للغة الأم.. يوم عالمي يبرّ بها
٢١ فبراير ٢٠٢٦
شهد المشهد اللغوي تحولات عميقة في السنوات الأخيرة، صاغتها زيادة الهجرة، والتطور السريع في التقانات، وتنامي الإقرار بالفوائد المعرفية والاجتماعية والاقتصادية للتعدد اللغوي. ولم يعد التعدد اللغوي يُفهم اليوم بوصفه واقعا اجتماعيا فحسب، بل بوصفه سمة إنسانية أصيلة ونهجا تعليميا فاعلا. ويضطلع الشباب بدور حيوي في هذا المسار، بدفاعهم عن اللغات وإحيائها، وإنتاجهم محتوى رقميا، وتسخيرهم التقانة لإبراز التنوع اللغوي وتعزيز مكانته. وتُرسّخ هذه الجهود الصلة العميقة بين اللغة والهوية والتعلّم والرفاه والمشاركة المجتمعية، وتُبرز في الوقت نفسه الحاجة إلى نُظم تعليمية تعترف بلغات المتعلمين وتدعمها.
وفي الوقت ذاته، لم تزل تحديات جسيمة قائمة، إذ يفتقر 40 في المائة من المتعلمين في أنحاء العالم إلى إتاحة التعليم بلغة يفهمونها على أفضل وجه، ويتأثر بذلك على نحو خاص شباب الشعوب الأصلية والمهاجرون وأبناء الأقليات. وتستلزم معالجة هذه الفجوة اعتماد سياسات وممارسات تعليمية تجعل التعليم المتعدد اللغات في صميمها، بما يعزز الإدماج والإنصاف والتعلّم الفاعل للجميع. وبالمضي قدما في تنفيذ تدابير ملموسة، وتبادل الخبرات الواعدة، وإذكاء الحوار بين الشباب والمربين وصانعي السياسات، تُتيح المبادرات العالمية فضاءات لتبادل الأفكار واستنباط حلول تعزز التنوع اللغوي في المدارس والمجتمعات حول العالم.
اليوم الدولي للغة الأم، الذي أعلنته يونسكو أولا ثم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة لاحقا، يُبرز دور اللغات في تعزيز الإدماج وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. فالتعليم المتعدد اللغات لا يسهم في بناء مجتمعات جامعة فحسب، بل يعين كذلك على صون اللغات غير المهيمنة ولغات الأقليات والشعوب الأصلية. وهو ركيزة رئيسة لكفالة تكافؤ فرص الحصول على التعليم وإتاحة فرص التعلّم مدى الحياة لجميع الأفراد.
صون التنوع اللغوي
تكتسب اللغات، بما تنطوي عليه من أبعاد متشابكة للهوية والتواصل والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية، أهمية استراتيجية للإنسان والكوكب. غير أنها، بفعل مسارات العولمة، باتت مهددة على نحو متزايد، بل آخذة في الاندثار. ومع أفول اللغات يتلاشى النسيج الغني للتنوع الثقافي في العالم، وتُفقد فرص وتقاليد وذاكرة وأنماط فريدة للتفكير والتعبير، وهي موارد ثمينة لضمان مستقبل أفضل.
وتختفي لغة كل أسبوعين، حاملة معها تراثا ثقافيا وفكريا كاملا. وتقدّر يونسكو عدد اللغات المنطوقة أو المستخدمة بالإشارة بـ 8,324 لغة، لا يزال نحو 7,000 منها متداولا. ولم يُتح سوى لبضع مئات من اللغات مكان فعلي في النظم التعليمية والمجال العام، في حين تُستخدم أقل من مائة لغة في العالم الرقمي.
وتقوم المجتمعات المتعددة اللغات والثقافات على لغاتها، التي تنقل المعارف التقليدية والثقافات وتصونها على نحو مستدام.
ويُحتفى باليوم الدولي للغة الأم سنويا لتعزيز التنوع اللغوي والثقافي والتعدد اللغوي بموجب قرار 262/56.
معلومات أساسية
أعلنت الدورة العامة للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) اليوم الدولي للغة الأم في تشرين الثاني/نوفمبر 1999، وجاءت فكرة الاحتفاء به بمبادرة من بنغلاديش. ورحبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان هذا اليوم في قرارها الصادر في عام 2002.
وفي 16 أيار/مايو 2007، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها 266/61، الدول الأعضاء إلى «تعزيز صون جميع اللغات التي تستخدمها شعوب العالم وحمايتها». وبالقرار نفسه، أعلنت الجمعية العامة عام 2008 سنة دولية للغات، بهدف تعزيز الوحدة في إطار التنوع والتفاهم الدولي، بفضل التعدد اللغوي والتعدد الثقافي، وسمّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة وكالةً رائدة لتلك السنة.
وتتنامى اليوم القناعة بالدور الحيوي الذي تؤديه اللغات في التنمية، وفي كفالة التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات، وكذلك في تعزيز التعاون وبلوغ تعليم جيد للجميع، وبناء مجتمعات معرفة جامعة، وصون التراث الثقافي، وحشد الإرادة السياسية لتطبيق منافع العلم والتقانة في سياق التنمية المستدامة.
ويُحتفل بهذا اليوم الدولي سنويا لتعزيز التنوع اللغوي والثقافي وتعدد الألسن.


