ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الماضية، بتداول اسم العقيد الأمريكية ستيفاني باغلي بعد سلسلة لقاءات أجرتها في بغداد وكوردستان، وسط تساؤلات عن طبيعة مهمتها وتوقيتها.
وتشغل باغلي منصب الملحقة الدفاعية في السفارة الأمريكية ببغداد، وهي أرفع ممثل عسكري لوزارة الدفاع الأمريكية في العراق، وتُعدّ مسؤولة عن تنسيق العلاقات الأمنية بين الجانبين.
وتمتلك العقيد باغلي مسيرة عسكرية تمتد لأكثر من 20 عاما داخل المؤسسة الدفاعية الأمريكية، وشغلت خلالها مواقع قيادية في مجالات التعاون الأمني والملحقيات العسكرية. كما عملت سابقا ملحقة دفاعية في جورجيا ومناصب أخرى تتعلق بإدارة برامج الشراكة العسكرية والتنسيق بين البنتاغون وحلفائه، قبل تولّيها منصب الملحقة الدفاعية في السفارة الأمريكية ببغداد. ويُنظر إليها داخل الأوساط العسكرية الأمريكية كإحدى المختصات بملفات إعادة هيكلة القطاعات الأمنية وتعزيز قدرات الحلفاء على مواجهة التهديدات غير التقليدية.
وقالت تقارير صحفية إنّ العقيد ستيفاني باغلي عقدت خلال الأيام الماضية لقاءات مع مسؤولين في بغداد وأربيل، تركزت على ملفات حماية البنى التحتية ومواجهة التهديدات التي تستهدف الاستقرار، إلى جانب بحث التعاون الأمني والعسكري المشترك.
وبيّنت التقارير أنّ وجود باغلي في بغداد يرتبط كذلك بملف نزع سلاح الفصائل المسلحة، وبمتابعة التفاهمات الأمريكية-العراقية الخاصة بإطار تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، في ظل تحركات سياسية وأمنية لفتح هذا الملف على نطاق أوسع خلال المرحلة المقبلة.
وأثار ظهور باغلي المتكرر موجة واسعة من النقاش عبر مواقع التواصل، خصوصا مع تداول معلومات عن وصولها إلى بغداد للإشراف على مراحل من خطة الدعم الأميركي المرتبطة بإعادة تنظيم الوضع الأمني".
وفي وقت سابق، كانت باغلي قد التقت قادة في قوات البيشمركة ومسؤولين أمنيين، لبحث تطوير قدرات الحماية ومنع تكرار الهجمات التي تستهدف البنى التحتية للطاقة.
كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة العراقية وجهات سياسية فاعلة تلقت خلال الأسبوعين الماضيين رسالتي تحذير غير اعتياديتين من دولة عربية وجهاز استخبارات غربي تضمنتا معلومات «جدية» عن اقتراب تنفيذ ضربات عسكرية واسعة في العراق، وأكد مسؤول عراقي أن «دولة صديقة» أبلغت بغداد بمضمون «التهديد»، قبل أن تسارع فصائل شيعية إلى تقديم تنازلات.
كان من المحتمل أن تشمل الضربات مؤسسات حكومية على صلة بالفصائل الشيعية و«الحشد الشعبي»، وشخصيات ذات نفوذ مالي وعسكري، ومواقع ومخازن طائرات مسيّرة وصواريخ ومعسكرات تدريب، ويُعتقد على نطاق واسع أن «الرسالتين» سرعتا من إعلانات سياسية متواترة من فصائل دعت أخيراً إلى «حصر السلاح بيد الدولة»، إلا أنها طلبت «الوقت وحرية التصرف فيما سمته نطاقاً وطنياً» لإنجاز عمليات تفكيك مفترضة لقدراتها العسكرية، وهي «وجهة نظر» محل خلاف داخلي بين قادة «الإطار التنسيقي» حتى الآن.
رسالة «دولة صديقة»
قالت المصادر إن مستوى التهديد بدأ بالتصاعد أولاً مع رسالة وصلت من دولة عربية تحتفظ بعلاقات جيدة مع الأميركيين والإيرانيين «شدّدت على أن بغداد قريبة للغاية من التعرض لهجوم عسكري خاطف على غرار استهداف المكتب السياسي لحركة (حماس) في الدوحة في سبتمبر (أيلول) 2025».
وأبلغت الرسالة أطرافاً في الحكومة العراقية وسياسيين عراقيين أن «مستوى التهديد جدي للغاية، وأن إسرائيل باتوا يتحدثون عن حصولهم على ضوء أخضر من الأميركيين للتصرف منفردين في مسرح العمليات العراقي»، وفق المصادر.
وكان العراق أحد مسارح أهداف تخطط إسرائيل لضربها منذ عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن سياسيين عراقيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» خلال الأشهر الماضية أن الأميركيين كانوا يمنعون تل أبيب من شن عمليات في العراق، لكنهم في المقابل كانوا يضغطون لإزالة مخاطر السلاح خارج الدولة.
وقال دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، إن الانطباع الذي كان الأميركيون يحصلون عليه من المسؤولين العراقيين أنهم لا يدركون تماماً حقيقة الأمر، وأن عليهم اتخاذ قرارات حاسمة تجنبهم المخاطر». وأضاف أنهم «في مرحلة ما بدأوا يشعرون بالحنق من ضعف الاستجابة العراقية».
وأكد مسؤول في الحكومة العراقية وصول «رسائل» بشأن الجماعات المسلحة. وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» رافضاً الكشف عن اسمه لأنه غير مخوَّل بالتصريح علناً، إن «التحذيرات وصلت من دول صديقة وسفارات دول غربية عاملة في بغداد».
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبوفدك (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبوفدك (أرشيفية - إعلام حكومي)
«ملف ضخم ومعلومات غزيرة»
وقالت المصادر إن مسؤولين في الحكومة تلقوا بعد أيام من وصول الرسالة العربية «ملفاً ضخماً» من جهاز استخبارات غربي تضمن قوائم أعدها جهاز أمني إسرائيلي تتضمن معلومات غزيرة ومفصلة عن الفصائل العراقية المسلحة».
وفق المصادر، فإن «حجم المعلومات ودقتها وشموليتها أذهل المسؤولين العراقيين». وقال أحدهم لـ«الشرق الأوسط»، إن «تبليغ العراقيين بطبيعة المعلومات التي بحوزة إسرائيل جاء في توقيت حاسم».
وقالت المصادر إن القوائم التي نقلها الجهاز الاستخباري الغربي تضمنت معلومات مفصلة عن مسؤولي فصائل وأشخاص سريين ينشطون في دوائرهم المقرّبة، فضلاً عن أشخاص يديرون مصالح مالية وتجارية على صلة بالفصائل، كما تضمنت مؤسسات حكومية تمثل واجهات لنفوذ الفصائل المسلحة».
وأوضحت المصادر أن الجهاز الغربي أبلغ العراقيين بأن إسرائيل على وشك تنفيذ عملية واسعة بعد انكشاف القدرات العملياتية والمالية للفصائل بما في ذلك الشبكة العميقة التي تشكل بنيتها العسكرية، مشيرة إلى أن «سياسيين شيعية استحضروا مشهد تفجيرات اجهزة البيجر في لبنان بعد إطْلاعهم على جانب من ملف الجهاز الاستخباري».
«ما العمل الآن؟»
قال قيادي شيعي في تحالف «الإطار التنسيقي» إن الرسالتين «قلبتا الموازين، ودفعتا قادة أحزاب شيعية إلى الإسراع بخطوات تتعلق بسلاح الفصائل، ويحاول كثيرون منهم الإجابة عن سؤال: ما العمل الآن»، لكن «ثمة خلافات حول الطريقة والجهة الموثوق بها التي تنفذ المرحلة الانتقالية من حصر السلاح».
وأكد القيادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المرحلة الأولى من عمليات حصر السلاح تقضي بتسليم الفصائل صواريخ باليستية ومسيّرات إلى جانب تفكيك وتسليم معسكرات استراتيجية شمال وجنوب العاصمة بغداد»، في حين يزعم أن تبدأ المرحلة الثانية بـ«إقالة مسؤولين فصائليين من هية الحشد الشعبي بانتظار تعامل الأميركيين مع هذه الخطوات».
وقال مسؤول في تحالف «دولة القانون»، لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاقاً على نزع السلاح الثقيل كان مبرماً أساساً بين قادة الإطار التنسيقي حتى قبل تصاعد الضغوط الأميركية.
وتتركز الخلافات الآن، بحسب المصادر المطلعة، حول الجهة الحكومية التي تتولى نزع القدرات العملياتية للفصائل وتسلُّم سلاحها وتقييده، بسبب انعدام الثقة الأميركي بمؤسسات أمنية حكومية تخضع لنفوذ الفصائل».
إلا أن مشكلة أخرى تعترض طريق الجماعات الشيعية؛ إذ «تتخوف من تنفيذ عمليات حصر السلاح خلال مداولات سياسية شاقة لاختيار رئيس الحكومة، إذ يتجنب كثيرون ربط الأمرين ببعضهما».
ويحاول رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني الحصول على ولاية ثانية في المنصب بعد فوزه بأعلى المقاعد داخل «الإطار التنسيقي»، إلا أن خصمه اللدود نوري المالكي يعارض هذه المساعي، ويدفع مع حلفاء شيعة لاختيار مرشح تسوية.
«حرية التصرف»
في الوقت نفسه، ترفض الفصائل التحرك وكأنها ترضخ لضغوط وتهديدات أجنبية». وقال القيادي الشيعي إن جماعات شيعية مسلحة طلبت «حرية التصرف في نطاق وطني دون ضغط ومزيد من الوقت» حتى تنسجم مع التغيرات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تفكيك قدراتها العسكرية.
وفازت هذه الجماعات بمقاعد في البرلمان العراقي الجديد، الذي انتُخب في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وأرسلت مفاوضيها إلى تحالف «الإطار التنسيقي» من أجل الحصول على مواقع في الحكومة الجديدة، كما تحاول إقناع فصائل لم تشترك في الانتخابات بالانخراط في خطة حصر السلاح، لكن ثمة شعوراً لدى كثيرين بأنهم يبحثون عن كبش فداء.
ورفضت 4 فصائل شيعية طلبات متكررة للتعليق على خطط معلنة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن قائداً بارزاً في فصيل شيعي أبلغ «الشرق الأوسط»، أن «هذه الخطة لا تحظى بقبول جماعات لم تشترك في الانتخابات الأخيرة».
ضغوط أميركية
تزامنت رسالة الجهاز الاستخباري الغربي مع وصول الكولونيل ستيفانا باغلي إلى العراق، وهي المديرة الجديدة لمكتب التعاون الأمني الأميركي، الذي سيتوقف تمويله على تنفيذ 3 شروط وردت في قانون موازنة الدفاع الأميركي.
وأقر الكونغرس الأميركي الموازنة في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بقيود جديدة على تمويل التعاون الأمني مع السلطات العراقية، إلا إذا تمكنت بغداد من «تقليص القدرة العملياتية للجماعات المسلحة الموالية لإيران وغير المدمجة في قوات الأمن العراقية من خلال عملية نزع سلاح وتسريح، وإعادة دمج قابلة للتحقق علناً».
واشترط القانون الأميركي أيضاً «تعزيز سلطة رئيس وزراء العراق وسيطرته العملياتية كقائد أعلى للقوات المسلحة العراقية»، كما يُنتظر أن يجري «التحقيق مع أفراد الميليشيات أو أفراد قوات الأمن العاملين خارج التسلسل القيادي الرسمي لقوات الأمن العراقية، ومحاسبتهم، في حال تورطهم في هجمات على أفراد أميركيين أو عراقيين، أو قيامهم بأي أعمال غير قانونية أو مزعزعة للاستقرار».
وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، إن باغلي يفترض أن تطلب من المسؤولين العراقيين جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذ هذه الخطوات بشكل حاسم، وبطريقة قابلة للتحقق والاستمرارية.
وكانت باغلي قد التقت رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الأول الركن عبد الأمير يار الله مرتين خلال أسبوع واحد، يومي 13 و20 أكتوبر 2025. وقال بيان عسكري عراقي حينها إن الجانبين بحثا «رفع القدرات القتالية للجيش العراقي على جميع المستويات».
ونفت المصادر المطلعة علمها ما إذا كانت الكولونيل باغلي قد نقلت تحذيرات إلى المسؤولين العراقيين بشأن مصير الفصائل المسلحة.
ومن المفارقات أن تعود باغلي إلى العراق بعد 20 عاماً، إذ كانت برتبة نقيب عندما خدمت في البلاد بين عامي 2005 و2006 ضمن الجيش الأميركي، وأسهمت في تنفيذ برامج لتطوير قدرات الشرطة. وغادرت لاحقاً في ظل تصاعد أعمال العنف، وما وصفته حينها بضعف «ولاء والتزام» عناصر الأمن داخل المؤسسات الرسمية.
