضخماً» من جهاز استخبارات غربي تضمن قوائم أعدها جهاز أمني إسرائيلي تتضمن معلومات غزيرة ومفصلة عن الفصائل العراقية المسلحة».

وفق المصادر، فإن «حجم المعلومات ودقتها وشموليتها أذهل المسؤولين العراقيين». وقال أحدهم لـ«الشرق الأوسط»، إن «تبليغ العراقيين بطبيعة المعلومات التي بحوزة إسرائيل جاء في توقيت حاسم».

وقالت المصادر إن القوائم التي نقلها الجهاز الاستخباري الغربي تضمنت معلومات مفصلة عن مسؤولي فصائل وأشخاص سريين ينشطون في دوائرهم المقرّبة، فضلاً عن أشخاص يديرون مصالح مالية وتجارية على صلة بالفصائل، كما تضمنت مؤسسات حكومية تمثل واجهات لنفوذ الفصائل المسلحة».

وأوضحت المصادر أن الجهاز الغربي أبلغ العراقيين بأن إسرائيل على وشك تنفيذ عملية واسعة بعد انكشاف القدرات العملياتية والمالية للفصائل بما في ذلك الشبكة العميقة التي تشكل بنيتها العسكرية، مشيرة إلى أن «سياسيين شيعية استحضروا مشهد تفجيرات اجهزة البيجر في لبنان بعد إطْلاعهم على جانب من ملف الجهاز الاستخباري».


«ما العمل الآن؟»
قال قيادي شيعي في تحالف «الإطار التنسيقي» إن الرسالتين «قلبتا الموازين، ودفعتا قادة أحزاب شيعية إلى الإسراع بخطوات تتعلق بسلاح الفصائل، ويحاول كثيرون منهم الإجابة عن سؤال: ما العمل الآن»، لكن «ثمة خلافات حول الطريقة والجهة الموثوق بها التي تنفذ المرحلة الانتقالية من حصر السلاح».

وأكد القيادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المرحلة الأولى من عمليات حصر السلاح تقضي بتسليم الفصائل صواريخ باليستية ومسيّرات إلى جانب تفكيك وتسليم معسكرات استراتيجية شمال وجنوب العاصمة بغداد»، في حين يزعم أن تبدأ المرحلة الثانية بـ«إقالة مسؤولين فصائليين من هية الحشد الشعبي بانتظار تعامل الأميركيين مع هذه الخطوات».

وقال مسؤول في تحالف «دولة القانون»، لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاقاً على نزع السلاح الثقيل كان مبرماً أساساً بين قادة الإطار التنسيقي حتى قبل تصاعد الضغوط الأميركية.

وتتركز الخلافات الآن، بحسب المصادر المطلعة، حول الجهة الحكومية التي تتولى نزع القدرات العملياتية للفصائل وتسلُّم سلاحها وتقييده، بسبب انعدام الثقة الأميركي بمؤسسات أمنية حكومية تخضع لنفوذ الفصائل».

إلا أن مشكلة أخرى تعترض طريق الجماعات الشيعية؛ إذ «تتخوف من تنفيذ عمليات حصر السلاح خلال مداولات سياسية شاقة لاختيار رئيس الحكومة، إذ يتجنب كثيرون ربط الأمرين ببعضهما».

ويحاول رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني الحصول على ولاية ثانية في المنصب بعد فوزه بأعلى المقاعد داخل «الإطار التنسيقي»، إلا أن خصمه اللدود نوري المالكي يعارض هذه المساعي، ويدفع مع حلفاء شيعة لاختيار مرشح تسوية.

«حرية التصرف»
في الوقت نفسه، ترفض الفصائل التحرك وكأنها ترضخ لضغوط وتهديدات أجنبية». وقال القيادي الشيعي إن جماعات شيعية مسلحة طلبت «حرية التصرف في نطاق وطني دون ضغط ومزيد من الوقت» حتى تنسجم مع التغيرات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تفكيك قدراتها العسكرية.

