موازنات فوق الانفجارية والتعليم يتراجع!
علي قاسم الكعبي
16 أكتوبر 2023
علي قاسم الكعبي
16 أكتوبر 2023
في اقليم كوردستان… حيث لا شيء يُدار بشكل كامل ولا شيء يُترك بشكل كامل، وُلد نموذج إداري جديد يمكن تسميته “الحضور الغائب”.
وزارة التعليم العالي قالت كلمتها بوضوح "عودوا إلى الجامعات" كأن المعرفة لم تُصاب بالذعر وكأن القاعات محصّنة ضد القلق. قرار حاسم يشبه إعلان بدء مسرحية… لكن نصف الممثلين لم يصلوا بعد.
أما وزارة التربية فاختارت أن تكتب نصاً مختلفاً تماماً. قالت للطلاب "أنتم أحرار احضروا أو لا تحضروا، املؤوا استمارة واتركوا الباقي على الله أو على الإنترنت". الغياب ليس غياباً والحضور ليس حضورا وكل شيء معلق بين “نعم” و”لا” كأننا في درس فلسفة لا في يوم دراسي.
لكن وسط هذا المشهد العبثي يقف "المعلم" ذلك الكائن الذي لم يُستشر ولم يُعفَ ولم يُمنح حتى حق الحيرة. يُطلب منه أن يكون حاضراً وأن يشرح و يبتسم وأن يتصرف وكأن الأمور طبيعية… بينما كل شيء حوله يقول عكس ذلك.
المعلم الذي يُفترض أن يكون مصدر الأمان أصبح هو نفسه يبحث عنه.
فإذا وقع ما لا يُحمد عقباه "لا سمح الله" من سيكون المسؤول؟
هل هي الوزارة التي قالت “عودوا”؟
أم الوزارة التي قالت “أنتم أحرار”؟
أم ولي الأمر الذي وقّع إلكترونياً؟
أم الطالب الذي لم يأتِ أصلاً؟
أم المعلم… لأنه كان هناك في المكان الخطأ وفي الوقت الذي قرر فيه الجميع أن لا يقرروا؟
إنها تراجيديا القرار المنقسم… حيث تتوزع المسؤولية حتى تختفي وتُمنح الحرية حتى تتحول إلى عبء ويُترك الإنسان وحيدا في مواجهة “نظام” لا يعترف به كاملاً ولا يتخلى عنه كاملاً.
في اقليم كوردستان اليوم يبدو أن الخطر ليس في القرار بل في نصف القرار.
ليس في الغياب بل في الحضور الذي لا يحمي.
وليس في السؤال بل في غياب من يجرؤ على الإجابة.
حفظ الله كردستان…
من قرارات تُكتب بالحبر
لكن تُنفذ بالممحاة
تسمية المطارات في العالم ليست مجرد إجراء إداري أو خيار بروتوكولي عابر، بل هي فعل رمزي عميق تختزن فيه الدول سرديتها الوطنية، وتقدم عبره شخصياتها الجامعة بوصفها علامات دالة على تاريخها السياسي والأخلاقي. ففي مدن العالم، تحمل المطارات أسماء قادة تركوا بصمات حاسمة في بناء دولهم، مثل جون إف كينيدي في نيويورك، وشارل ديغول في باريس.
كما يحمل مطار نيلسون مانديلا الدولي في كيب تاون، عاصمة جنوب أفريقيا، اسم أحد أبرز رموز النضال الإنساني، بل إن اسم مانديلا لم يقتصر على جنوب أفريقيا، إذ يوجد مطار آخر باسمه في عاصمة دولة الرأس الأخضر. وفي هذا السياق، تأتي تسمية مطار السليمانية الدولي باسم مطار جلال طالباني الدولي بوصفها خطوة ذات دلالات سياسية ووطنية تتجاوز الإطار المحلي إلى المعنى العراقي الأوسع.
إن هذه التسمية لا يمكن اختزالها في بعدها الحزبي، ولا قراءتها ضمن حدود الانتماء التنظيمي، فشخصية جلال طالباني (مام جلال) تجاوزت، خلال مسيرتها الطويلة، تعريفات الحزب والإطار الضيق، لتتحول إلى رمز وطني عراقي جامع. ولعل وصفه من قبل مرجعيات دينية وسياسية متعددة، داخل العراق وخارجه، بـ”صمام أمان العراق”، لم يكن توصيفا مجازيا، بل تعبيرا عن دور فعلي مارسه في أكثر مراحل البلاد تعقيدا واضطرابا.