وقال مسؤول حكومي عراقي سابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأميركيين كانوا قد أبلغوا الحكومة العراقية مرات عديدة أنهم بانتظار جدول زمني لتصفية نفوذ الميليشيات، لا سيما في عام 2026 الذي من المقرر أن يشهد استكمال اتفاق إنهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وأكد متحدث «الخارجية الأميركية» أن الولايات المتحدة ستواصل التأكيد على ضرورة نزع سلاح وتفكيك الميليشيات المدعومة من إيران التي تقوّض سيادة العراق، وتهدد الأميركيين والعراقيين، وتنهب موارد العراق لصالح إيران. يدرك القادة العراقيون جيداً ما يتوافق وما لا يتوافق مع شراكة أميركية عراقية قوية.
في مشهد دبلوماسي تاريخي أمام مجلس الأمن الدولي، قدم المبعوث الأممي إلى العراق، محمد الحسان، إحاطته الأخيرة في 2 ديسمبر/ كانون 2025، معلناً بذلك العد التنازلي للإنهاء الرسمي لعمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في 31 ديسمبر 2025. ويأتي هذا القرار، الذي استند إلى طلب رسمي من الحكومة العراقية، ليؤكد الانتقال الحاسم للعراق من مرحلة الرعاية والإشراف الأممي إلى مرحلة السيادة الوطنية الكاملة وإدارة الشأن الداخلي ذاتياً.
ما ورد في إحاطة الحسان يؤسس لمفهوم "الشراكة القوية" القائمة على القيادة العراقية لمستقبلها، بعد أن وصف الطريق إلى السلام بأنه "طويل وصعب"، مؤكداً أن العراق قد خرج منتصراً. ويشير انتهاء مهمة يونامي إلى اعتراف دولي صريح بنضج المؤسسات العراقية واستقرارها، مغلقاً بذلك ملف الوصاية الذي فُرض بحكم ظروف ما بعد عام 2003.
ويتناول هذا التقرير تفصيلاً محتوى الإحاطة النهائية، ويكشف عن الأبعاد الجوهرية لقرار الإنهاء، والتي تتمثل في تعزيز مفهوم السيادة العملية، ونقل العلاقة مع الأمم المتحدة إلى إطار التعاون الفني والتنموي فقط. كما يتتبع التقرير المسار الزمني لإنهاء البعثة والمكتسبات الإستراتيجية التي يحققها العراق، من تحسين البيئة الاستثمارية إلى ترسيخ ثقة الرأي العام في قدرة الدولة على إدارة مصالحها الوطنية دون ضغط دولي.
الإحاطة الأخيرة
وقدّم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى العراق، محمد الحسان، في 2 كانون الأول 2025، آخر إحاطة رسمية له أمام مجلس الأمن الدولي، مع اقتراب نهاية ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). وأكد المبعوث الأممي في إحاطته أن مغادرة البعثة لا تعني انتهاء الشراكة بين العراق والأمم المتحدة، بل تمثل بداية فصل جديد يقوم على قيادة العراق لمستقبله السياسي والتنفيذي.
وأشار المبعوث الأممي إلى أن الطريق نحو السلام والأمن والاستقرار كان طويلاً وصعبًا، لكن بدعم المجتمع الدولي، خرج العراق منتصرًا على التحديات الداخلية والإقليمية. كما نوّه إلى أن الإحاطة تمثل آخر تقرير رسمي قبل انتهاء عمل البعثة، بعد أكثر من 22 عامًا من الدعم المستمر لاستقرار العراق والتحول السياسي فيه.
وذكّر الحسان بالدور المحوري الذي لعبته الحكومة العراقية في استضافة بعثة اليونامي طوال هذه الفترة، مؤكدًا امتنان الأمم المتحدة للتعاون والشراكة الوثيقة. وأضاف أن العراق سيواصل البناء على قاعدة انتخابية متينة، فيما تشكل العلاقة بين بغداد وأربيل شراكة بالغة الأهمية تتطلب تعاونًا وحوارًا مفتوحًا على أساس الدستور العراقي.
وفيما يخص الدعم المستقبلي، شدد المبعوث الأممي على أن الأمم المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب العراق، مقدمًا الخبرة الفنية والمشورة والدعم البرامجي في مجالات النمو الاقتصادي الشامل، التكيف مع تغير المناخ، وحقوق الإنسان، بما يعزز المكتسبات التي تحققت على مدار العقدين الماضيين، دون تدخل مباشر في السياسة الداخلية للعراق.
وأبرزت الإحاطة أن انتهاء مهمة بعثة يونامي يمثل تحولًا تاريخيًا، إذ يعكس قدرة العراق على إدارة شؤونه الداخلية والانتخابية بشكل مستقل، ويعزز السيادة الوطنية، مع إبقاء التعاون الدولي في إطار الدعم الفني والتنمية المستدامة.
ماذا يعني انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة في العراق؟
يشكل إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) علامة فارقة في مسار الدولة العراقية، ويعكس تحوّلًا جوهريًا في طبيعة العلاقة بين العراق والمجتمع الدولي. ويمكن تلخيص أهم دلالات هذا القرار على النحو التالي:
استقلالية القرار السياسي: يعني القرار أن العراق لم يعد يُصنّف كدولة تحتاج إلى إشراف سياسي دولي على مسارها الداخلي، ويؤكد قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الشأن السياسي والانتخابي بشكل مستقل.
إنهاء الوصاية الأممية: يُغلق هذا القرار ملف الوصاية الأممية التي فرضت على العراق بعد 2003، ويعزز مفهوم السيادة الوطنية بصيغتها العملية، وليس مجرد شعار خطابي.
تحويل العلاقة مع الأمم المتحدة: تنتقل العلاقة بين العراق والأمم المتحدة من الإشراف السياسي المباشر إلى التعاون الفني والتنمية المستدامة فقط، ما يمنح الحكومة مساحة أوسع لاتخاذ القرار دون الخضوع لضغوط تقارير دولية دورية.
مسؤولية وطنية كاملة: يحمل هذا التحوّل الطبقة السياسية العراقية المسؤولية الكاملة عن إدارة الأزمات والخلافات الداخلية، ويقلص فرص تدويل الملفات السياسية والحقوقية للبلاد.
تعزيز الثقة الدولية والاستقرار المؤسسي: يمثل القرار رسالة طمأنة للمستثمرين بأن العراق دخل مرحلة من الاستقرار المؤسسي، ويعكس التزام الحكومة بتنفيذ برنامجها الحكومي ضمن جدول زمني واضح. كما يعكس نجاح الدبلوماسية العراقية في إنهاء مهمة البعثة بطريقة توافقية بعيدًا عن الصدام أو الاحتكاك الدولي.
إعادة تعريف صورة العراق دوليًا: يعيد هذا القرار رسم صورة العراق في المحافل الدولية كدولة شريكة مستقلة القرار، لا حالة استثنائية، وينسجم مع الانتقال التدريجي للعلاقات مع التحالف الدولي من الإطار العسكري إلى شراكات متعددة المجالات.
مرحلة جديدة من إدارة المصالح الوطنية: يغلق القرار مرحلة إدارة الأزمات الدولية، ويفتح مرحلة إدارة المصالح الوطنية، مؤسسًا لسابقة سياسية يمكن البناء عليها مستقبلاً لإنهاء أي وجود دولي غير مبرر بطريقة توافقية ومدروسة.
التتبع التاريخي لإنهاء مهام بعثة الأمم المتحدة في العراق
تمتد الخطوات العملية لإنهاء مهمة يونامي على عدة سنوات، حيث بدأ التوجه منذ اعتماد المنهاج الوزاري لحكومة محمد شياع السوداني في أكتوبر 2022، الذي نص على تعزيز السيادة الوطنية وإنهاء أي وجود دولي لا يتناسب مع مرحلة الاستقرار المؤسسي التي بلغها العراق.
في 2023، أجرت الحكومة مراجعة شاملة لأدوار بعثة يونامي، وخلصت إلى أن معظم مهامها السياسية والانتخابية لم تعد ضرورية في ظل تطور المؤسسات الوطنية، تلا ذلك تراجع فعلي في تدخل البعثة بالملفات السياسية خلال الفترة بين يوليو وسبتمبر 2023، مع حصر دورها بالجوانب الاستشارية والفنية فقط.
وفي أبريل 2024، قدم رئيس مجلس الوزراء طلبًا رسميًا للأمين العام للأمم المتحدة لإنهاء مهمة يونامي بحلول 31 ديسمبر 2025، واستجاب مجلس الأمن الدولي لهذا الطلب في مايو من نفس العام، ليكون آخر إحاطة للمبعوث الأممي أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025 بمثابة الإعلان الرسمي عن إنهاء مهام البعثة.
دور بعثة الأمم المتحدة (يونامي) في العراق
أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في عام 2003 بموجب القرار 1500، بهدف دعم العملية السياسية بعد تغيير النظام وبناء المسار الانتقالي في البلاد. ومنذ ذلك الحين، لعبت البعثة دورًا محوريًا في مختلف جوانب الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية في العراق، كما يلي:
2004 – 2005: دعمت يونامي الحكومة المؤقتة، وقدمت المشورة الدستورية، وساهمت في تنظيم أول انتخابات عامة، وتثبيت الإطار القانوني
2005: قدمت البعثة دعمًا فنيًا لصياغة الدستور العراقي، خصوصًا فيما يتعلق بالاستفتاء الدستوري وبناء التوافقات الوطنية.
2006 – 2007: انخرطت يونامي في جهود الوساطة السياسية خلال ذروة العنف الطائفي، بهدف تقليل الاستقطاب والحفاظ على وحدة الدولة.
2006 – 2014: اضطلعت البعثة بدور مركزي في ملف كركوك والمناطق المتنازع عليها، عبر إعداد دراسات قانونية وفنية لتطبيق المادة 140، وتقديم مقترحات إدارية لتقاسم السلطة ومنع الانفجار القومي، دون الوصول إلى حل نهائي.
2008 – 2009: دعمت الأمم المتحدة إعادة تنظيم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقدمت استشارات فنية لتعزيز نزاهة الاستحقاقات الانتخابية.
2010: ساهمت يونامي في إدارة الأزمة السياسية بعد الانتخابات، عبر تسهيل الحوار بين الكتل السياسية لتشكيل الحكومة.
2011 – 2012: تحول دور البعثة تدريجيًا نحو حقوق الإنسان، ومساعدة العراق في بناء المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون بعد انسحاب القوات الأميركية.
2013: وثقت البعثة تصاعد التوترات السياسية والأمنية، وقدمت تقارير دورية عن الاحتياجات والملفات الحقوقية.
2014 – 2015: بعد اجتياح تنظيم "داعش"، ركزت يونامي على تنسيق الاستجابة الإنسانية، ودعم النازحين، وإدارة المساعدات الدولية.
2016 – 2017: ساهمت في برامج الاستقرار وإعادة الإعمار المبكر في المناطق المحررة، خصوصًا نينوى والأنبار وصلاح الدين.
2018: دعمت الانتخابات البرلمانية عبر المراقبة الفنية، وتعزيز الثقة الدولية بالنتائج.
2019: وثقت البعثة الاحتياجات الناتجة عن احتجاجات تشرين، وقدمت تقارير حقوقية أثارت نقاشًا سياسيًا واسعًا داخل العراق وخارجه.
2020: قدمت المشورة خلال مرحلة الانتقال الحكومي بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي.
2021: أسهمت في مراقبة الانتخابات المبكرة بطلب رسمي من الحكومة، وقدمت تقييمًا فنيًا للعملية الانتخابية.
2022 – 2024: تراجع الدور السياسي تدريجيًا، مع تحضير العراق لإنهاء مهمة يونامي بعد اكتمال الجاهزية المؤسسية والسيادية.
مكتسبات العراق من انتهاء بعثة الأمم المتحدة
يمثل قرار إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) نقطة تحول حاسمة، حيث أسفر عن مجموعة شاملة من المكتسبات التي ترسخ السيادة وتعزز الاستقرار المؤسسي. في جوهره، يعني هذا القرار ترسيخ مبدأ السيادة الوطنية الكاملة عبر إنهاء أي وجود أممي ذي طابع إشرافي على القرار السياسي، مما يحقق انتقالاً نوعياً من نموذج "الدولة الخاضعة للمراقبة" إلى نموذج "الدولة الشريكة" داخل المنظومة الدولية. ويغلق هذا الإنجاز ملف الوصاية الدولية، منهياً أي توصيف للعراق كـ"حالة استثنائية" تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد، وإنهاء واحدة من أطول المهمات الأممية في المنطقة بطريقة توافقية لا تصادمية.
