مرةً أخرى، وفي محطة جديدة، تجتمع القوتان العظميان في العالم على طاولة الحوار في مسقط، عاصمة سلطنة عُمان، في محاولة لحماية نفسيهما من حربٍ طويلة قد تصل إلى حدّ الحسم الشامل.

إن تاريخ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في جوهره، حافل بالإخفاقات وعدم الوصول إلى نتائج، ولا يشكّل سوى قدرٍ ضئيل من الأمل بإمكانية التفاهم والالتقاء. ويأتي هذا الاجتماع في وقت تمرّ فيه المنطقة، بعد حرب الأيام الاثني عشر في شهر حزيران، بتحولات سياسية وعسكرية جديدة.

نصف قرن من انعدام الثقة:
تُعرَف العلاقات بين واشنطن وطهران منذ قرابة خمسين عاماً بانعدام الثقة والتصادم الأيديولوجي. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 واقتحام السفارة الأميركية، مروراً بانسحاب دونالد ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي (JCPOA)، وصولاً إلى اغتيال قاسم سليماني بطائرة مسيّرة أميركية عام 2020، اقترب البلدان مراراً من حافة حربٍ شاملة.

معادلات ما بعد حرب الأيام الاثني عشر:
تختلف جولة المفاوضات الحالية لأنها تأتي عقب حرب حزيران الأخيرة التي استمرت 12 يوماً، والتي شنّت خلالها الطائرات الأميركية والإسرائيلية هجمات على البنى النووية والدفاع الجوي والصاروخي الإيراني، فيما ردّت طهران بضربات مكثفة استهدفت مدناً إسرائيلية وقواعد عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه إيران أنها تمرّ بأقوى مراحلها التاريخية، ترى واشنطن نفسها في أضعف أوضاعها نتيجة موجات الاحتجاج وعدم الاستقرار الداخلي خلال الفترة الماضية.

تبس ورسالة عراقجي غير المباشرة إلى واشنطن:
تشير بيانات تتبع الطيران إلى أن الطائرة التي أقلّت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط انطلقت من منطقة “تبس”، وهي ذاتها التي شهدت عام 1980 فشل عملية “مخلب النسر” الأميركية لتحرير الرهائن. ويُفسَّر هذا المسار كرسالة رمزية عن القوة والتفوق الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة.

مقترح الوسطاء: تجميد لثلاث سنوات:
وفقاً لمصادر إعلامية دولية، تقدّمت كل من قطر ومصر وتركيا بمقترح لطهران ينص على التزام إيران بـ“تصفير تخصيب اليورانيوم” لمدة ثلاث سنوات، على أن لا تتجاوز نسبة التخصيب بعدها 1.5%.

في المقابل، تسعى واشنطن إلى توسيع المفاوضات لتشمل ملف الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة، بينما تصرّ طهران حتى الآن على حصر النقاش بالملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية.

ماذا يقول المشاركون والأطراف الدولية؟
يشارك في وفد الولايات المتحدة كل من ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب، وجاريد كوشنر صهره، إلى جانب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

ولا تقتصر أهمية هذه المفاوضات على الطرفين فحسب؛ إذ تراقب روسيا والصين والاتحاد الأوروبي التطورات عن كثب، خشية أن يؤدي فشلها إلى تداعيات خطيرة على الأمن والاقتصاد العالميين.

وتواصل موسكو وبكين، المرتبطتان بعلاقات وثيقة مع طهران، انتقاد سياسة “الضغط الأقصى” الأميركية والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية.

مخاطر فشل المفاوضات:
إذا وصلت هذه المحادثات إلى طريق مسدود، فإن خطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة سيزداد، وهي حرب قد لا تقتصر على إيران والولايات المتحدة، بل تمتد لتشمل المنطقة والعالم.

وبالنسبة للشعب الإيراني الذي يرزح تحت وطأة العقوبات، فإن فشل الدبلوماسية يعني مستقبلاً أكثر غموضاً وقسوة، بينما سيعني للولايات المتحدة وإسرائيل مواجهة ضربات صاروخية إيرانية مكثفة تطال مصالحهما.

رسائل الأطراف قبل انطلاق المفاوضات:
أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده حضرت بنية حسنة، مؤكداً أن “الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة يجب أن يشكلا أساس أي اتفاق”.

في المقابل، تحذّر واشنطن من أن ترامب يمتلك، إلى جانب الدبلوماسية، خيارات عسكرية متعددة، وقد دعت مواطنيها، قبيل المفاوضات بقليل، إلى مغادرة إيران فوراً.

العالم يترقّب:
فهل ستتحول مفاوضات مسقط إلى بذرة سلام واتفاق جديد، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تسبق عاصفة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط؟