الشيخ مقصود والأشرفية.. ملاحم الصمود إلى مواجهة التهجير
١٠ يناير ٢٠٢٦
بين ركام التاريخ وصمود الجغرافيا، ينهض حيّا الشيخ مقصود والأشرفية كشاهدين على إرادة شعبية لا تقبل الانحناء أمام عواصف الزمان.
خمسة وعشرون عاماً من الحصار والقصف والنار لم تزد الكورد فيها إلا صلابةً، محولين أزقة هذه الأحياء إلى قلاع حصينة للكرامة. إنها ملحمة شعبٍ آمن بأن الإرادة تفعل المستحيل، فصاغ من النفير العام دستوراً للبقاء في وجه الطغاة.
في هذا التقرير سنستعرض مسيرة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب منذ عام 2001 حتى مطلع 2026، لنتحدث عن أبرز محطات النضال ضد القمع الأمني البعثي وانتفاضة 2004، والتحول الاستراتيجي مع انطلاق الأزمة السورية، وتشكيل وحدات حماية الشعب والمرأة، والتصدي لهجمات المرتزقة والحصار الخانق والهجمات الكيماوية عام 2016.
إلى جانب تسليط الضوء على أوضاع هذه الأحياء بعد سقوط نظام البعث وتولي حكومة مؤقتة تديرها هيئة تحرير الشام ومجموعات مرتزقة تابعة لتركيا وصولاً إلى اتفاقات 10 آذار والأول من نيسان 2025، والهجمات الحالية لمرتزقة الحكومة المؤقتة على هذه الأحياء وتمسّك الأهالي بخيار المقاومة والنفير العام.
حلب.. الفسيفساء التي لا تنكسر
تُعد مدينة حلب واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، وهي ليست مجرد مركز اقتصادي، بل هي لوحة فسيفسائية بشرية تعايشت فيها الأعراق والأديان لقرون. إلا أن حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، يمثلان حالة استثنائية في الذاكرة السورية المعاصرة. فهذان الحيان اللذان كان يقطنهما نحو 800 ألف نسمة (وفق إحصاءات 2010)، غالبيتهم من الكورد مع وجود عربي وتركماني وأرمني، تحولا من مناطق سكنية عشوائية نشأت نتيجة الهجرات الريفية، إلى قلاع حصينة للمقاومة والوعي السياسي.
ويتربع الشيخ مقصود على قمة تل استراتيجي يشرف على معظم أحياء حلب، ما منحه ثقلاً عسكرياً جعل منه مطمعاً لكل القوى المتصارعة خلال سنوات الأزمة السورية.
المقاومة في حلب.. صرخة الفجر قبل الثورة (2001 - 2010)
لم تبدأ مقاومة حيي الشيخ مقصود والأشرفية مع انطلاق الأزمة السورية عام 2011، بل كانت جذورها ضاربة في عمق الصراع مع نظام البعث الاستبدادي. فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديداً في 15 شباط 2001، شهد حي الشيخ مقصود أول تظاهرة علنية كبرى. انطلق الآلاف من منطقة "الشقيف" باتجاه "شارع عشرين"، منددين بالمؤامرة الدولية ضد القائد عبد الله أوجلان.
كانت هذه المواجهة هي الأولى في عهد بشار الأسد، حيث واجهتها أجهزة المخابرات الجوية والأمن العسكري بعنف مفرط، واعتقلت العشرات من الشبان الذين تعرضوا لتعذيب وحشي في الأقبية الأمنية.
انتفاضة 2004: الدماء ترسم حدود الهوية
في 12 آذار 2004، اشتعلت شرارة الانتفاضة في قامشلو، ولم يتأخر أبناء الشيخ مقصود والأشرفية عن تلبية النداء. فرض النظام البعثي حصاراً خانقاً وحظر تجوال استمر لأكثر من أسبوع، طال حتى الصيدليات والمراكز الطبية.
وفي 16 آذار 2004، ارتكبت قوات الأمن مجزرة عند منطقة "المثلث" في الأشرفية، حيث استخدم الرصاص الحي لتفريق اعتصام سلمي، ما أدى لاستشهاد الشابين "آري فوز ولو" و"جلال إبراهيم" والمواطنة "فريدة أحمد". فتحول الاعتصام إلى انتفاضة حجارة، أدت لمقتل قائد قوات مكافحة الشغب وحرق آليات أمنية.
وفي 20 آذار 2004، تحدى الآلاف الحصار وخرجوا في تظاهرة "نوروز" التي أجبرت الأمن على التراجع. وفي 26 آذار 2004، أضرم المناضل "يكتا هركول" النار في جسده بساحة سعد الله الجابري بقلب حلب، احتجاجاً على القمع، ليصبح أيقونة خالدة للمقاومة.