على الصعيد الدبلوماسي، يعزز القرار موقع العراق التفاوضي في الملفات الإقليمية كدولة مستقلة القرار، ويؤدي إلى رفع مستوى الندّية السياسية في الحوار مع الأمم المتحدة والدول الكبرى دون وساطة. كما يتم تقليص المساحات الرمادية في العلاقة مع المجتمع الدولي، واستبدالها بعلاقات ثنائية مباشرة وواضحة، مع إعادة تعريف العلاقة مع المنظمات الدولية على أساس الدعم الفني لا الرقابة السياسية.
أما داخلياً، فإن إنهاء البعثة يمثل اعترافاً دولياً بقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الاستحقاقات السياسية والانتخابية ذاتياً، مما يساهم في دعم هوية الدولة وتحسين تصنيفها السياسي. وقد ساعد هذا في تعزيز الاستقرار السياسي الداخلي عبر إغلاق نافذة التدخل أو التأثير الخارجي غير المباشر، وتقليص الذرائع التي كانت تستخدم لتدويل بعض الملفات الداخلية. كما يترتب على القرار تقوية صورة الحكومة كسلطة تنفيذية تثق بتعهداتها، وتعزيز ثقة الرأي العام المحلي بمؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها السيادية.
اقتصادياً، أدى هذا التحول إلى تحسين البيئة الاستثمارية عبر إرسال رسالة طمأنة بأن العراق تجاوز مرحلة الوصاية، وفتح المجال لإعادة توجيه الدعم الدولي نحو الشراكات التنموية بدلاً من الإشراف السياسي. ويؤكد القرار نهاية مرحلة "إدارة الأزمات" والانتقال إلى مرحلة "إدارة المصالح"، مثبتاً سابقة سياسية هامة يمكن البناء عليها لإنهاء أي وجود دولي غير مبرر مستقبلاً، ومؤكداً أن السيادة لم تعد شعاراً خطابياً، بل مساراً سياسياً تُقاس نتائجه بالقرارات المتخذة.
وفي النهاية يمكن القول ان الإحاطة الأخيرة للمبعوث الأممي محمد الحسان وإنهاء مهمة بعثة يونامي تمثل علامة فارقة في تاريخ العراق السياسي. فهي تغلق صفحة الوصاية الدولية الطويلة التي بدأت بعد 2003، وتفتح صفحة جديدة تركز على السيادة الوطنية الكاملة، مع استمرار التعاون الأممي في مجالات التنمية والخبرة الفنية.
يشير هذا التحول إلى نجاح السياسة العراقية والدبلوماسية في إدارة ملف حساس ومعقد بطريقة توافقية، ويؤكد قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة مصالحها الوطنية، بما يعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي. كما يعكس انتهاء المهمة قدرة العراق على إعادة تعريف علاقاته مع المجتمع الدولي على أساس الشراكات الفنية والتنموية، وتحسين صورته أمام المستثمرين والشركاء الدوليين، مع ترسيخ الثقة المحلية بمؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها السيادية.
في المحصلة، يمثل هذا الحدث خطوة استراتيجية نحو عراق مستقل القرار، ومستقر سياسيًا، قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ويضع سابقة للسياسة الوطنية يمكن البناء عليها لإنهاء أي وجود دولي غير مبرر مستقبلاً بطريقة توافقية ومدروسة.
تحظى لحوم الغزلان بشعبية على موائد بعض الأسر العراقية، رغم التحذيرات من خطر انقراض هذه الحيوانات، التي تشهد في الوقت الراهن موسمًا للتزاوج.
وباتت تربية الغزلان مألوفة لدى عدد من المزارعين والمهتمين بهذا الحيوان الذي زاد الطلب عليه في السنوات الأخيرة، رغم ارتفاع أسعاره، لا سيما من قبل أصحاب المطاعم لتقديمه للزبائن الذين يستهويهم مذاق لحم هذا الحيوان الذي يُقدّم بطرق مختلفة.
وتتواجد مزارع رعاية الغزلان في عدة مناطق في العراق، ومنها محافظة ديالى، وبعقوبة، والأنبار، والمثنى، والموصل، ومناطق أخرى، ويُعد غزال الريم هو الأشهر في العراق، بالإضافة إلى غزلان "فلودير" المستوردة من أوروبا، وأنواع أخرى.
وتستقطب لحوم هذه الغزلان العديد من العراقيين رغم ارتفاع أسعارها، واعتمدت بعض المطاعم في عدة محافظات تقديم أطباق مختلفة خاصة بلحوم الغزلان ذات المذاق المميز.
وتتنوع طرق طبخ وتقديم لحوم الغزلان منهم من يُقدمها مشوية في الفرن مع الخضار، وبين من يُقدمها مع الأرز وهو طبق عربي تقليدي يوضع لحم الغزال المتبل والمشوي فوق الأرز المزيّن بالمكسرات وبعض الفاكهة، وبين من يطهوها على الحطب، وهو ما يُعرف بالغزال المدخّن على الحطب، ويحتاج وقتًا طويلًا للطهو يتجاوز العشر ساعات.
ويقول سرمد بهنام، المهتم بتربية غزلان "فلودير"، "إن بعض الزبائن يقبلون على هذه الغزلان لمزارعهم، وبعضهم الآخر يُقبل على شرائها للطعام، حيث يصل سعر الكيلو الواحد منها إلى 40 ألف دينار، قرابة (30 دولارًا أمريكيًا)".
ويؤكد بهنام "أن سعر زوج الغزلان الصغيرة ذكر وأنثى 1500 دولار، أما الغزلان الكبيرة فلا تباع عمومًا خلال وقت التزاوج، ويتراوح سعر الأنثى الحامل ما بين 1600 إلى 1700 دولار، وغير الحامل ما بين 1300 و1400 دولار، والذكر ما بين 600 و700 دولار"، وفق حديثه لوسائل إعلام محلية.
وسبق أن أكد رباح المندلاوي، مربي غزلان في قضاء مندلي بمحافظة ديالى، "أن تربية غزال الريم من المهن التي استجدّت في السنوات الأخيرة، ووجود طلب على هذا النوع من الغزلان ساهم في تعزيز الاهتمام بها".
وذكر شريكه سعد عدنان "أن أغلب زبائنهم على مزرعة الغزلان الموجودة بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية، من أصحاب المطاعم الراقية، إضافة إلى وجود طلب من قبل أصحاب الحدائق الخاصة والمشاريع الترفيهية في بغداد ومحافظات أخرى".
وأكد مربي غزلان يُدعى "قيس حسن"، أن "عددًا كبيرًا من زبائنه يدفعون أموالًا باهظة مقابل الحصول على لحوم الغزلان، التي بدأت منذ سنوات تشق طريقها في العديد من مطاعم بغداد والمحافظات الأخرى، نتيجة الإقبال عليها كونها تعد من أجود اللحوم، ومضرب الأمثال الشعبية".
ويمتلك العراق عدة محميات طبيعية لرعاية الغزلان، وبينها محمية ساوة في السماوة جنوب البلاد، ومحمية علي الغربي المخصصتان لغزلان الريم، التي يتراوح طولها بين (90-130 سم)، وتتميز برشاقتها وشكلها الجبلي.
وتُعتبر الأشهر الباردة التي تتراوح بين منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، وكانون الثاني/ يناير، في الغالب فترة تزاوج الغزلان في العراق، باختلاف أنواعها، وتستمر فترة الحمل حتى فصل الربيع، وتتأخر في بعض المناطق الحارة حتى فصل الصيف.
ويعزو المختصون تراجع أعداد الغزلان في العراق لعدة أسباب منها "الحروب، والجفاف، والصيد الجائر"، وشهدت الأعوام القليلة الماضية مبادرات من مزارعين لتربية هذا الحيوان بأنواعه المختلفة؛ حفاظًا عليه من الانقراض وللاستفادة منه اقتصاديًا.
كشفت وسائل إعلام عبرية، اليوم الجمعة، أن تقديرات الأجهزة الأمنية في إسرائيل تشير إلى أن الحرب المستمرة منذ 12 يوماً لم تُلحق أضراراً جوهرية بالبرنامج الصاروخي الإيراني، خلافاً لما رجحته تل أبيب في الأيام الأولى للتصعيد.
وبحسب تقرير نقلته تلك الوسائل واطلع عليها موقع كوردسات عربية، فقد "اعتقدت إسرائيل بداية أن الضربات الجوية والصاروخية نجحت في تعطيل جزء مهم من القدرات الباليستية الإيرانية، إلا أن المعلومات المحدثة أظهرت أن تأثير تلك الضربات كان محدوداً للغاية".
ويوضح التقرير أن "إيران ما تزال تمتلك ما لا يقل عن ألفي صاروخ باليستي ثقيل، وهو العدد ذاته تقريباً الذي كان بحوزتها قبل اندلاع المواجهة، ما يشير — وفق المصادر الإسرائيلية — إلى قدرة طهران على الحفاظ على جاهزيتها أو تعويض خسائرها بسرعة".
كما تشير المراجعات الأمنية إلى أن "الترسانة الصاروخية الإيرانية صُممت بطريقة تجعلها أكثر مرونة وقدرة على الصمود تحت الضغط، مستفيدة من انتشار واسع لمنصات الإطلاق المتحركة، فضلاً عن استخدام متزايد لتكنولوجيا الوقود الصلب، التي تقلل زمن الاستعداد وتحدّ من فرص تدمير الصواريخ قبل إطلاقها".
وتخلص التقييمات إلى أن "هذا الواقع يفرض على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إعادة النظر في استراتيجيات التعامل مع التهديد الصاروخي الإيراني مستقبلاً، بعد أن أثبتت الحرب الأخيرة محدودية تأثير الضربات الوقائية على البنية الصاروخية لطهران".
أكد الاتحاد الدولي للنقل البري (IRU)، اليوم الجمعة، أن العراق حقق قفزة كبيرة في سرعة العبور عبر نظام TIR للتجارة الدولية.
وذكر تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للنقل البري (IRU)، أن "العراق بات يشكل محور عبور استراتيجياً متنامياً بعد نجاحه في اختصار زمن نقل معدات تصوير سينمائي من هنغاريا إلى الأردن من خمسة أسابيع إلى ستة أيام فقط، مستفيداً من الطريق الدولي العراقي الذي أُعيد فتحه مؤخراً أمام حركة النقل التجاري ضمن نظام العبور الجمركي الدولي TIR".
وأضاف أن "العملية أثبتت أن الطريق العراقي أصبح مساراً جديداً بدأ العالم باكتشافه، بعد أن ساهم في تسهيل مرور الشحنة الأوروبية الثقيلة بسرعة غير مسبوقة نحو الأردن، حيث ستُستخدم المعدات في إنتاج فيلم يعرّف بتاريخ الأردن ومعالمه التراثية".
وأشار التقرير إلى أن "هذا الإنجاز يعكس تنامي دور العراق كحلقة وصل حيوية تربط أوروبا بدول الخليج والشرق الأوسط، خصوصاً مع توسّع الاعتماد على نظام TIR الذي يسهم في تسريع إجراءات العبور وتقليل التوقفات على الحدود، ما يعزز من قدرات سلاسل الإمداد في المنطقة".
ولفت التقرير إلى أن "التوسع الرقمي لنظام TIR، وتفعيل خطوط العبور الدولية عبر العراق، سيعززان من موقع البلاد على خريطة التجارة العالمية، وسيشجعان القطاع الخاص على استخدام المسار العراقي لما يوفّره من وقت وتكلفة".
يُذكر أن وزارة النقل اعلنت في وقت سابق عن تنفيذ الرحلة الدولية الثانية ضمن نظام النقل البري الدولي (TIR) عبر الأراضي العراقية، وذلك على خط منفذ إبراهيم الخليل في دهوك – ميناء أم قصر الشمالي في البصرة، فيما تشير الإحصاءات الحكومية إلى تسجيل 1000 عملية نقل بري على هذا الخط منذ حزيران الماضي.
“تفاجأت عندما رأيت الصور، فهي لا تشبه مجتمعنا أبداً”، يقول كريم الزيدي، صاحب محل للحلويات في بغداد. لكن ما بدا مفاجئاً له لم يكن مجرد لقطة عابرة على منصات التواصل، بل مؤشراً على تحوّل اجتماعي يتقدّم بهدوء داخل مجتمع اعتاد لعقود طويلة على منظومة ثابتة تحكم طقوس الحداد. فظهور ما يعرف بـ“كيكة المرحوم” كشف فجوة متزايدة بين الموروث العراقي القائم على الوقار والالتزام بالتقاليد الصارمة، وبين موجة من العادات الهجينة التي تولد رقمياً، ثم تجد طريقها إلى المجال العام عبر منصات لا تعترف بالحدود الثقافية.