وفازت هذه الجماعات بمقاعد في البرلمان العراقي الجديد، الذي انتُخب في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وأرسلت مفاوضيها إلى تحالف «الإطار التنسيقي» من أجل الحصول على مواقع في الحكومة الجديدة، كما تحاول إقناع فصائل لم تشترك في الانتخابات بالانخراط في خطة حصر السلاح، لكن ثمة شعوراً لدى كثيرين بأنهم يبحثون عن كبش فداء.

ورفضت 4 فصائل شيعية طلبات متكررة للتعليق على خطط معلنة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن قائداً بارزاً في فصيل شيعي أبلغ «الشرق الأوسط»، أن «هذه الخطة لا تحظى بقبول جماعات لم تشترك في الانتخابات الأخيرة».


ضغوط أميركية
تزامنت رسالة الجهاز الاستخباري الغربي مع وصول الكولونيل ستيفانا باغلي إلى العراق، وهي المديرة الجديدة لمكتب التعاون الأمني الأميركي، الذي سيتوقف تمويله على تنفيذ 3 شروط وردت في قانون موازنة الدفاع الأميركي.

وأقر الكونغرس الأميركي الموازنة في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بقيود جديدة على تمويل التعاون الأمني مع السلطات العراقية، إلا إذا تمكنت بغداد من «تقليص القدرة العملياتية للجماعات المسلحة الموالية لإيران وغير المدمجة في قوات الأمن العراقية من خلال عملية نزع سلاح وتسريح، وإعادة دمج قابلة للتحقق علناً».

واشترط القانون الأميركي أيضاً «تعزيز سلطة رئيس وزراء العراق وسيطرته العملياتية كقائد أعلى للقوات المسلحة العراقية»، كما يُنتظر أن يجري «التحقيق مع أفراد الميليشيات أو أفراد قوات الأمن العاملين خارج التسلسل القيادي الرسمي لقوات الأمن العراقية، ومحاسبتهم، في حال تورطهم في هجمات على أفراد أميركيين أو عراقيين، أو قيامهم بأي أعمال غير قانونية أو مزعزعة للاستقرار».

وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، إن باغلي يفترض أن تطلب من المسؤولين العراقيين جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذ هذه الخطوات بشكل حاسم، وبطريقة قابلة للتحقق والاستمرارية.

وكانت باغلي قد التقت رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الأول الركن عبد الأمير يار الله مرتين خلال أسبوع واحد، يومي 13 و20 أكتوبر 2025. وقال بيان عسكري عراقي حينها إن الجانبين بحثا «رفع القدرات القتالية للجيش العراقي على جميع المستويات».

ونفت المصادر المطلعة علمها ما إذا كانت الكولونيل باغلي قد نقلت تحذيرات إلى المسؤولين العراقيين بشأن مصير الفصائل المسلحة.

ومن المفارقات أن تعود باغلي إلى العراق بعد 20 عاماً، إذ كانت برتبة نقيب عندما خدمت في البلاد بين عامي 2005 و2006 ضمن الجيش الأميركي، وأسهمت في تنفيذ برامج لتطوير قدرات الشرطة. وغادرت لاحقاً في ظل تصاعد أعمال العنف، وما وصفته حينها بضعف «ولاء والتزام» عناصر الأمن داخل المؤسسات الرسمية.

وقال مسؤول حكومي عراقي سابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأميركيين كانوا قد أبلغوا الحكومة العراقية مرات عديدة أنهم بانتظار جدول زمني لتصفية نفوذ الميليشيات، لا سيما في عام 2026 الذي من المقرر أن يشهد استكمال اتفاق إنهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وأكد متحدث «الخارجية الأميركية» أن الولايات المتحدة ستواصل التأكيد على ضرورة نزع سلاح وتفكيك الميليشيات المدعومة من إيران التي تقوّض سيادة العراق، وتهدد الأميركيين والعراقيين، وتنهب موارد العراق لصالح إيران. يدرك القادة العراقيون جيداً ما يتوافق وما لا يتوافق مع شراكة أميركية عراقية قوية.