واستمرت الحالة الصدامية؛ ففي 12 آذار 2005، تجددت المواجهات لإحياء ذكرى الشهداء، واعتقل نظام البعث المئات من الأشخاص.
وفي 27 كانون الأول 2007، هاجم الأمن تظاهرة في "سوق الخضرة" بالأشرفية، وزجّ بالشبان في السجون بتهمة "اقتطاع أراضي سورية"، ولا يزال مصير بعضهم مثل "صفقان" و"شكري" مجهولاً حتى يومنا هذا.
وفي آذار 2009، اندلعت حرب شوارع حقيقية بعد هجوم الأمن على محتفلين بالنوروز في الرقة، حيث ردّ أبناء حلب بحرق عربات الأمن وقلبها في الشوارع.
مرحلة الإعداد للثورة وبناء الذات (2011 - 2012)
ومع بداية عام 2011، دخلت سوريا مرحلة تاريخية جديدة. وبينما كانت مدينة حلب متأخرة في الالتحاق بالاحتجاجات، كان الشيخ مقصود والأشرفية يسبقان الجميع بالتنظيم. في أيلول 2011، تم افتتاح "مركز الثقافة والفن الديمقراطي" في الشيخ مقصود شرقي، وهو أول مؤسسة كردية علنية تتحدى قانون الطوارئ.
وفي تشرين الأول 2011، جرت انتخابات المجالس الشعبية التي أفرزت "مجلس شعب غرب كردستان" برئاسة "سينم محمد".
الدفاع المشروع ومواجهة الشبيحة
وفي 14 كانون الثاني 2012، استشهد أحد مؤسسي وحدات حماية الشعب الشهيد خبات ديرك، وشكّل تشييعه في حلب، الذي انطلق من مشفى عثمان بالأشرفية، مظاهرة مليونية هزت أركان النظام. لم يتحمل النظام هذا التنظيم، فحرك عائلات "الشبيحة" مثل عائلة "البكاري". وفي 10 آذار 2012، أطلق الشبيحة النار على عضوة اتحاد ستار (مؤتمر ستار حالياً) "كوله سلمو"، التي استشهدت في 13 آذار، لتندلع شرارة تطهير الحيين من الشبيحة.
وفي 10 نيسان 2012، ثم في 9 و10 أيار 2012، جرت معارك طاحنة ضد عائلة "أبو عارف" في الشيخ مقصود شرقي، انتهت بطرد جميع الفلول الأمنية وتشكيل "لجان الحماية المدنية".
توّج هذا التنظيم في تموز 2012 بتشكيل "لواء شهداء الأشرفية" و"لواء مقاومة الشيخ مقصود"، تزامناً مع انطلاق ثورة 19 تموز في روج آفا.
وفي 27 تموز 2012، نفذت الوحدات عملية "انتقام الطحين" ضد حواجز النظام في السكن الشبابي ودوار الجندول، رداً على استهداف قافلة إغاثية، وقتل في العملية أكثر من 20 عنصراً من قوات النظام البعثي.
سنوات النار.. الحصار والكيماوي (2013 - 2016)
عام 2013 كان عام الاختبار القاسي؛ حيث واجه الحيان هجمات مزدوجة من النظام والمجموعات المسلحة المتشددة التي تحولت الآن إلى مرتزقة. ففي 29 آذار 2013، بدأ النظام هجوماً جوياً واسعاً استمر حتى 17 نيسان. وفي 10 نيسان 2013، استهدف طيران النظام البعثي الحي بالقنابل العنقودية، مما أدى لاستشهاد 15 مدنياً.
وفي 13 نيسان 2013، ارتكب النظام جريمة حرب باستخدام غاز "السيانيد" السام، ما أدى لاستشهاد 3 مدنيين وتسمم 16 آخرين.
وفي المقابل، بدأ مرتزقة "خالد حياني" (لواء شهداء بدر) هجوماً وحشياً في 25 نيسان 2013 على السكن الشبابي، واختطفوا ممرضات وقتلوا مدنيين تحت التعذيب، لكن وحدات حماية الشعب طردتهم في معارك بطولية استشهد فيها القيادي "زهر الدين خليل".
وفي حزيران 2013، هاجم ائتلاف فصائل (جبهة النصرة، لواء التوحيد، وأحرار الشام) الحي، لكنهم انكسروا أمام صمود المقاتلين.
وفي أيلول 2014، ومع هجوم مرتزقة داعش على كوباني، توجهت نخبة مقاتلي حلب للمشاركة في المقاومة هناك، ونقلوا خبرة حرب الشوارع التي اكتسبوها في أزقة حلب.
وفي 3 شباط 2015، استشهدت أول مقاتلة من وحدات حماية المرأة YPJ في حلب، "جاندا ولات"، إثر قصف على السكن الشبابي.