ورغم محدودية انتشار هذه الحالات، إلا أن ردود الفعل الواسعة التي أثارتها تشير إلى حساسية عميقة لدى المجتمع العراقي تجاه كل ما يمسّ طقوس الموت. فالموت في العراق ليس حدثاً عائلياً فقط، بل هو جزء من نظام اجتماعي متماسك، تحكمه قواعد اجتماعية ودينية متراكمة منذ قرون. ومنذ اللحظة الأولى للوفاة، تبدأ طقوس محددة لا يتجاوزها أحد تقريباً: الفاتحة، أيام العزاء، الزيارة، قراءة القرآن، توزيع الطعام، واستذكار الميت بعبارات الرحمة والدعاء. هذه الطقوس ليست مجرد إجراءات، بل آليات اجتماعية لإعادة بناء التوازن داخل الجماعة ومشاركة الحزن دون الدخول في أشكال غير مألوفة من التعبير.
على النقيض من ذلك، تأتي “كيكة المرحوم” من عالم مختلف تماماً. عالم يعتمد على الصورة والغرابة والصدمة لجذب الانتباه، ويعمل وفق منطق “منشور ينتشر خلال ساعات”. ولأن هذه البيئة الرقمية لا تحمل حساسية ثقافية أو خصوصية اجتماعية، فإن الفجوة بينها وبين الموروث العراقي تبدو واضحة. ويؤكد الزيدي أن هذه الممارسات “لا تخرج من سياق احترام الميت فحسب، بل تدخل منطقة يعتبرها العراقيون خطاً أحمر، لأن الرموز المرتبطة بالموت لها مكانة خاصة لا تُمسّ”.
هذه القراءة يوافقها المختص الاجتماعي والنفسي إبراهيم العزي، الذي يرى أن الظاهرة مهما كانت محدودة، فإنها تكشف تأثيراً قوياً للعالم الرقمي في سلوكيات جيل جديد لم يعد يكتفي بالطقوس التقليدية، أو ربما لا يدرك قيمتها الاجتماعية والنفسية. ويشير العزي إلى أن التحولات التي يمر بها المجتمع العراقي خلال العقدين الأخيرين—بسبب التكنولوجيا، والهجرة، والانفتاح على المحتوى الغربي—أنتجت ما يصفه بـ“عادات هجينة”، لا هي جزء من التراث المحلي ولا تعكس منظومة قيم مستقرة.
ويضيف العزي أن “طقوس الموت في العراق ليست مناسبات يمكن التلاعب بأشكالها، لأنها ترتبط بالمشاعر الدينية والذاكرة الجمعية. أي إضافة غريبة تُفسَّر فوراً على أنها تجاوز، حتى لو كان صاحبها لا يقصد الإساءة”. ويشير إلى أن استذكار الميت في المجتمعات العربية يقوم على مفهوم الرحمة، لا على إعادة تقديم الحزن بصيغة أقرب إلى الاحتفال.
لكن خلف النقاش حول “كيكة المرحوم” تكمن قضية أعمق: التنافس بين نمطين من السلوك الاجتماعي. الأول، وهو الموروث التقليدي، يعتمد على الجماعة، وعلى طقوس ثابتة تمنح الفرد مكانته داخل المجتمع. والثاني، وهو النمط الرقمي الجديد، يعتمد على الفرد وعلى إنتاج محتوى يثير الانتباه ولو كان على حساب القيم الراسخة.
هذا التحوّل لا يرتبط فقط بمسألة “كيكة” أو صورة مفاجئة، بل يتصل بجملة من السلوكيات التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة، مثل توثيق مشاهد العزاء، تحويل لحظات الحزن إلى محتوى مرئي، أو المبالغة في التعبير الرقمي عن الألم. كلّها دلائل على أن العلاقة بين العراقيين وطقوسهم الاجتماعية تمر بمرحلة إعادة تشكّل، بفعل التأثيرات المتسارعة للعالم الافتراضي.
ورغم ذلك، يؤكد العزي أن هذه الممارسات “لن تتحول إلى ظاهرة” لأنها تصطدم بجدار صلب من الرفض الاجتماعي. فالمجتمع العراقي لا يزال ممسكاً بثوابته، ويعتبر أن الموت مجال لا يُمسّ، ومحاط بحساسية تتجاوز أي محاولة للابتكار أو التغيير. ويضيف أن هذه “العدسات الرقمية” مهما حاولت خلق عادات جديدة، فإنها ستظل محصورة ضمن دائرة المحتوى العابر.
وبين موجات السخرية ورفض الجمهور، تبدو “كيكة المرحوم” مجرد مظهر جانبي لتحول أكبر: صراع بين موروث اجتماعي متجذر يرفض العبث برموزه، وبين عالم رقمي يفرض أنماطاً جديدة من التعبير لا تستند إلى قيم محلية ولا تحترم حدود الحزن العراقي. وفي ظل هذا الصراع، يظل السؤال مطروحاً: هل ستبقى هذه الممارسات مجرد استثناءات، أم أنها بداية لانزياح أكبر في شكل الطقوس الاجتماعية؟
“الموت له مكانته وله احترامه، وما يصير نخلطه بشيء يشبه الفرح”، بهذه الجملة ختم ولخص صاحب محل الحلويات المسافة بين الموروث الذي يحاول البقاء، والممارسات التي تحاول الظهور. وبين الاثنين، يستمر المجتمع في الدفاع عن طقوسه القديمة لأنها ليست مجرد عادات، بل جزء من هويته التي لا يريد أن يخسرها أمام موجة السلوكيات الرقمية الجديدة.
اتهمت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في تقرير، جهات مسلّحة ناشطة داخل العراق ومرتبطة سياسياً بدولة جارة بشن الهجوم الذي استهدف حقل كورمور للغاز في إقليم كردستان، وهو الهجوم الذي أعقبه سيل من الإدانات الدولية ومطالب أمريكية بالتحقيق العاجل وتقديم الجناة إلى العدالة.
وقالت الصحيفة، إن مسؤولين عراقيين وكرداً أكدوا لها بشكل غير علني أن الهجوم نُفِّذ من قبل مجموعات مسلّحة محلية ذات ارتباط سياسي بدولة جارة، معتبرين أن هذه الجهات ترى في العلاقة الاقتصادية الوثيقة بين واشنطن وأربيل "نقطة ضعف" تجعل من الإقليم هدفاً سهلاً.
ونقلت الصحيفة عن رمزي مريديني، مؤسس مركز "جيوبول" لدراسة المخاطر الجيوسياسية، قوله إن الهجوم جاء قبل أيام فقط من افتتاح مبنى القنصلية الأمريكية الجديدة في أربيل، مضيفاً: "من الواضح أن الإيرانيين تابعوا هذا التطور وحاولوا إرسال رسالة إلى واشنطن بأن النفوذ الذي يمتلكونه داخل العراق قادر على استهداف مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في حال حصل أي تصعيد مباشر".
وأشار التقرير إلى أن التوتر السياسي بين بغداد وأربيل، ولا سيما الخلافات المتعلقة بالموارد وعائدات النفط والغاز، قد يكون عاملاً محفزاً إضافياً خلف هذا النوع من الهجمات.
كما كشفت "نيويورك تايمز" أن مسؤولين في إقليم كردستان طلبوا من الولايات المتحدة وبريطانيا تزويدهم بمنظومات دفاع جوي لحماية البنى التحتية، إلا أن الطلب رُفض بسبب عدم موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد، التي تملك الصلاحية النهائية في أي عملية شراء للسلاح.
وأضاف التقرير أن الجهات المسلحة العاملة داخل العراق، ورغم حصول بعضها على قدر من الاستقلال المالي، إلا أنها ما تزال مرتبطة سياسياً بدولة جارة، ونجحت في ترسيخ حضورها داخل العملية السياسية.
وأكدت الصحيفة أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً متصاعدة على الحكومة العراقية لنزع سلاح تلك الجهات، لكن تطبيق هذه المطالب يبدو بالغ الصعوبة في ظل امتلاكها مقاعد نيابية ونفوذاً مؤسسياً داخل النظام السياسي العراقي.
في شوارع بغداد المزدحمة بدخان العوادم، يبدأ حلم جديد بالظهور… سيارات بلا صوت، بلا وقود، بلا عادم.
لكنها في العراق، ما تزال أشبه بفصلٍ من رواية لم تُكتب بعد. فهل يمكن لبلدٍ يعتمد على النفط أن يتحول إلى الكهرباء في عالم النقل؟ أو أن البنية التحتية تجعل الحلم مستحيلاً مؤقتًا؟
بين الطموح والواقع
على الورق، العراق يملك كل المقوّمات ليصبح لاعبًا في ثورة السيارات الكهربائية: إنتاج ضخم من الطاقة، موقع جغرافي مركزي، وسوق شابة متعطشة للتجديد. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فشبكة الكهرباء الوطنية نفسها تعاني من انقطاعات يومية، تصل أحيانًا إلى أكثر من 10 ساعات في بعض المحافظات، مما يجعل فكرة شحن سيارة كهربائية في البيت حلمًا يحتاج مولدًا احتياطيًا!
البنية التحتية الغائبة
حتى الآن، لا يتجاوز عدد محطات الشحن العامة في البلاد أصابع اليد الواحدة، ومعظمها مشاريع تجريبية أنشأتها شركات خاصة في بغداد وأربيل. وكشف مصدر في وزارة الكهرباء أن هناك دراسة غير معلنة حول إدخال محطات شحن تجريبية ضمن محطات تعبئة الوقود الحالية، لكن المشروع ما يزال في مرحلة التقييم بسبب كلفة الإنشاء العالية ونقص المعدات المستوردة.
وفي غياب سياسة واضحة، يتردد المستثمرون في دخول هذا المجال. أحد وكلاء السيارات الكهربائية قال لموقعنا إن الطلب موجود من فئة الشباب والمغتربين العائدين، لكن المشكلة أننا لا نستطيع أن نبيع سيارة بلا ضمان لتوافر الشحن… الزبون يسأل أولًا: أين أشحنها؟ بإختصار
سوق ناشئ.. لكنه ذكي.
ورغم ذلك، بدأت بعض المؤشرات الإيجابية بالظهور. سيارات MG وBYD وChangan الكهربائية دخلت السوق العراقي بكميات محدودة هذا العام، وبيعت خلال أسابيع بفضل كلفة التشغيل المنخفضة مقارنة بالبنزين الذي تجاوز سعر الليتر 1000 دينار في بعض المناطق. كما بدأت بعض الورش المحلية بتحويل السيارات الهجينة إلى أنظمة شحن منزلي عبر مولدات صغيرة أو ألواح شمسية.
بين النفط والكهرباء: معادلة المستقبل
لا يرتبط التحول نحو النقل الكهربائي في العراق فقط بالتكنولوجيا، بل بعقيدة اقتصادية كاملة. فالدولة التي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل قد لا تجد حافزًا قويًا لتقليص استهلاكه محليًا، ما لم تحول الفائض إلى طاقة تصديرية جديدة.
لكن في المقابل، يرى خبراء أن مستقبل الكهرباء في النقل قد يبدأ من المدن الجديدة والمشاريع السكنية الحديثة التي يمكن تجهيزها ببنى تحتية ذكية للشحن منذ البداية، بدل محاولة إصلاح الشبكة القديمة.
وهنا لا بد من التأكيد بأن رحلة العراق من البنزين إلى الكهرباء بدأت بالفعل، لكنها تمشي على طريق مليء بالمطبات الإدارية والتقنية. فبين الطموح الحكومي، والطلب الشعبي، والفرص الاستثمارية، يقف سؤال واحد ينتظر إجابة:"هل سنرى أول محطة شحن وطنية قريبًا، أو سنبقى ننتظر الكهرباء.. حتى نشحن الحلم"؟
كشفت شبكة العراق الرقمي (DIN)، عن قفزة لافتة في حجم الإنفاق السياسي الإعلاني خلال انتخابات البرلمان العراقي لعام 2025، مؤكدة أن مجموع ما أُنفِق على الإعلانات عبر منصة فيسبوك وحدها تجاوز 5 مليارات دينار عراقي، أي ما يمثل زيادة بنسبة 500% عن الإنفاق المسجل في انتخابات عام 2021.
وذكرت الشبكة في بيان تلقاه موقع كوردسات عربية، أن هذه الأرقام تعكس تحوّل فيسبوك إلى ساحة مركزية للتنافس السياسي، بعدما باتت الحملات الانتخابية تعتمد عليه كأداة رئيسية لتوجيه الخطاب واستهداف الناخبين.