اقرأ المزيد

في مشهد دبلوماسي تاريخي أمام مجلس الأمن الدولي، قدم المبعوث الأممي إلى العراق، محمد الحسان، إحاطته الأخيرة في 2 ديسمبر/ كانون 2025، معلناً بذلك العد التنازلي للإنهاء الرسمي لعمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في 31 ديسمبر 2025. ويأتي هذا القرار، الذي استند إلى طلب رسمي من الحكومة العراقية، ليؤكد الانتقال الحاسم للعراق من مرحلة الرعاية والإشراف الأممي إلى مرحلة السيادة الوطنية الكاملة وإدارة الشأن الداخلي ذاتياً.

ما ورد في إحاطة الحسان يؤسس لمفهوم "الشراكة القوية" القائمة على القيادة العراقية لمستقبلها، بعد أن وصف الطريق إلى السلام بأنه "طويل وصعب"، مؤكداً أن العراق قد خرج منتصراً. ويشير انتهاء مهمة يونامي إلى اعتراف دولي صريح بنضج المؤسسات العراقية واستقرارها، مغلقاً بذلك ملف الوصاية الذي فُرض بحكم ظروف ما بعد عام 2003.


ويتناول هذا التقرير تفصيلاً محتوى الإحاطة النهائية، ويكشف عن الأبعاد الجوهرية لقرار الإنهاء، والتي تتمثل في تعزيز مفهوم السيادة العملية، ونقل العلاقة مع الأمم المتحدة إلى إطار التعاون الفني والتنموي فقط. كما يتتبع التقرير المسار الزمني لإنهاء البعثة والمكتسبات الإستراتيجية التي يحققها العراق، من تحسين البيئة الاستثمارية إلى ترسيخ ثقة الرأي العام في قدرة الدولة على إدارة مصالحها الوطنية دون ضغط دولي.

الإحاطة الأخيرة
وقدّم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى العراق، محمد الحسان، في 2 كانون الأول 2025، آخر إحاطة رسمية له أمام مجلس الأمن الدولي، مع اقتراب نهاية ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). وأكد المبعوث الأممي في إحاطته أن مغادرة البعثة لا تعني انتهاء الشراكة بين العراق والأمم المتحدة، بل تمثل بداية فصل جديد يقوم على قيادة العراق لمستقبله السياسي والتنفيذي.

وأشار المبعوث الأممي إلى أن الطريق نحو السلام والأمن والاستقرار كان طويلاً وصعبًا، لكن بدعم المجتمع الدولي، خرج العراق منتصرًا على التحديات الداخلية والإقليمية. كما نوّه إلى أن الإحاطة تمثل آخر تقرير رسمي قبل انتهاء عمل البعثة، بعد أكثر من 22 عامًا من الدعم المستمر لاستقرار العراق والتحول السياسي فيه.

وذكّر الحسان بالدور المحوري الذي لعبته الحكومة العراقية في استضافة بعثة اليونامي طوال هذه الفترة، مؤكدًا امتنان الأمم المتحدة للتعاون والشراكة الوثيقة. وأضاف أن العراق سيواصل البناء على قاعدة انتخابية متينة، فيما تشكل العلاقة بين بغداد وأربيل شراكة بالغة الأهمية تتطلب تعاونًا وحوارًا مفتوحًا على أساس الدستور العراقي.

وفيما يخص الدعم المستقبلي، شدد المبعوث الأممي على أن الأمم المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب العراق، مقدمًا الخبرة الفنية والمشورة والدعم البرامجي في مجالات النمو الاقتصادي الشامل، التكيف مع تغير المناخ، وحقوق الإنسان، بما يعزز المكتسبات التي تحققت على مدار العقدين الماضيين، دون تدخل مباشر في السياسة الداخلية للعراق.