لقد ارتبط اسم مام جلال بمحطات مفصلية في تاريخ العراق الحديث، بدءا من نضاله المبكر دفاعا عن الحقوق القومية للشعب الكردي، مرورا بإسهامه في صياغة مشروع ديمقراطي عراقي يقوم على التعددية السياسية، وصولا إلى دوره المحوري في ترسيخ مبادئ الدستور العراقي بعد عام 2003. فقد كان من أبرز المدافعين عن بناء دولة تقوم على المواطنة، واستقلال القضاء، وفصل السلطات، وتكريس النظام الفيدرالي بوصفه إطارا دستوريا ضامنا لحقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها حقوق إقليم كردستان.
الأهمية الأعمق لشخصية مام جلال لا تكمن فقط في مواقفه السياسية أو إنجازاته الدستورية، بل في قدرته الاستثنائية على لعب دور الوسيط الجامع بين الأطراف المتنازعة. فالجميع على دراية بأنه، في ذروة لحظات الاحتقان الطائفي والسياسي، كان حضوره بمثابة عامل توازن، يسهم في تهدئة الأزمات ومنع انزلاق البلاد نحو صراعات داخلية مفتوحة. وقد مارس، بحق، دورا أبويا في إدارة الخلافات، مستندا إلى حنكته السياسية ورصيد من الثقة المتبادلة مع مختلف القوى العراقية، ما جعله أحد أبرز الضامنين لوحدة العراق الوطنية في مرحلة ما بعد التغيير.
ومن هنا، فإن إطلاق اسمه على مطار السليمانية الدولي يحمل رسالة وفاء لذاكرة نضالية حافلة، وتأكيد على نموذج سياسي يحتاجه العراق في حاضره ومستقبله. ولكن مع ذلك، فإن من المشروع طرح تساؤل وطني أوسع: ألم يكن من الأجدر أن يحمل مطار بغداد الدولي اسم جلال طالباني؟ فالشخصية التي وُصفت من قبل المرجعيات والسياسيين والمثقفين بأنها “صمام أمان العراق”، تستحق – بما قدمته للعراق كله – أن يرتبط اسمها بعاصمة البلاد، لا بمدينة واحدة. لأنه كان رئيسا يليق بالعراق، جامعا لا مفرقا، ورمزا يمكن أن يكون اسمه مصدر فخر لأي مؤسسة سيادية، سواء في بغداد أو في إقليم كردستان.
ومع ذلك، فإن تسمية مطار السليمانية باسمه تظل خطوة ذات قيمة كبيرة، تعكس تقديرا مستحقا، وتؤسس لثقافة تكريم الرموز الوطنية في الفضاء العام. فالمطار، بوصفه بوابة المدينة إلى العالم، لا يستقبل المسافرين فحسب، بل يقدم أيضا رواية عن هوية المكان وقيمه، وعن الشخصيات التي ساهمت في تشكيل ملامحه.
إن مطار جلال طالباني الدولي ليس مجرد اسم جديد على لافتة، بل هو عنوان لمرحلة، واختزال لمسيرة، ورسالة سياسية مفادها أن العراق، بكل تنوعه، قادر على إنتاج شخصيات جامعة تتجاوز الانقسامات، وتؤسس لمعنى الدولة بوصفها إطارا مشتركا للجميع.
وفي زمن تتكاثر فيه عوامل الانقسام، تبدو مثل هذه الرموز ضرورة وطنية، لا ترفا سياسيا؛ فالأمم التي تكرم شخصياتها الجامعة، إنما تعيد إنتاج قيمها، وتمنح ذاكرتها بعدا حيا في الحاضر، وتفتح في الوقت ذاته أفقا لمستقبل أكثر توازنا واستقرارا.
فألف تحية واعتزاز لروح مام جلال الطاهرة، ولمآثره الوطنية التي ستبقى حاضرة في وجدان العراقيين، وتحية تقدير لكل من ساهم في إنجاز هذه التسمية، وفي مقدمتهم مؤسسة الرئيس جلال طالباني، ومؤسسات الدولة العراقية الاتحادية التي خطت بهذه الخطوة لترسيخ ثقافة الوفاء لرموزها الجامعة.
ومبروك للسليمانية أيضا على هذا الاسم لمطارها الدولي وبوابتها على العالم.
لا تمثل ذكرى قصف مدينة حلبجة بالاسلحة الكيمياوية مجرد حادثة مأساوية في تاريخ العراق المعاصر، بل تعد واحدة من ابشع الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين في الشرق الاوسط خلال القرن العشرين. ففي السادس عشر من آذار 1988 استخدم النظام البائد اسلحة كيمياوية محرمة دوليا ضد مدينة مأهولة بالسكان، ما ادى الى مقتل نحو خمسة آلاف مدني واصابة الآلاف خلال ساعات قليلة، في جريمة صنفت لاحقا ضمن جرائم الابادة الجماعية المرتبطة بحملات الانفال.