بحسب التقرير، تصدّرت العاصمة بغداد قائمة الإنفاق بمبلغٍ تجاوز 1.5 مليار دينار، توزعت بين صفحات الأحزاب والمرشحين والمنصات الإعلامية التي تبنّت خطاباً سياسياً متنوع الاتجاهات.
وفي المرتبة الثانية جاءت محافظة نينوى بإنفاقٍ قُدّر بنحو نصف مليار دينار، تلتها السليمانية بحوالي 340 مليون دينار، ثم أربيل بالمبلغ ذاته تقريباً، فيما حلّت ذي قار خامسةً بـ 320 مليون دينار. أما حلبجة فكانت الأقل إنفاقاً، إذ لم يتجاوز حجم الإعلانات السياسية فيها 16 مليون دينار فقط.
وأشار التقرير إلى أن الإنفاق الإعلاني لم يتوقف حتى خلال فترة الصمت الانتخابي، إذ رصدت الشبكة استمرار نشر الإعلانات السياسية في اليوم السابق للاقتراع العام، بمجموع إنفاق تجاوز 160 مليون دينار على مستوى العراق، معظمها كانت تروّج لمنشورات قديمة أعيد تفعيلها لاستمرار التأثير على جمهور الناخبين.
ووفقاً لبيانات الشبكة، بلغ عدد مستخدمي منصات فيسبوك في العراق نحو 21.5 مليون مستخدم، بزيادة تُقدّر بـ 1.1 مليون مستخدم عن العام الماضي، ما جعل المنصة الرقمية أكثر تأثيراً في المزاج الانتخابي.
ويُذكر أن تقريراً سابقاً لـ"شبكة العراق الرقمي" أشار إلى إنفاقٍ يقارب مليار دينار عراقي على 44 ألف إعلان سياسي خلال الانتخابات البرلمانية السابقة 2021، ما يؤكد استمرار تصاعد الدور الرقمي في تشكيل المشهد السياسي والانتخابي في البلاد.
ويرى فريق التحليل في الشبكة أن الكمّ الكبير من الإنفاق على الإعلانات عبر منصات التواصل الاجتماعي يشير إلى تغيير عملي في أدوات التأثير الانتخابي، إذْ تسمح هذه الاعلانات بإعادة رسم صورة الرأي العام وصياغة أولويات الناخبين.
أفاد تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، يوم السبت، بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرس خيار العفو الرئاسي في حال خسارته الانتخابات، بعد أن طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الفكرة على نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.
وأشار التقرير إلى "حملة إعلامية غير رسمية تهدف إلى قياس ردود الفعل بشأن فكرة العفو"، فيما يرجّح مراقبون أن "تكون الخطة محاولة لاستطلاع موقف الشارع قبل أي تحرك قانوني".
ومن بين السيناريوهات المطروحة عفو خاص دون استقالة نتنياهو، ما يعني استمرار محاكمته سياسيًا لا قضائيًا.
غير أن قانونيين حذّروا من أن "العفو دون إدانة سابقة قانونية معقدة، حيث تتعثر أي تسوية قضائية بسبب رفض نتنياهو بند (العار) الذي يمنعه من العمل السياسي 7 سنوات".
ويؤكد التقرير أن "نتنياهو يسعى لتهيئة مخرج آمن قبل الانتخابات، بينما تستمر محاكمته في قضايا الفساد، وسط تحذيرات من أن العفو المحتمل قد يفاقم الانقسام الداخلي في إسرائيل.
وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تصريحات نقلتها صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن محاكمته الجارية "تضر بالمصالح الأميركية والإسرائيلية على حد سواء".
وأكد نتنياهو أنه "لن يتقدم بطلب رسمي للعفو"، موضحا أن "القيام بذلك سيفهم على أنه اعتراف بالذنب"، وهو ما يرفضه بشدة، في ظل إصراره على نفي الاتهامات الموجهة إليه بالفساد وخيانة الأمانة.
وفي سياق متصل، قال نتنياهو إنه "لا يخشى السفر إلى نيويورك"، مؤكدا أنه "سيكون منفتحا على الحديث مع عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني، الذي وعد باعتقاله إذا زار المدينة، وقال: "هل أخشى الذهاب إلى هناك؟ بالطبع لا".
كما أعرب نتنياهو عن شكره للرئيس الأميركي بشأن الرسالة التي بعثها لنظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، حيث طلب منح عفو كامل لنتنياهو في محاكمته الجارية بتهم "الفساد".
في قلب السودان، حيث تتقاطع الهويات وتتداخل الثقافات، يبرز حضور هادئ لكنه راسخ لمكوّنٍ ظلّ جزءاً من تاريخ البلاد دون ضجيج… كورد السودان.
ليسوا جالية عابرة، ولا ضيوفاً مؤقتين؛ بل صفحاتٌ حقيقية في كتاب السودان الاجتماعي، كتبتها الهجرات القديمة، وصبغها الانتماء، وثبّتها الزمن.
هجرة ولّدت انتماءً… لا مجرد وجود
يروي التاريخ أنّ أولى جذور الكورد في السودان تعود إلى فترات الحكم العثماني والمصري، حين وصلت مجموعات من الجنود والتجار، ثم استقروا في مدن متعددة، وتحوّل الوجود الفردي إلى مجتمعٍ كامل عبر العقود.
ومع الزمن، لم يبقَ الكورد مجرد “مهاجرين”، بل صاروا جزءاً من روح السودان، يشاركونه تحولات القرن وتقلّبات السياسة وتشكّل المدن.
تجمع صغير… لكنه حاضر في ملامح العاصمة
في الخرطوم وأم درمان والأبيض وبورتسودان، يتضح أثر الكورد في الأسواق القديمة، والحرف، والتجارة، والعلاقات الاجتماعية.
ورغم قلّة عددهم، فإن حضورهم يتجاوز حجمهم، هنا، لا تُقاس المجتمعات بالأرقام… بل بالبصمة، وبصمة كورد السودان لا تخطئها العين.
اندماج بلا تنازل… وهوية بلا صخب
استطاع كورد السودان أن يحققوا معادلة صعبة:
الاندماج الكامل دون فقدان الأصل، والحفاظ على الجذور دون الانزواء.
فاللغة الكردية ربما خفُت حضورها مع الزمن، لكنّ الروح بقيت حاضرة في العادات، وفي الإرث العائلي، وفي ملامح الانتماء التي تنتقل بهدوء بين الأجيال.
أدوار أكبر من الضجيج الإعلامي
شارك أفراد من كورد السودان في مؤسسات الدولة، وفي القطاعات التجارية والعسكرية والإدارية، لكن مساهماتهم لم تُسلّط عليها الأضواء بالشكل الكافي.
إنّهم نموذج للفكرة التي تقول: ليس المهم أن يُذكر اسمك في العناوين… المهم أن يبقى أثرُك في المجتمع.
تاريخ يحتاج إلى من يكتبه
ورغم ثقل هذه التجربة، لم تُوثّق بعد بالشكل الذي تستحقه.
فالدراسات الأكاديمية قليلة، والمصادر شحيحة، والاعتماد الأكبر ما زال على الذاكرة الشفوية.
وما لا يُكتب… قد يغيب.
لهذا يشير باحثون إلى ضرورة توثيق قصة كورد السودان بوصفها جزءاً لا يتجزأ من تاريخ البلاد الحديث.
كورد السودان ليسوا مجرد مكوّن صغير في دولة كبيرة…
إنهم حكاية انتماءٍ نادر، تبدأ من جبال كردستان وتنتهي في شوارع الخرطوم، حيث يكتب الناس تاريخهم الحقيقي: بالعمل، بالوجود، وبالوفاء للأرض التي آوتهم
قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية إن هناك قلقا في إسرائيل من أن يفرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنازلات للانسحاب الإسرائيلي من جنوب سوريا وقمة جبل الشيخ.
وكتبت الصحيفة أن الجرافات والآليات الهندسية الإسرائيلية تتسلق حاليا الطريق المعبد على ارتفاع 2,800 متر في قمة جبل الشيخ المغطاة بالثلوج، وهو طريق كان حتى قبل عام تحت سيطرة جنود جيش الرئيس السوري السابق بشار الأسد. ويعمل مقاولو البناء على ترميم الموقعين الإسرائيليين هناك استعدادا لفصل الشتاء القادم، الذي من المتوقع ألا يكون الأخير للجيش الإسرائيلي في المنطقة.
ولفتت إلى أنه قد تكون لدى واشنطن ودمشق تصورات مختلفة، خاصة بعد اللقاء التاريخي هذا الأسبوع للرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض.
وبحسب التقارير، فإن الاتصالات الأخيرة بين ممثلي حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثلي الشرع لم تؤدِ بعد إلى نتائج. ويهدف الجانب الإسرائيلي من هذه المحادثات إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار جديد، بدلا من الاتفاق السابق الذي تم الحفاظ عليه بين نظام الأسد الأب والابن منذ عام 1974 حتى سقوط النظام في سوريا قبل عام.
وأكد المسؤولون أن الحديث لا يدور عن اتفاق تطبيع أو سلام، لكن اتفاق وقف النار المحتمل قد يكون إشكاليا لإسرائيل إذا فرضه الرئيس ترامب على نتنياهو، على غرار اتفاق وقف إطلاق النار مع "حماس" الذي أبقاها في السلطة في غزة.
ويحث المسؤولون الإسرائيليون نتنياهو على الحفاظ على قمة جبل الشيخ السورية كنقطة استراتيجية لأمن الشمال، نظرا لتمكينها من مراقبة كل مركبة تدخل إلى قاعدة قيادة الفرقة 210 في الجولان، وكذلك السيطرة على طرق تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان، خاصة إلى حزب الله.
وتضم الجولان السوري ثمانية مواقع للجيش الإسرائيلي، مزودة ببنية تحتية محسنة للمقاتلين وتخضع باستمرار لترقيات لتحسين الأداء العملياتي وظروف الجنود. وتقع هذه المواقع على بعد عدة كيلومترات داخل الأراضي السورية، بين قرى حوران التي يسكنها نحو 70 ألف نسمة، ولم تسجل حوادث كبيرة بين الجنود والسكان المحليين، باستثناء بعض الحوادث الصغيرة التي لم يسفر عنها إصابات، حيث رفض بعض السكان تسليم أسلحتهم الفردية.
وتناقش إسرائيل الانسحاب من بعض هذه المواقع كما يطالب الرئيس السوري، مقابل اتفاق وقف إطلاق نار جديد يضمن حرية العمل ضد تهديدات محتملة من "حزب الله" وإيران. وقد أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تتنازل عن قمة جبل الشيخ، إلا أن القرارات النهائية ستتخذ على الأرجح في واشنطن وأنقرة.
ويثير التقارب بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان قلق الإسرائيليين، إذ يمثل جسرا بين الشرع وترامب، خاصة مع دعم تركيا للقوات السورية بأسلحة خفيفة حتى الآن، دون تقديم منصات ثقيلة أو أنظمة دفاع جوي متقدمة.
اظهرت اكتشافات وعمليات حفر جديدة في العراق مدى ارتباط واتساع شبكة مدينة أوروك (الوركاء) بمحافظة المثنى جنوبي العراق، وهو ما يغير فهم العالم لهذه المدينة التي تعتبر الأولى في العالم، وذلك بحسب ما نشره موقع engineering Interesting الأمريكي.
وذكر الموقع، في تقرير ، إنه خلال حملة الحفريات في العام 2025، اكتشف باحثون في كاني شاي (اقليم كوردستان) مبنى ضخما قد يغير الفهم الحالي لعلاقة اوروك بالمناطق المحيطة بها، وهو موقع يعرف باسم أول مدينة في العالم.
وأشار الموقع المتخصص بالشؤون الهندسية، ويتخذ من نيويورك واسطنبول كمقرين له، إلى أن "كاني شاي في وادي بازيان في السليمانية، يعتبر أهم موقع أثري شرق نهر دجلة لفهم تسلسل الاستيطان البشري من العصر البرونزي المبكر حتى الالفية الثالثة قبل الميلاد".
وبحسب التقرير، فإن الحفريات خلال العام 2025 في هذه المنطقة التي تعتبر حرفيا بمثابة مهد الحضارة، أفضت إلى الكشف عن نصب أثري استثنائي يعود تاريخه الى المدن الأولى على وجه الارض.
واضاف انه رغم اكتشاف علماء الآثار بعض القطع الاثرية التي تشير الى وجود نشاطات ادارية، إلا أنهم لم يتمكنوا من تأكيد ذلك بعد، الا انها تشير الى ان هذا الموقع يتمتع بأهمية سياسية.