وأبرزت الإحاطة أن انتهاء مهمة بعثة يونامي يمثل تحولًا تاريخيًا، إذ يعكس قدرة العراق على إدارة شؤونه الداخلية والانتخابية بشكل مستقل، ويعزز السيادة الوطنية، مع إبقاء التعاون الدولي في إطار الدعم الفني والتنمية المستدامة.

ماذا يعني انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة في العراق؟
يشكل إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) علامة فارقة في مسار الدولة العراقية، ويعكس تحوّلًا جوهريًا في طبيعة العلاقة بين العراق والمجتمع الدولي. ويمكن تلخيص أهم دلالات هذا القرار على النحو التالي:
استقلالية القرار السياسي: يعني القرار أن العراق لم يعد يُصنّف كدولة تحتاج إلى إشراف سياسي دولي على مسارها الداخلي، ويؤكد قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الشأن السياسي والانتخابي بشكل مستقل.

إنهاء الوصاية الأممية: يُغلق هذا القرار ملف الوصاية الأممية التي فرضت على العراق بعد 2003، ويعزز مفهوم السيادة الوطنية بصيغتها العملية، وليس مجرد شعار خطابي.

تحويل العلاقة مع الأمم المتحدة: تنتقل العلاقة بين العراق والأمم المتحدة من الإشراف السياسي المباشر إلى التعاون الفني والتنمية المستدامة فقط، ما يمنح الحكومة مساحة أوسع لاتخاذ القرار دون الخضوع لضغوط تقارير دولية دورية.

مسؤولية وطنية كاملة: يحمل هذا التحوّل الطبقة السياسية العراقية المسؤولية الكاملة عن إدارة الأزمات والخلافات الداخلية، ويقلص فرص تدويل الملفات السياسية والحقوقية للبلاد.

تعزيز الثقة الدولية والاستقرار المؤسسي: يمثل القرار رسالة طمأنة للمستثمرين بأن العراق دخل مرحلة من الاستقرار المؤسسي، ويعكس التزام الحكومة بتنفيذ برنامجها الحكومي ضمن جدول زمني واضح. كما يعكس نجاح الدبلوماسية العراقية في إنهاء مهمة البعثة بطريقة توافقية بعيدًا عن الصدام أو الاحتكاك الدولي.

إعادة تعريف صورة العراق دوليًا: يعيد هذا القرار رسم صورة العراق في المحافل الدولية كدولة شريكة مستقلة القرار، لا حالة استثنائية، وينسجم مع الانتقال التدريجي للعلاقات مع التحالف الدولي من الإطار العسكري إلى شراكات متعددة المجالات.

مرحلة جديدة من إدارة المصالح الوطنية: يغلق القرار مرحلة إدارة الأزمات الدولية، ويفتح مرحلة إدارة المصالح الوطنية، مؤسسًا لسابقة سياسية يمكن البناء عليها مستقبلاً لإنهاء أي وجود دولي غير مبرر بطريقة توافقية ومدروسة.


التتبع التاريخي لإنهاء مهام بعثة الأمم المتحدة في العراق
تمتد الخطوات العملية لإنهاء مهمة يونامي على عدة سنوات، حيث بدأ التوجه منذ اعتماد المنهاج الوزاري لحكومة محمد شياع السوداني في أكتوبر 2022، الذي نص على تعزيز السيادة الوطنية وإنهاء أي وجود دولي لا يتناسب مع مرحلة الاستقرار المؤسسي التي بلغها العراق.

في 2023، أجرت الحكومة مراجعة شاملة لأدوار بعثة يونامي، وخلصت إلى أن معظم مهامها السياسية والانتخابية لم تعد ضرورية في ظل تطور المؤسسات الوطنية، تلا ذلك تراجع فعلي في تدخل البعثة بالملفات السياسية خلال الفترة بين يوليو وسبتمبر 2023، مع حصر دورها بالجوانب الاستشارية والفنية فقط.

