تضع تحذيرات وزارة الصحة بشأن داء الكلب، وتأكيدها أنّ اللقاح متوفر وأنّ الوقاية تكون ممكنة فقط خلال الساعات الأولى بعد التعرّض للعضّة، ملفّ الكلاب السائبة في واجهة الاهتمام من جديد. فالمشهد لم يعد مجرّد انزعاج من أصوات النباح ليلا أو قطعان تجوب الأزقّة، بل تحوّل إلى قضية صحية وأمنية مرتبطة بإصابات خطرة وحالات وفاة مسجّلة في أكثر من مدينة، في وقت تواصل فيه أمانة بغداد تنفيذ حملات واسعة للإبادة، فيما تختبر مدن أخرى مثل خانقين مقاربات مختلفة لإبعاد الكلاب عن الأحياء السكنية.

معطيات صحية: لقاح متوفر وساعات حاسمة بعد العضّة

تشير دوائر وزارة الصحة إلى أنّ داء الكلب ما يزال أحد أخطر الأمراض الفيروسية المرتبطة بعضّات الكلاب السائبة، مع التأكيد على أنّ اللقاح الوقائي متوفر في المؤسسات الصحية، وأنّ فاعليته ترتبط مباشرة بسرعة مراجعة المصاب للمراكز الصحية بعد التعرّض. ووفق الإرشادات الطبية، فإنّ الساعات الأولى بعد العضّة تُعدّ حاسمة في منع تطوّر المرض، ما يعني أنّ أي تلكّؤ في طلب العلاج أو التقليل من خطورة الحادثة، قد يتحوّل إلى تهديد حقيقي لحياة المصاب، خصوصا في المناطق التي تشهد كثافة في أعداد الكلاب السائبة، وعلى تماس يومي مع الأطفال وطلبة المدارس وسكّان الأحياء الطرفية.

أمانة بغداد: أكثر من 19 ألف كلب سائب أُبيدت خلال أحد عشر شهرا

على مستوى العاصمة، تعكس إحصائية أمانة بغداد حجم المشكلة وضغطها على الأحياء السكنية. فقد أعلنت الأمانة، أنّ دوائرها البلدية نفّذت منذ 1 كانون الثاني وحتى 30 تشرين الثاني 2025 ما مجموعه 1562 حملة لمكافحة الكلاب السائبة، أسفرت عن إبادة 19,386 كلبا في مختلف مناطق بغداد.

المتحدّث باسم الأمانة، عدي الجنديل، أوضح في تصريح صحفي، أنّ تنفيذ هذه الحملات يتمّ عبر جميع التشكيلات البلدية، وبالتنسيق مع وزارة الداخلية ودائرة البيطرة، مبينا أنّ الأمانة تكفّلت بتوفير وشراء الخراطيش اللازمة، فيما جرت مفاتحة وزارة الداخلية لتنسيب رماة مختصّين، إضافة إلى حضور ممثل عن دائرة البيطرة في أثناء التنفيذ. وبعد عمليات الإبادة، يتم رفع الكلاب النافقة ونقلها إلى مواقع الطمر الصحي المخصّصة في منطقتي النباعي والنهروان، في محاولة للحدّ من أي تبعات بيئية أو صحية إضافية.

هذه الأرقام تعني، عمليا، أنّ ظاهرة الكلاب السائبة ليست محدودة بحيّ أو اثنين، بل هي مشكلة موزّعة على خريطة العاصمة، وتتطلّب جهدا مستمرا يوميا تقريبا، بحسب ما تشير إليه الأمانة عبر استمرار عمل شعب البيئة والمخلّفات الصلبة في الدوائر البلدية لملاحقة الزيادات المتواصلة في أعداد الكلاب.

خانقين نموذجا: محمية خارج المدن وتعاون مجتمعي

في محافظة ديالى، سجّل قضاء خانقين تجربة مختلفة في التعامل مع المشكلة نفسها، لكن بأدوات أخرى. مدير بلدية خانقين، مجبل الكروي، أوضح في حديث لـ"بغداد اليوم"، في وقت سابق، أنّ البلدية أطلقت أول محمية للكلاب السائبة خارج المدينة، بجهود ذاتية ومن دون أعباء مالية كبيرة، عبر إنشاء موقع خاص تُنقل إليه الكلاب التي يتم جمعها من داخل الأزقّة والأحياء السكنية.

الكروي أشار إلى أنّ المرحلة الأولى من المشروع شملت توفير ثلاث مصائد خاصة، تُستخدم لجمع الكلاب تباعا ونقلها إلى موقع المحمية، مع تنسيق مع الأهالي والناشطين لتأمين الاحتياجات الأساسية من ماء وغذاء بجهود تطوعية. هذه الخطوة جاءت بعد تزايد شكاوى المواطنين في خانقين من انتشار الكلاب داخل الأحياء، والحاجة إلى حلّ يخفّف الضغط عن السكّان، ويُبعد الكلاب عن مراكز التجمع البشري.

الناشط المدني محمد القيسي من جانبه، أشار إلى أنّ ظاهرة الكلاب السائبة باتت من أبرز التحديات في مراكز المدن في ديالى، سواء في خانقين أو بعقوبة، لافتا إلى تسجيل مئات الهجمات سنويا طالت أطفالا ونساء وشبانا، وتسببت بإصابات بعضها خطير، فضلا عن تسجيل حالتي وفاة لطفلين خلال الأشهر الماضية نتيجة هجمات كلاب سائبة. هذه المعطيات الميدانية تعطي صورة واضحة عن حجم الخطر في المدن خارج بغداد أيضا، وتربط مباشرة بين الظاهرة وملف السلامة العامة وداء الكلب.

استنتاجات أولية: ملف واحد بأدوات مختلفة وحاجة إلى تنسيق أوسع

المعطيات المتوفّرة من بغداد وديالى، إلى جانب تحذيرات وزارة الصحة، تشير إلى أنّ ملف الكلاب السائبة لم يعد قضية خدمية محصورة بعمل الأمانات والبلديات، بل أصبح ملفا مركّبا يلامس الصحة العامة والأمن المجتمعي، ويتطلّب تنسيقا واضحا بين أمانة بغداد والبلديات في المحافظات ووزارة الصحة ودائرة البيطرة ووزارة الداخلية.

ففي العاصمة، تكشف أرقام حملات الإبادة عن ضغط كبير على أجهزة الأمانة، وحجم انتشار واسع للكلاب السائبة داخل الأحياء، بما يفرض استمرار العمل الميداني اليومي. وفي خانقين، تظهر تجربة المحمية كمحاولة مختلفة لتنظيم وجود الكلاب وإبعادها عن مراكز المدن. وبين هذين المسارين، يظلّ العامل الحاسم صحيا هو استجابة المواطنين السريعة بعد أي تعرّض للعضّ أو الخدش، عبر مراجعة المراكز الصحية للحصول على لقاح داء الكلب خلال الساعات الأولى.

بهذه الصورة، يتبلور أمام الجهات المعنية مسار مزدوج: استمرار المعالجات الميدانية على الأرض للحدّ من انتشار الكلاب السائبة في الأحياء، مع ربطها بخطط توعية صحية واضحة حول مخاطر داء الكلب وآليات الوقاية منه، وتوثيق دقيق لحالات الهجوم والإصابة، بما يسمح ببناء قاعدة بيانات تساعد لاحقا في توجيه الحملات والبرامج إلى المناطق الأكثر خطورة واحتياجا.