ونقل التقرير عن الباحثين قولهم في بيان ان الهيكل الرائع يظهر ان (كاني شاي) كان موقعا فاعلا رئيسيا في تشكيل الشبكات الثقافية والسياسية.
ولفت التقرير الى ان كاني شاي يقع على على بعد نحو 500 كيلومتر شمال اوروك، والتي كانت تتطلب المشي اكثر من اسبوعين للوصول من المدينة الأسطورية، مضيفا ان الاكتشاف الاخير تظهر أن المستوطنة المجاورة، على الرغم من أنها ليست قريبة، إلا أنها كانت بمثابة جزء من شبكة أكبر امتدت عبر بلاد ما بين النهرين القديمة.
واعتبر التقرير أنه من خلال نبش المبنى القديم الذي يبلغ من العمر 5 آلاف سنة، فإن الباحثين من جامعة كويمبرا البرتغالية وجامعة كامبريدج البريطانية، يعتقدون أن "الهيكل الضخم" الذي لا يمكن ان يكون الا سياسيا بطبيعته، بسبب حجمه، قد يكون معبدا.
وبحسب التقرير، فإن العلماء نبشوا حتى الآن عدة أدلة تظهر أن هذا الهيكل يعود لمبنى عام، أو لمبنى مرتبط بالاحتفالات.
وبالإضافة إلى العثور على جزء من قلادة ذهبية، فقد وجد الباحثون أحد الأختام التي تعود الى حقبة أوروك، وهو ختم يرتبط بالممارسات الإدارية والسيطرة وإضفاء الشرعية على السلطة.
ووفقا لصحيفة جيروزاليم بوست، فإن الاختام الاسطوانية الموجودة في الموقع تشير ايضا الى ختم السلطة.
وبرغم ان التقرير لفت الى ان علماء الاثار لا يزالون في مرحلة التكهن حول ان المبنى يمثل منشأت ادارية، الا انه اشار الى ان الادلة تبدو واعدة.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن اوروك القديمة التي بلغ عدد سكانها 80 ألف شخص، كانت تتمتع باحياء ادارية وسكنية، حيث ارتبطت اول مدينة في العام، بهذا الهيكل الإداري المهم في كاني شاي البعيد مسيرة مشي اسبوعين، وهو ما يشير الى حضورها السياسي الأوسع مما كان معروفا في السابق.
وخلص التقرير الى التساؤل عما اذا كان علماء الآثار سيتمكنون من إثبات ذلك؟ وأشار إلى أن الحفريات التي بدأت في العام 2013، خلصت الى وجود ادلة على أن الاستيطان بدأ من حوالي 6500 قبل الميلاد، مضيفا أن النتائج تظهر أن الروابط التي أبقت مهد الحضارة معا كانت اقوى واوسع مما أدركه علماء الآثار سابقا.
جدار برلين، الذي تم بناؤه في عام 1961، لم يكن مجرد جدار مادي يفصل بين برلين الشرقية والغربية، بل أصبح رمزًا مهيمنًا للصراع الجيوسياسي والأيديولوجي الذي ميز فترة الحرب الباردة. لقد أسس هذا الجدار من قبل الحكومة الشيوعية في ألمانيا الشرقية بهدف منع الهجرة الجماعية من الشرق إلى الغرب. وكان للخطوة تأثير عميق على حياة العديد من الأفراد والأسر، حيث فصلهم بشكل قسري عن أحبائهم ومجتمعاتهم.
الجدار عمل كحاجز بين النظام الرأسمالي الذي تمثله الولايات المتحدة والنظام الشيوعي الذي قادته الاتحاد السوفيتي. تجسد الحد الفاصل بين الشرق والغرب في جدار برلين، الذي أصبح رمزا لهذا الانقسام الحاد. في السنوات التالية، أصبحت الأحداث المحيطة بالجدار محط أنظار العالم، من محاولات الهروب المروعة إلى الاحتجاجات الشعبية ضد القمع.
علاوة على ذلك، ساهم جدار برلين في تعزيز وتعميق الانقسامات بين الدولتين العظميين. فقد كان يشير إلى الاختلافات الفكرية والسياسية في وقت كانت فيه المواجهات العسكرية تتصاعد. الأوروبيون والأمريكيون كانوا يراقبون بقلق الوضع في برلين حيث كانت التوترات تتصاعد، مما ساهم في تشكيل سياساتهم الخارجية. كما أن جدار برلين يعتبر مثالًا على كيفية استخدام الرموز في تشكيل التاريخ الحديث ومساعدة الأجيال على فهم التعقيدات الجيوسياسية.
في نهاية المطاف، يمثل سقوط جدار برلين عام 1989 نقطة تحول حاسمة في الحرب الباردة، حيث أدى إلى إعادة توحيد ألمانيا والنهاية التدريجية للصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. إن فهم جدار برلين في سياق الحرب الباردة يساهم في تسليط الضوء على كيف تؤثر الحدود الجغرافية والأيديولوجية على العلاقات الدولية.
الأسباب التاريخية لتأسيس جدار برلين
تأسس جدار برلين في عام 1961، كعلامة بارزة على الانقسامات الجيوسياسية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. بعد انتهاء الحرب، انقسمت ألمانيا إلى قسمين؛ ألمانيا الغربية، المتمسكة بنظام ديمقراطي غربياً، وألمانيا الشرقية، التي اتبعت نهج الشيوعية بدعم من الاتحاد السوفيتي. كان هذا الانقسام تركيبياً يعكس الصراع الأوسع بين الكتلة الغربية والكتلة الشرقية، والذي عرف لاحقاً بالحرب الباردة.
الحرب الباردة كانت صراعاً أيديولوجياً بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، مما أثر بشكل كبير على الجغرافيا السياسية في أوروبا. شهدت السنوات اللاحقة للحرب نزاعات واحتكاكات متعددة، مما جعل الدولتين تسعيان لتوسيع نفوذها في أوروبا. هذه الظروف أدت إلى تزايد التوترات بين الألمان الشرقيين والغربيين، حيث بدأت تُظهر الفجوة بين نمط الحياة في الجانبين الفرق الشاسع في مستويات المعيشة والحرية السياسية.
أحد العوامل الرئيسية التي دفعت القيادة السوفيتية لبناء جدار برلين كان الهجرات الجماعية من الشرق إلى الغرب. في السنوات التي تلت الحرب، هاجر الملايين من الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية بحثاً عن حياة أفضل وحرية أكبر. هذه الظاهرة كانت بمثابة تهديد للشيوعية في الشرق، واعتبرتها القيادة السوفيتية خطراً على استقرار نظامها. وبالتالي، كان القرار ببناء الجدار بمثابة محاولة للحد من هذا النزيف البشري، الذي اعتقدوا أنه يمكن أن يضعف أسس النظام الاشتراكي في ألمانيا الشرقية ويعكس صورة سلبية عن الحياة تحت الحكم السوفيتي.
الحياة اليومية على جانبي الجدار
قبل بناء جدار برلين في عام 1961، كانت مدينة برلين تعكس تنوع الحياة اليومية في الحياة الغربية مقابل الحياة الشرقية. كانت برلين الغربية تُعتبر رمزًا للحرية والديمقراطية، بينما كانت برلين الشرقية مقرًا لنظام شيوعي يعتمد على السيطرة الحكومية. كان هناك فوارق واضحة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الجانبين، مما أثر بشكل كبير على حياة الناس في كلا المنطقتين.
في برلين الغربية، كانت الحياة اليومية مزدهرة نسبياً، إذ تمتع سكانها بمستوى معيشي مرتفع. كانت هناك فرص عمل متاحة، فضلاً عن حرية تنقل عالية. حيث كانت الخدمات الاجتماعية، مثل التعليم والرعاية الصحية، متطورة. هذا الأمر جعل برلين الغربية وجهة للعديد من الذين كانوا يحلمون بحياة أفضل. في المقابل، كانت الحياة في برلين الشرقية تتسم بالقيود الاقتصادية والاجتماعية. إذ كانت الحكومة تتحكم بشكل صارم في جميع جوانب الحياة، مما أدى إلى نقص الحريات الفردية وافتقار الخدمات الأساسية، كالتعليم الجيد والرعاية الصحية الفعالة.
لم تكن الفوارق الاقتصادية هي الوحيدة التي أثرت على سكان الجانبين؛ بل كانت هناك أيضاً فوارق ثقافية واضحة. ففي برلين الغربية، كان هناك ازدهار ثقافي يتضمن الفن والموسيقى والأدب، مما ساهم في ظهور حركة ثقافية حيوية. أما في برلين الشرقية، فكانت الفنون والثقافة تحت الرقابة الحكومية، حيث كان يُمنع العديد من الفنانين والمبدعين من التعبير عن آرائهم بحرية. بالتالي، كانت الحياة اليومية على جانبي الجدار تختلف بشكل واضح، حيث شكلت تلك الفوارق بؤرة للتوتر بين النظامين السياسيين. هذه الأمور كلها ساعدت في تكوين الهوية الثقافية والاجتماعية لكل من السكان في برلين الغربية والشرقية، والتي لم تكن فقط نتيجة للسياسات الحكومية بل أيضاً لتفاعل الأفراد والمجتمعات في البيئات المختلفة.
الأحداث الرئيسية التي أدت إلى سقوط الجدار
لقد كانت أحداث عام 1989 زمنًا محوريًا في تاريخ ألمانيا وأوروبا، حيث شهدت البلاد حراكًا شعبيًا يؤدي إلى نهاية العزلة التي عاشتها ألمانيا الشرقية. تتجلى أهمية هذه الأحداث في كونها تمثل نقطة التحول نحو الأمل والحرية. انطلقت الاحتجاجات في أنحاء مختلفة من ألمانيا الشرقية، حيث نظم المواطنون مسيرات واحتجاجات تطالب بالإصلاحات السياسية والحقوق المدنية. كانت هذه المظاهرات تتبع تأثيرات سياسية وعالمية أوسع، حيث بدأت الأنظمة الديمقراطية في الشرق الأوروبي في التهاوي، كانت الأحداث في بولندا وتفكك الكتلة السوفيتية، تؤكد على إمكانية التغيير.
كان من بين مظاهر المقاومة الشهيرة حركة “السبت الأسود”، التي اتسمت بتجمعات ضخمة بدعوة من جماعات المجتمع المدني. شجعت هذه التجمعات المواطنين على التظاهر ضد نظام ألمانيا الشرقية، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ خطوات قمعية. ومع ذلك، على الرغم من القمع، استمر المواطنون في النضال من أجل حريتهم، الأمر الذي أدى بدوره إلى تغيير اجتماعي كبير. تزايدت أعداد المشاركين في هذه المظاهرات بشكل ملحوظ، حيث وصل العدد إلى أكثر من 700,000 متظاهر في برلين في شهر نوفمبر عام 1989.
بالإضافة إلى ذلك، لعب تأثير الأحداث العالمية دوراً مهماً في تسريع هذا التحول. لم يكن تفكك الاتحاد السوفيتي مجرد حدث جغرافي، بل كان تعبيرًا عن أزمة هائلة في النظام الشيوعي برمته. بدأ الرئيس ميخائيل غورباتشوف اتخاذ خطوات نحو الإصلاح، مما أظهر نية الاتحاد السوفيتي للانسحاب من الهيمنة المشددة على الدول الشيوعية الأخرى، بما في ذلك ألمانيا الشرقية. هذا الانفتاح منح الألمان الشرقيين دفعة معنوية، حيث أدركوا أنهم ليسوا وحدهم في سعيهم نحو الحرية.
السقوط التاريخي للجدار: لحظة التغيير
في التاسع من نوفمبر عام 1989، شهد العالم حدثًا تاريخيًا غير مجرى التاريخ، وهو سقوط جدار برلين. هذا الجدار، الذي تم بنائه في عام 1961، لم يكن فقط فاصلًا ماديًا بين شرق وغرب برلين، بل كان أيضًا رمزًا للاختلاف الأيديولوجي الذي ميز فترة الحرب الباردة. في تلك الليلة، تم اتخاذ قرار غير متوقع من قبل السلطات في ألمانيا الشرقية، حيث أعلن أحد المتحدثين باسم حكومة ألمانيا الشرقية أن المواطنين يمكنهم عبور الحدود إلى الغرب بصورة حرة. هذا الإعلان، الذي جاء بشكل فعلي دون تحضير مسبق، أحدث صدمة كبيرة بين سكان برلين الذين توافدوا على الجدار.
رد فعل الناس كان فوريًا وعفويًا، إذ اندفع الآلاف من الأشخاص نحو الجدار، مما أدى إلى احتماع غير مسبوق من المواطنين الذين كانوا يتوقون للحرية والتغيير. بين مشاعر الفرح، الدهشة، والاعتقاد بقدوم عصر جديد، كان الحدث بمثابة إشارة قوية لنهاية القيود التي عانى منها العديد لسنوات طويلة. العديد من الأشخاص قاموا بتحطيم الجدار، بينما الآخرين احتفلوا برفع الأعلام وكتابة الرسائل على الجدران، في مشهد توحد فيه الجميع بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الاجتماعي.