وفي أبريل 2024، قدم رئيس مجلس الوزراء طلبًا رسميًا للأمين العام للأمم المتحدة لإنهاء مهمة يونامي بحلول 31 ديسمبر 2025، واستجاب مجلس الأمن الدولي لهذا الطلب في مايو من نفس العام، ليكون آخر إحاطة للمبعوث الأممي أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025 بمثابة الإعلان الرسمي عن إنهاء مهام البعثة.


دور بعثة الأمم المتحدة (يونامي) في العراق
أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في عام 2003 بموجب القرار 1500، بهدف دعم العملية السياسية بعد تغيير النظام وبناء المسار الانتقالي في البلاد. ومنذ ذلك الحين، لعبت البعثة دورًا محوريًا في مختلف جوانب الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية في العراق، كما يلي:
 
2004 – 2005: دعمت يونامي الحكومة المؤقتة، وقدمت المشورة الدستورية، وساهمت في تنظيم أول انتخابات عامة، وتثبيت الإطار القانوني

2005: قدمت البعثة دعمًا فنيًا لصياغة الدستور العراقي، خصوصًا فيما يتعلق بالاستفتاء الدستوري وبناء التوافقات الوطنية.
 
2006 – 2007: انخرطت يونامي في جهود الوساطة السياسية خلال ذروة العنف الطائفي، بهدف تقليل الاستقطاب والحفاظ على وحدة الدولة.
 
2006 – 2014: اضطلعت البعثة بدور مركزي في ملف كركوك والمناطق المتنازع عليها، عبر إعداد دراسات قانونية وفنية لتطبيق المادة 140، وتقديم مقترحات إدارية لتقاسم السلطة ومنع الانفجار القومي، دون الوصول إلى حل نهائي.
 
2008 – 2009: دعمت الأمم المتحدة إعادة تنظيم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقدمت استشارات فنية لتعزيز نزاهة الاستحقاقات الانتخابية.
 
2010: ساهمت يونامي في إدارة الأزمة السياسية بعد الانتخابات، عبر تسهيل الحوار بين الكتل السياسية لتشكيل الحكومة.
 
2011 – 2012: تحول دور البعثة تدريجيًا نحو حقوق الإنسان، ومساعدة العراق في بناء المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون بعد انسحاب القوات الأميركية.
 
2013: وثقت البعثة تصاعد التوترات السياسية والأمنية، وقدمت تقارير دورية عن الاحتياجات والملفات الحقوقية.
 
2014 – 2015: بعد اجتياح تنظيم "داعش"، ركزت يونامي على تنسيق الاستجابة الإنسانية، ودعم النازحين، وإدارة المساعدات الدولية.
 
2016 – 2017: ساهمت في برامج الاستقرار وإعادة الإعمار المبكر في المناطق المحررة، خصوصًا نينوى والأنبار وصلاح الدين.
 
2018: دعمت الانتخابات البرلمانية عبر المراقبة الفنية، وتعزيز الثقة الدولية بالنتائج.
 
2019: وثقت البعثة الاحتياجات الناتجة عن احتجاجات تشرين، وقدمت تقارير حقوقية أثارت نقاشًا سياسيًا واسعًا داخل العراق وخارجه.
 
2020: قدمت المشورة خلال مرحلة الانتقال الحكومي بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي.
 
2021: أسهمت في مراقبة الانتخابات المبكرة بطلب رسمي من الحكومة، وقدمت تقييمًا فنيًا للعملية الانتخابية.
 
2022 – 2024: تراجع الدور السياسي تدريجيًا، مع تحضير العراق لإنهاء مهمة يونامي بعد اكتمال الجاهزية المؤسسية والسيادية.