وفي 2 أيار 2015، تشكلت ما تسمى غرفة عمليات "لبيك يا أختاه" بقيادة جبهة النصرة لغزو الحي، لكن في 28 أيار 2015، سحقت الوحدات هذا الهجوم وكبدت المرتزقة خسائر فادحة.
2016: ملحمة كسر الحصار
وبعد ذلك بدأ حصار شامل على حيي الشيخ مقصود والأشرفية وتحديداً في 22 أيلول 2015، وتفاقم أكثر في 2016. وفي 20 شباط 2016، أعلنت حركة المجتمع الديمقراطي النفير العام. وفي 8 آذار و7 و8 نيسان 2016، تعرّض الحي للقصف بالمواد الكيماوية من قبل مرتزقة جيش الإسلام الذين اعترفوا بذلك رسمياً. وفي أيار 2016، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً يدين المرتزقة بقتل 83 مدنياً بينهم 30 طفلاً في الشيخ مقصود.
وفي 7 أيلول 2016، استشهد الطبيب الجراح الوحيد في الحي، "شاهد جميان"، في قصف غادر. وانتهت هذه الحقبة في تشرين الثاني 2016 بتحرير وحدات حماية الشعب لستة أحياء شرقية (بستان الباشا، الهلك، بعيدين، الحيدرية، الشيخ خضر، الشيخ فارس)، ليعلن الحي انتصاره النهائي على المرتزقة.
سوريا الجديدة.. من سقوط الأسد إلى مواجهة التهجير القسري (2024 - 2026)
دخلت الأزمة السورية مرحلة الحسم بعد توافق دولي على إسقاط هذا النظام والتخلص من أذرع إيران في البلاد، ففي 27 تشرين الثاني 2024 أطلقت هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة سابقاً، ما تسمى عملية "ردع العدوان". ومع السقوط المتسارع لنظام بشار الأسد بناء على توافق دولي في 8 كانون الأول 2024، حافظت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية على خصوصيتها الأمنية.
وفي 10 آذار 2025، وقّع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية "مظلوم عبدي" اتفاقاً تاريخياً مع رئيس الحكومة المؤقتة "أحمد الشرع". تبع ذلك اتفاق محلي في 1 نيسان 2025، نص على بقاء قوى الأمن الداخلي "الأسايش" في الحيين، وخروج قوات سوريا الديمقراطية بسلاحها الثقيل لضمان عدم التصادم.
عدوان كانون الثاني 2026: النفير العام مرة أخرى
لكن المجموعات المرتزقة ومن ورائهم دولة الاحتلال التركي التي ظلت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية غصة في حلقومهم، لم يتوقفوا عن استهداف الحيين، ففي الربع الأخير من عام 2025، بدأت تلك المجموعات المرتزقة في الحكومة المؤقتة والتي تدربت على يد دولة الاحتلال التركي بفرض حصار جائر وتكرار الهجمات على الحيين.
ومع مطلع العام الحالي 2026، وتحديداً في 6 كانون الثاني 2026، شنت مرتزقة الحكومة المؤقتة بدعم وإدارة مباشرة من الاحتلال التركي، هجوماً واسعاً بالأسلحة الثقيلة والطيران المسيّر على الحيين. حيث استهدف القصف مشفى "عثمان" ومشفى "الشهيد خالد فجر"، مما أخرجهما عن الخدمة تماماً كما استهدف القصف منازل المدنيين بشكل مباشر في جريمة حرب مكتملة الأركان، وأسفر العدوان حتى الآن عن استشهاد أكثر من 25 مواطناً وإصابة أكثر من 100.
ورداً على هذه المجازر، وتفادياً لتكرار ما حدث في الساحل السوري خلال شهر آذار 2025 ومجازر السويداء وأشرفية صحنايا في تموز 2025 التي ارتكبها مرتزقة الحكومة المؤقتة بحق المكونات السورية المختلفة معها دينياً وقومياً، أعلنت إدارة أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في 9 كانون الثاني 2026 حالة النفير العام، مؤكدة تمسكها بالبقاء ورفض التهجير القسري.
الجغرافيا تهزم السياسة
إن قصة الشيخ مقصود والأشرفية هي قصة شعب رفض الانحناء للعواصف. من عام 2001 وحتى 2026، ظلت هذه الأحياء "الرئة" التي تتنفس منها حلب الكرامة. إن صمود هذه الأحياء اليوم هو صمود لمشروع الأمة الديمقراطية في وجه مشاريع الاحتلال والتقسيم، وهي رسالة للعالم بأن الخرائط التي تُكتب بالدم والوعي الشعبي لا يمكن محوها بجرة قلم سياسي.