شعور بالأمل والحرية طغى على تلك اللحظات التاريخية، حيث لم يكن السقوط مجرد حدث محلي وإنما كان له تأثيرات عالمية عميقة على العلاقات الدولية. فقد أظهرت الساعات القليلة القادمة بعد سقوط الجدار أن إرادة الشعوب لا يمكن كبحها، وأن التغيير ممكن حتى في أكثر الأنظمة قسوة. هذه اللحظة كانت بداية لعصر جديد من التاريخ الأوروبي، حيث أدت إلى إعادة توحيد ألمانيا، وتفكيك الكتل السياسية القديمة، وبروز نظام عالمي جديد يسعى للحرية والديمقراطية.
ردود الفعل العالمية على سقوط الجدار
أثار سقوط جدار برلين، الذي حدث في التاسع من نوفمبر عام 1989، ردود فعل واسعة على مستوى العالم. كانت تلك اللحظة علامة فارقة في التاريخ، حيث أشرقت أنوار الديمقراطية على العديد من دول أوروبا الشرقية، والتي كانت تخضع لفترات طويلة من النظام الشيوعي. فرح العديد من البشر في مختلف أنحاء العالم بعودة جدار برلين إلى الرمزية، حيث كان الجدار لفترة طويلة يفصل بين النظامين الديمقراطي والشيوعي.
في أوروبا الغربية، اعتبرت هناك اللحظة تاريخية تمثل نهاية حقبة الجدار، ما ساهم بشكل كبير في تعزيز العلاقات بين الدول الغربية وزيادة التعاون فيما بينها. كانت ردود الفعل من قادة السياسة الغربية إيجابية؛ حيث اعتبر العديد من القادة الغربيين أن سقوط الجدار هو نتيجة للسياسات الليبرالية والحرية، مما عزز الأمل في قدرة الشعوب على تحقيق التغيير. على الجانب الآخر، أثار هذا الحدث قلق بعض الدول الشيوعية، حيث كانت هناك مخاوف من أن تبعيات سقوط الجدار قد تؤدي إلى تآكل النظام الشيوعي في دولة أخرى.
بينما كانت التغييرات السياسية تجري بشكل متسارع في العديد من بلدان أوروبا الشرقية، مثل تأكيد تفعيل الديمقراطية في تشيكوسلوفاكيا وبولندا، كانت هذه الحركات تعكس التأثير المباشر لسقوط الجدار. تمثل الدافع وراء تلك التغييرات في السعي إلى تحسين حياة المواطنين، مما أدى إلى اضمحلال نفوذ الاتحاد السوفيتي. وقد ساعدت هذه الانتفاضات في إعادة تشكيل العلاقات الدولية، حيث أدى التوجه نحو الديمقراطية إلى استقرار أكبر في المنطقة وتعزيز التعاون مع الدول الغربية.
تداعيات سقوط الجدار على العلاقات الدولية
سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989، لم يكن مجرد حدث رمزي يعيد تشكيل المشهد السياسي في ألمانيا، بل كان بمثابة نقطة تحول رئيسية في العلاقات الدولية. كان لهذا الحدث تأثير جذري على النظام العالمي، حيث بدأ عصر جديد من التعاون الدولي بعد عقد من التوتر والصراع خلال الحرب الباردة. مع انهيار هذا الجدار، انتهت الفجوة التي كانت تفصل بين الشيوعية والرأسمالية، مما أتاح الفرصة لتفتح الأبواب أمام مجموعة من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية التي غيرت وجه العالم.
واحدة من أبرز التداعيات كانت الانفتاح على مفاوضات جديدة بين القوى العظمى. بعد سقوط الجدار، قامت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية بالتعاون مع الدول الشرقية السابقة لتحسين العلاقات وتعزيز الاستقرار في المنطقة. العديد من الاتفاقيات تم توقيعها، مثل معاهدات خفض الأسلحة النووية، مما أدي إلى تقليل التوتر العسكري وتعزيز الأمن الجماعي.
على الصعيد الاقتصادي، ساهمت هذه التطورات في تعزيز العولمة وتوفير فرص جديدة للتجارة. الدول التي كانت مغلقة خلف الجدار بدأت في الانفتاح على الأسواق العالمية، مما أدى إلى زيادة الاستثمارات وتبادل السلع والخدمات. هكذا، أرسى سقوط جدار برلين أساسًا لاستراتيجية جديدة من التعاون الاقتصادي الذي استمر لعقود، مؤديًا إلى تعديلات عميقة في الهياكل الاقتصادية العالمية.
علاوة على ذلك، بدأنا نشهد تغييرات في التحالفات الدولية، حيث تزايدت الشراكات بين دول كانت تُعتبر سابقًا خصومًا. هذه الديناميكيات اللاحقة أدت إلى تشكيل نظم جديدة من التعاون الأمني والسياسي، بما في ذلك منظمات مثل الناتو، التي توسعت لتشمل دولًا من شرق أوروبا، وهو ما ساهم في الحفاظ على السلام في المنطقة.
الجدار كرمز للتغيير: الدروس المستفادة
سقوط جدار برلين في عام 1989 لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل كان رمزاً للتغيير الذي اجتاح معظم القارة الأوروبية والعالم أجمع. تجسدت في هذه اللحظة أهمية الحرية والكرامة الإنسانية، حيث تمكن الناس من التغلب على الأنظمة القمعية التي كانت تفرض قيوداً مشددة على حقوقهم الأساسية. يتضح من خلال هذا الحدث التاريخي أن التغيير ممكن عندما يتمتّع الأفراد بالعزيمة والإرادة، حتى في وجه أصعب الظروف.
أول درس يمكن استخلاصه من سقوط الجدار هو أن الشعوب تمتلك القدرة على إحداث التغيير من خلال الوحدة والعمل الجماعي. تجمع الناس في ألمانيا الشرقية والغربية، متحدين في رغبتهم للحرية، أسفر عن تحويل مشهد كامل للأحداث. ساهم هذا السلوك في تعزيز فكرة الديمقراطية والحرية السياسية، مما ألهم حركات مشابهة في دول أخرى حول العالم.
علاوة على ذلك، يُظهر سقوط الجدار أهمية الحوار والتواصل بين الثقافات المختلفة. الأبعاد الإنسانية التي برزت خلال هذه الفترة أكدت على ضرورة التفاهم بين الأمم المختلفة. تعلمت الدول الدرس الذي مفاده أنه يجب أن تكون هناك مساحة لحوار مفتوح، حتى يتمكن الأفراد من التعبير عن آرائهم ومطالبهم دون خوف من العواقب.
في النهاية، يبرز سقوط جدار برلين كرمز للتغيير، حيث يقدم دروساً قيمة حول أهمية الحرية والكرامة الإنسانية، ودور التضامن والعزيمة في محاربة الظلم. تستمر هذه الدروس في التأثير على العالم حتى يومنا هذا، مما يطرح تساؤلات حول كيفية تعزيز وحماية الحقوق الإنسانية في سياقات مستقبلية.
الخاتمة: إرث جدار برلين في العصر الحديث
يبقى جدار برلين رمزًا قويًا للصراع والتقسيم الذي شهدته أوروبا خلال القرن العشرين. إذ يمثل الجدار، الذي اندثر عام 1989، أكثر من مجرد حدود جغرافية؛ بل هو رمز لمجموعة من الأفكار والمشاعر التي عانت منها شعوب الشرق والغرب. بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على انهياره، لا يزال يتم تذكاره في الثقافة الشعبية، حيث يشاهد الناس معالم جدار برلين من خلال الأفلام، والأغاني، والمعارض الفنية، التي تركز على تأثيره العميق على التاريخ الأوروبي والعالمي.
تتمثل إحدى الطرق الرئيسة التي يتم من خلالها تذكر جدار برلين في احتفالات الذكرى السنوية التي تقام في مواقع مختلفة. هذه الفعاليات تعزز الوعي بتاريخ الجدار وتجعل من تجربته فرصة لدراسة الدروس المستفادة من الصراعات السياسية والاجتماعية. أيضًا، يستمر الجدار في أن يكون محورًا للنقاشات حول حرية التعبير وحقوق الإنسان، مما يجعل إرثه حاضرًا في السياقات الحديثة. الرموز والتصميمات المستوحاة من الجدار يمكن العثور عليها في متاحف متنوعة وفي الأماكن العامة، مما ينقل رسالة مستمرة حول أهمية الوحدة والتفاهم بين الثقافات المختلفة.
علاوة على ذلك، تتيح لنا تجارب الماضي المتعلقة بجدار برلين الفرصة للتفكر في كيفية بناء مستقبل أفضل. الدروس المستفادة من انهياره توضح لنا أهمية الحوار والتعاون بين الدول والمجتمعات. يمكن أن يكون الجدار رمزًا للإصرار على إحداث التغيير الإيجابي، مع التركيز على تعزيز القيم الإنسانية وتقبل الاختلافات. وفي هذا السياق، يصبح من الواضح أن تذكار الجدار ليس مجرد وقفة أمام تاريخ مرير، بل هو دعوة للمساهمة في عالمٍ أكثر انفتاحًا وتسامحًا.
روت الإسرائيلية اليزابيث تسوركوف، وللمرة الاولى تفاصيل تجربة خطفها في العراق لأكثر من عامين، بما في ذلك ظروف احتجازها حيث لم تر الشمس نهائيا، بما في ذلك عمليات التعذيب والتنكيل الجسدي والنفسي والتهديد الجنسي ضدها، فضلا عن الكشف عن مقر احتجازها الذي كان قرب الحدود العراقية – الإيرانية.
وجاء ذلك في رواية قدمتها تسوركوف لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، حيث تحدثت عن اعترافها بارتباطها بالمخابرات العسكرية الاسرائيلية في الماضي، وعن توجيهها رسالة مشفرة بتعابير عبرية مضللة عندما جرى تصويرها، وانها كانت محتجزة في منطقة قريبة من الحدود الايرانية لانها شعرت احيانا بقوة الغارات الاسرائيلية خلال الحرب، كما وصفت كيف كبلوا يديها وعلقوها في السقف وانهالوا عليها ضربا الى ان فقدت الوعي، كما اكدت تعرضها للصعق بالكهرباء واجبراها على اتخاذ اوضاع تسببت بآلام لها في ظهرها وكتفيها، وعندما كانت فقدت وعيها، كانوا يصبون الماء على وجهها لايقاظها.
واشارت "نيويورك تايمز"، إلى أن خطف تسوركوف (38 عاما)، وحبسها انفراديا، كان بمثابة ماراثون من العذاب النفسي، إلا أن الاكثر ايلاما كانت الشهور الاولى، حيث عانت من الضرب المتكرر على يد خاطفيها، بالاضافة الى الاعتداء الجنسي ونقلت الصحيفة عنها قولها "ضربوني بالسياط في كل مكان. استخدموني ككيس ملاكمة".
ونقل التقرير عن تسوركوف قولها انها كانت محتجزة لدى كتائب حزب الله، مشيرة الى انها قررت مشاركة قصتها لاسماع صوت العراقيين الذين تعرضوا للتعذيب على يد هذه الجماعة.
وبحسب التقرير، فان إفادة تسوركوف تتوافق مع افادة الطبيب الذي عالجها في "مركز شيبا الطبي" حيث لفت الى انها عانت من تلف اعصاب قد يكون دائما، في حين ان سجلاتها الطبية تظهر تعرضها لاصابات جسيمة ناجمة عن التعذيب، والى حاجتها الى "تأهيل جسدي ونفسي طويل" بسبب "الاضرار الجسيمة والصدمات المعقدة".
ولفت التقرير، إلى أن مسؤولين امريكيين واسرائيليين يؤكدون ان كتائب حزب الله هي من اختطفت تسوركوف وعذبتها، رغم انهم لا يعرفون كل التفاصيل، بينما اكد مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، التزامه "بمحاسبة اي طرف او فرد متورط في اعمال اختطاف او تعذيب".
وبحسب التقرير فإن مصير تسوركوف سرعان ما تبدل أسوة برهائن اخرين، تحت وطأة الضغوط الدبلوماسية، حيث اثبتت إدارة دونالد ترمب فعاليتها من خلال ضغوطها على كبار المسؤولين العراقيين حول قضيتها، اذ ارسلت مبعوثين الى بغداد، وذلك بمشاركة حاسمة من مارك سافايا، رجل اعمال وصديق ترمب، الذي رافقها على متن رحلة جوية الى قبرص، حيث نقلت الى طائرة عسكرية اسرائيلية لنقلها الى اسرائيل.