مكتسبات العراق من انتهاء بعثة الأمم المتحدة
يمثل قرار إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) نقطة تحول حاسمة، حيث أسفر عن مجموعة شاملة من المكتسبات التي ترسخ السيادة وتعزز الاستقرار المؤسسي. في جوهره، يعني هذا القرار ترسيخ مبدأ السيادة الوطنية الكاملة عبر إنهاء أي وجود أممي ذي طابع إشرافي على القرار السياسي، مما يحقق انتقالاً نوعياً من نموذج "الدولة الخاضعة للمراقبة" إلى نموذج "الدولة الشريكة" داخل المنظومة الدولية. ويغلق هذا الإنجاز ملف الوصاية الدولية، منهياً أي توصيف للعراق كـ"حالة استثنائية" تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد، وإنهاء واحدة من أطول المهمات الأممية في المنطقة بطريقة توافقية لا تصادمية.

على الصعيد الدبلوماسي، يعزز القرار موقع العراق التفاوضي في الملفات الإقليمية كدولة مستقلة القرار، ويؤدي إلى رفع مستوى الندّية السياسية في الحوار مع الأمم المتحدة والدول الكبرى دون وساطة. كما يتم تقليص المساحات الرمادية في العلاقة مع المجتمع الدولي، واستبدالها بعلاقات ثنائية مباشرة وواضحة، مع إعادة تعريف العلاقة مع المنظمات الدولية على أساس الدعم الفني لا الرقابة السياسية.

أما داخلياً، فإن إنهاء البعثة يمثل اعترافاً دولياً بقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الاستحقاقات السياسية والانتخابية ذاتياً، مما يساهم في دعم هوية الدولة وتحسين تصنيفها السياسي. وقد ساعد هذا في تعزيز الاستقرار السياسي الداخلي عبر إغلاق نافذة التدخل أو التأثير الخارجي غير المباشر، وتقليص الذرائع التي كانت تستخدم لتدويل بعض الملفات الداخلية. كما يترتب على القرار تقوية صورة الحكومة كسلطة تنفيذية تثق بتعهداتها، وتعزيز ثقة الرأي العام المحلي بمؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها السيادية.

اقتصادياً، أدى هذا التحول إلى تحسين البيئة الاستثمارية عبر إرسال رسالة طمأنة بأن العراق تجاوز مرحلة الوصاية، وفتح المجال لإعادة توجيه الدعم الدولي نحو الشراكات التنموية بدلاً من الإشراف السياسي. ويؤكد القرار نهاية مرحلة "إدارة الأزمات" والانتقال إلى مرحلة "إدارة المصالح"، مثبتاً سابقة سياسية هامة يمكن البناء عليها لإنهاء أي وجود دولي غير مبرر مستقبلاً، ومؤكداً أن السيادة لم تعد شعاراً خطابياً، بل مساراً سياسياً تُقاس نتائجه بالقرارات المتخذة.

وفي النهاية يمكن القول ان الإحاطة الأخيرة للمبعوث الأممي محمد الحسان وإنهاء مهمة بعثة يونامي تمثل علامة فارقة في تاريخ العراق السياسي. فهي تغلق صفحة الوصاية الدولية الطويلة التي بدأت بعد 2003، وتفتح صفحة جديدة تركز على السيادة الوطنية الكاملة، مع استمرار التعاون الأممي في مجالات التنمية والخبرة الفنية.

يشير هذا التحول إلى نجاح السياسة العراقية والدبلوماسية في إدارة ملف حساس ومعقد بطريقة توافقية، ويؤكد قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة مصالحها الوطنية، بما يعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي. كما يعكس انتهاء المهمة قدرة العراق على إعادة تعريف علاقاته مع المجتمع الدولي على أساس الشراكات الفنية والتنموية، وتحسين صورته أمام المستثمرين والشركاء الدوليين، مع ترسيخ الثقة المحلية بمؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها السيادية.

في المحصلة، يمثل هذا الحدث خطوة استراتيجية نحو عراق مستقل القرار، ومستقر سياسيًا، قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ويضع سابقة للسياسة الوطنية يمكن البناء عليها لإنهاء أي وجود دولي غير مبرر مستقبلاً بطريقة توافقية ومدروسة.

اقرأ المزيد
123...18