لكن مأساة حلبجة لا تكمن فقط في هول الجريمة، بل ايضا في الصمت الذي رافقها طويلا، خصوصا في الفضاء العربي، حيث لم تتحول تلك المأساة الى قضية رأي عام بحجمها الحقيقي، رغم انها شكلت صدمة انسانية للعالم كله. لقد كانت تلك الجريمة دليلا صارخا على مدى العنف الذي يمكن ان تبلغه الانظمة الاستبدادية عندما تتحول الدولة الى اداة للقمع والابادة.
لقد استهدفت حلبجة عمدا ضمن سياسة منظمة للقضاء على الوجود الكردي في مناطق واسعة من كردستان العراق. ولم يكن استخدام الاسلحة الكيمياوية مجرد قرار عسكري عابر، بل كان جزءا من استراتيجية ابادة اعتمدها النظام السابق في ما عرف بحملات الانفال، التي استهدفت القرى والمدن الكردية وادت الى مقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف.
واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الجريمة، ما يزال جرح حلبجة حاضرا في الذاكرة الوطنية الكردية، بوصفه شاهدا على مرحلة مظلمة من تاريخ العراق. ولن يندمل هذا الجرح بالكامل الا عندما يتحول الاعتراف بالمأساة الى سياسات حقيقية تعالج آثارها وتعيد الاعتبار لضحاياها.
وفي هذا السياق يكتسب قرار تحويل حلبجة الى محافظة عراقية دلالة تتجاوز البعد الاداري. فالعراق يضم العديد من الاقضية والنواحي التي تفوق حلبجة مساحة وسكانا، ومع ذلك لم تتحول الى محافظات. ولهذا فإن القرار يحمل معنى سياسيا ورمزيا عميقا، مفاده ان العراق الجديد يسعى الى الاعتراف بما جرى في حلبجة بوصفه جريمة كبرى في تاريخه الحديث، وان الدولة قررت تحويل هذا الاعتراف الى خطوة مؤسساتية تعكس اختلاف المرحلة الراهنة عن زمن الدكتاتورية.
إن تحويل حلبجة الى محافظة ليس مجرد اجراء تنظيمي، بل هو رسالة سياسية واخلاقية. رسالة الى مواطني كردستان بأن الدولة العراقية تعترف بآلامهم وبالتضحيات التي قدموها، ورسالة ايضا الى المجتمع العراقي كله بأن زمن الانكار والتجاهل قد انتهى، وان بناء دولة عادلة يمر عبر الاعتراف بالاخطاء التاريخية ومعالجتها بشجاعة.
غير ان الرمزية وحدها لا تكفي. فتحويل حلبجة الى محافظة يضع على عاتق الدولة العراقية مسؤوليات كبيرة، تبدأ بتخصيص ميزانيات تنموية تليق بما قدمته هذه المدينة من تضحيات، ولا تنتهي عند وضع خطط استراتيجية لاعمارها وتحويلها الى نموذج للتنمية والازدهار في كردستان والعراق.
كما ان هذا القرار يجب ان يكون جزءا من رؤية اوسع تقوم على احترام الحقوق الدستورية لاقليم كردستان، وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها تطبيق المادة 140 من الدستور، وتعزيز الشراكة الوطنية بوصفها اساس استقرار العراق.
كما ان العراق مدعو للعمل مع المجتمع الدولي من اجل اعتماد يوم قصف حلبجة بالاسلحة الكيمياوية يوما عالميا لمناهضة جرائم الابادة الجماعية، والسعي الى توسيع الاعتراف الدولي بجرائم الانفال وقصف حلبجة بوصفها جرائم ابادة جماعية مكتملة الاركان.
وعلى الصعيد الكردستاني، فان تضميد الجرح لا يتحقق فقط عبر الاعتراف الخارجي، بل يتطلب ايضا تعزيز وحدة الصف الكردي، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وبناء شراكة حقيقية في ادارة مؤسسات الاقليم، مع توحيد الخطاب والموقف في التعامل مع بغداد ضمن اطار الدستور والقانون.
إن حلبجة ليست مجرد مدينة في ذاكرة المأساة، بل يمكن ان تتحول الى رمز اخلاقي وسياسي لعراق مختلف، عراق يعترف بآلام ماضيه ليبني مستقبلا اكثر عدلا. فحين تتحول الذاكرة الى مسؤولية، وحين يصبح الاعتراف مقدمة للعدالة، عندها فقط يمكن القول إن جرح حلبجة بدأ يلتئم، وإن المأساة تحولت الى درس تاريخي يمنع تكرارها.
وفي هذا المعنى، تبقى حلبجة اختبارا دائما لضمير الدولة العراقية: هل تبقى مجرد ذكرى مؤلمة تستعاد كل عام، ام تتحول الى مشروع وطني للعدالة والاعتراف والانصاف؟