ونقل التقرير عن تسوركوف قولها "اعتقد انني كنت ساموت لو لم يتدخلوا بثبات وعزيمة مذهلة".
الاختطاف
وقال التقرير، إن قرار تسوركوف بدخول العراق كان محفوفا بالمخاطر، مشيرا الى انها زارت العراق عدة مرات، لاجراء بحوث عن الحركة التي يقودها رجل الدين مقتدى الصدر، وانها كانت تتخذ دائما احتياطاتها: السفر بجواز سفرها الروسي، وتقديم نفسها على انها روسية، وتجنب الاتصال بالجماعات المسلحة.
واوضح التقرير، انه في 21 مارس/اذار 2023، خططت تسوركوف للقاء امرأة في مقهى حوالي الساعة 9 مساء في وسط بغداد، حيث عرفت المرأة عن نفسها عبر واتساب، طالبة المساعدة في ابحاثها حول تنظيم داعش، وقالت ان لديهما صديقا مشتركا، إلا أن المرأة لم تأت، ولهذا شعرت تسوركوف ان ان الموعد كان خدعة، وعندما كانت تسير نحو منزلها، توقفت سيارة رياضية متعددة الاستخدامات سوداء اللون بجانبها، واجبرها عدة رجال على الجلوس في المقعد الخلفي. وبحسب تسوركوفا، فانها استغاثت محاولة الهرب، لكن الخاطفين ردوا عليها بالضرب و"الاعتداء الجنسي"، لكن "نيويورك تايمز" قالت انها امتنعت عن الكشف عن طبيعة هذا "الاعتداء الجنسي".
وبحسب تسوركوف، فقد بدأ الخاطفون "يلوون خنصري، وكادوا ان يكسروه. لذلك اعتقدت ان لا جدوى من المقاومة". واشارت الا ان الخاطفين قيدوا يديها بشريط لاصق، ووضعوا كيسا على راسها، وصادروا هاتفها، ثم لاحقا اجبروها على دخول صندوق السيارة، الى ان وصلوا بعد نصف ساعة تقريبا الى منزل كبير، الذي امضت فيه 4 شهور ونصف، في غرفة بلا نوافذ مزودة بكاميرتين، وتعاني من سوء التغذية والوحدة.
ولفت التقرير، إلى أن الخاطفين لم يكونوا في البداية يعرفون انها اسرائيلية، حيث بدا انهم اختطفوها طلبا لفدية، الا انه بعد مرور شهر عثروا على دليل على هويتها الاسرائيلية على هاتفها، فاتهموها بانها جاسوسة اسرائيلية، وهو ما نفته، كما فعل مسؤولون اسرائيليون تحدثوا لـ"نيويورك تايمز".
واشار الى ان تسوركوف توسلت الى الخاطفين لكي يقرأوا منشوراتها ومقالاتها العديدة على الانترنت التي تدعم الحقوق الفلسطينية وتنتقد الحكومة الاسرائيلية. الا انهم لم يقتنعوا. وتابعت انه، عند عدم اعترافها جرى تعليقها وتعذيبها، وانها سرعان ما بدأت تقدم لخاطفيها اعترافات ملفقة لوقف ضربها.
وبحسب التقرير، فان تسوركوف ركزت على اختلاق "اعترافات" مقنعة لا تعرض العراقيين للخطر، وكان اول اعتراف لها انها التقت بصحفي فرنسي في مقهى ببغداد قبل عامين لتنظيم تظاهرات مناهضة للحكومة. وتابع انه بدا ان المحققين معها اقتنعوا بها، لانها بعدما بعد اخبرتهم بهذه القصة، انزلوها من وضعية التعليق، وسمحوا لها بالجلوس، واطعموها، وطلبوا منها الراحة.
وتابع التقرير انه في وقت لاحق من ذلك اليوم، تحسس كبير السجانين، المعروف لدى الاخرين باسم "العقيد" وشما على فخذها وهددها بالاغتصاب. وقالت تسوركوف عنه انه "كان قذرا جدا ومهووسا بالجنس".
ومع ذلك، قالت تسوركوف ان المحققين هددوها باستمرار بمثل هذه التهديدات، الا انهم لم ينفذوها.
ولفت التقرير الى ان احد اسوأ ايام التعذيب كان في يوليو/تموز 2023، عندما سألها الخاطفون عن خدمتها في اسرائيل، حيث كذبت على خاطفيها، خشية مما سيحدث اذا علموا بالحقيقة، وقالت انها أدت خدمتها في مستشفى.
لكن تسوركوف اقرت لـ"نيويورك تايمز" بانها انها كانت مجندة برتبة منخفضة في مديرية المخابرات العسكرية قبل عقدين من الزمن.
وبحسب تسوركوف، فان اثنين من سجانيها، المعروفين باسم "ابراهيم" و"ماهر"، ضربوها مرارا وتكرارا، حتى قالت الحقيقة في النهاية. واشارت تسوركوف الى فراغ في فمها قائلة "هذا السن مفقود لهذا السبب".
وذكر التقرير انه بعد شهر من إعلان الحكومة الاسرائيلية اول اعتراف علني بأن تسوركوف مفقودة في 5 يوليو/تموز 2023، جرى نقلها دون سابق انذار او تفسير الى مكان اخر. وبحسب تسوركوف، فان نقلها كان بمثابة نعمة من الله، لان آسريها الجدد لم يعذبوها واحضروا ممرضا للعناية بها، كما جلبوا لها الكتب والدفاتر وجهاز تلفزيون، وكانت هناك وفرة بالطعام وبتنوعه.
وتابع التقرير انه في يونيو/حزيران 2024، قاموا بتجديد مسكنها، مما اتاح لها الوصول الى مطبخ وحمام، الا انها كانت لا تزال في حبس انفرادي، في غرفة بلا نوافذ في الطابق الثالث، "ولم ترى الشمس ابدا"، وظلت على هذا الوضع لاكثر من عامين.
قرب حدود ايران
وذكر التقرير ان تسوركوف والمسؤولين الاسرائيليين يعتقدون انها كانت محتجزة في قاعدة لكتائب حزب الله قرب الحدود الايرانية، في منطقة خارجة عن سيطرة الحكومة العراقية. ونقل عن تسوركوف قولها انه خلال حملة القصف الاسرائيلي التي استمرت 12 يوما على ايران، كان المبنى يهتز بتأثير من بعض الضربات القريبة.
وتابع التقرير انه بعد بعد وصولها الى القاعدة بفترة قصيرة، اقترح الممرض عليها ان تكتب عن تجربة التعذيب، وهو تمرين وجدت تسوركوف انها يساعدها على التعافي. ونقلت عن "القائد" قوله ان ضرب النساء "حرام". وتابعت انها اخبرتهم لاحقا ان اعترافاتها كاذبة، وانهم بدوا وكانهم يصدقونها.
واشار التقرير بان تسوركوف ظهرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في مقطع فيديو عرض على التلفزيون العراقي، ما شكل اول دليل على انها لا تزال على قيد الحياة.
وتابع ان تسوركوف أمرت بما يجب ان تقوله، وتحدثت باللغة العبرية بانها تعمل لصالح المخابرات الاسرائيلية ووكالة المخابرات المركزية الاميركية، انها استخدمت رسائل مشفرة لنقل القسوة التي تعرضت لها.
وتابع التقرير ان تسوركوف لكي تشير الى تعرضها للصعق الكهربائي، ادعت كذبا انها كانت تعيش في حي جان هاشمال، موضحا ان "هاشمال" تعني الكهرباء بالعبرية. واشار الى انها اختلقت اسماء لمديري المخابرات المفترضين لديها، مستخدمة كلمات متلاعبة بالفاظ "التعذيب" بالعبرية والانجليزية والروسية، بما في ذلك "ايثان نويما" حيث يبدو ان اسم E. Nuim يشبه كلمة “inuim”، وهي الكلمة العبرية التي تعني التعذيب.
لكن التقرير لفت الى ان هذه المصطلحات لم تظهر في مقطع الفيديو الذي جرى بثه.
وكانت تسوركوف، كما قال التقرير، تعاني من الم مستمر جراء اصاباتها، وبدأت تشعر باليأس وتشكك في جدوى البقاء حية، الا انها ظلت تعمل حول اطروحتها الجامعية وتدوين الملاحظات وافكار حول مقالات ستكتبها، وكانت تشاهد على التلفزيون لمحات عابرة لاشخاص يناضلون من اجل اطلاق سراحها، بما في ذلك احدى شقيقاتها اثناء مقابلتها، وهو ما رفع معنوياتها.
اطلاق سراحها
وذكر التقرير ان تسوركوف نقلت معصوبة العينين من القاعدة الى موقع آخر، مشيرة الى ان الامر كان مفاجئا لدرجة انها تركت دفتر ملاحظاتها الذي يحتوي على خطط الدكتوراه، ثم في اليوم التالي، 9 سبتمبر/ايلول، بعد 903 ايام من الاسر، اقتيدت الى مراب في بغداد وسلمت الى مسؤول عراقي في سيارة كانت تنتظرها.
وتابع التقرير ان المسؤول قال لها باللغة الانجليزية انها الان بامان في ايدي الحكومة العراقية، وتم نقلها الى دار ضيافة فخمة حيث تم فحصها من قبل طبيبات عراقيات، حيث كانت هذه اول امرأة على اتصال بها منذ اختطافها.
واضاف التقرير ان رجلا تبين انه سافايا، دخل الى دار الضيافة وقدم نفسه لها على انه صديق لترمب، لافتا الى ان سافايا كان احد الاشخاص الذين تنسب اليهم تسوركوف الفضل الاكبر في اطلاق سراحها.
ونقل التقرير عن سافايا قوله انه ابلغ رئيس الوزراء العراقي السوداني، "بضرورة حل هذه المشكلة الكبيرة" واطلاق سراح تسوركوف.
وذكر التقرير ان تسوركوف ومنذ عادت مع عائلتها، تحاول جمع خيوط قصة اطلاق سراحها. متابعا أن اسرائيل طلبت المساعدة الامريكية، واصبح ادم بوهلر، المبعوث الامريكي لشؤون الرهائن، مناصرا قويا، حيث شن حملات على وسائل التواصل الاجتماعي وتحدى السوداني لبذل المزيد من الجهد، مشيرا الى ان بوهلر اقتحم اجتماعا في بغداد مع السوداني، دون دعوة، وذلك وفقا لثلاثة اشخاص مطلعين على المسألة تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم.
وتابع التقرير ان المستشار الكبير في وزارة الخارجية الامريكية مسعد بولس، كان قد التقى عائلة تسوركوف في ربيع العام الماضي، ووعدهم بالسعي للعثور على اي اثر لها.
وبحسب تسوركوف، واثنين من اشقائها، فان سافايا اخبرهم بعد ايام من اطلاق سراحها انه ابلغ السوداني بانه اذا لم يطلق سراحها خلال اسبوع، فان الولايات المتحدة ستستهدف الكتائب.
ونقل التقرير عن تسوركوف قولها، انها تعتقد ان اغتيالات اسرائيل على مدار العام الماضي لكبار المسؤولين اللبنانيين في حزب الله وحماس والمسؤولين الايرانيين، قد ازعجت الكتائب، وانها اصبحت عبئا عليهم اكثر من كونها رصيدا.
لكن التقرير اشار الى ان سافايا نفى توجيه مثل هذا التهديد. وتابع التقرير ان البيت الابيض لم يعلق مباشرة على انخراط سافايا، قائلا في بيان ان ترمب "قلق دائما بشأن الامريكيين المحتجزين في الخارج" وانه "مستعد للاستفادة من قوة بلادنا ومهاراته التفاوضية للتدخل في هذه القضية".
اما مكتب رئيس الوزراء العراقي، فقد قال بحسب "نيويورك تايمز" ان "جهودا دبلوماسية وانسانية معقدة" من قبل جهات عراقية رسمية ادت الى اطلاق سراحها، مضيفا ان "التهديدات او الضغوط الخارجية لا علاقة لها بالقرار العراقي".
وختم التقرير بالاشارة الى انه بعد اطلاق سراحها، ظهر بيان على حساب "تيليجرام" باسم ابو علي العسكري، المتحدث باسم الكتائب، عن تسوركوف، حيث لم تعترف الجماعة باختطافها، لكنها سردت تفاصيل "اعترافاتها" وحددت هوية "ايثان نويما"، الشخصية الخيالية التي ابتكرتها، كمدير لها، كما لو كانت معلومة استخباراتية قيمة. واضاف التقرير ان ادعاء العسكري أثار سخرية تسوركوف التي قالت انه "قدم دليلا واضحا على ان الجماعة كانت تحتجزها".