“تفاجأت عندما رأيت الصور، فهي لا تشبه مجتمعنا أبداً”، يقول كريم الزيدي، صاحب محل للحلويات في بغداد. لكن ما بدا مفاجئاً له لم يكن مجرد لقطة عابرة على منصات التواصل، بل مؤشراً على تحوّل اجتماعي يتقدّم بهدوء داخل مجتمع اعتاد لعقود طويلة على منظومة ثابتة تحكم طقوس الحداد. فظهور ما يعرف بـ“كيكة المرحوم” كشف فجوة متزايدة بين الموروث العراقي القائم على الوقار والالتزام بالتقاليد الصارمة، وبين موجة من العادات الهجينة التي تولد رقمياً، ثم تجد طريقها إلى المجال العام عبر منصات لا تعترف بالحدود الثقافية.

ورغم محدودية انتشار هذه الحالات، إلا أن ردود الفعل الواسعة التي أثارتها تشير إلى حساسية عميقة لدى المجتمع العراقي تجاه كل ما يمسّ طقوس الموت. فالموت في العراق ليس حدثاً عائلياً فقط، بل هو جزء من نظام اجتماعي متماسك، تحكمه قواعد اجتماعية ودينية متراكمة منذ قرون. ومنذ اللحظة الأولى للوفاة، تبدأ طقوس محددة لا يتجاوزها أحد تقريباً: الفاتحة، أيام العزاء، الزيارة، قراءة القرآن، توزيع الطعام، واستذكار الميت بعبارات الرحمة والدعاء. هذه الطقوس ليست مجرد إجراءات، بل آليات اجتماعية لإعادة بناء التوازن داخل الجماعة ومشاركة الحزن دون الدخول في أشكال غير مألوفة من التعبير.

على النقيض من ذلك، تأتي “كيكة المرحوم” من عالم مختلف تماماً. عالم يعتمد على الصورة والغرابة والصدمة لجذب الانتباه، ويعمل وفق منطق “منشور ينتشر خلال ساعات”. ولأن هذه البيئة الرقمية لا تحمل حساسية ثقافية أو خصوصية اجتماعية، فإن الفجوة بينها وبين الموروث العراقي تبدو واضحة. ويؤكد الزيدي أن هذه الممارسات “لا تخرج من سياق احترام الميت فحسب، بل تدخل منطقة يعتبرها العراقيون خطاً أحمر، لأن الرموز المرتبطة بالموت لها مكانة خاصة لا تُمسّ”.

هذه القراءة يوافقها المختص الاجتماعي والنفسي إبراهيم العزي، الذي يرى أن الظاهرة مهما كانت محدودة، فإنها تكشف تأثيراً قوياً للعالم الرقمي في سلوكيات جيل جديد لم يعد يكتفي بالطقوس التقليدية، أو ربما لا يدرك قيمتها الاجتماعية والنفسية. ويشير العزي إلى أن التحولات التي يمر بها المجتمع العراقي خلال العقدين الأخيرين—بسبب التكنولوجيا، والهجرة، والانفتاح على المحتوى الغربي—أنتجت ما يصفه بـ“عادات هجينة”، لا هي جزء من التراث المحلي ولا تعكس منظومة قيم مستقرة.

ويضيف العزي أن “طقوس الموت في العراق ليست مناسبات يمكن التلاعب بأشكالها، لأنها ترتبط بالمشاعر الدينية والذاكرة الجمعية. أي إضافة غريبة تُفسَّر فوراً على أنها تجاوز، حتى لو كان صاحبها لا يقصد الإساءة”. ويشير إلى أن استذكار الميت في المجتمعات العربية يقوم على مفهوم الرحمة، لا على إعادة تقديم الحزن بصيغة أقرب إلى الاحتفال.

لكن خلف النقاش حول “كيكة المرحوم” تكمن قضية أعمق: التنافس بين نمطين من السلوك الاجتماعي. الأول، وهو الموروث التقليدي، يعتمد على الجماعة، وعلى طقوس ثابتة تمنح الفرد مكانته داخل المجتمع. والثاني، وهو النمط الرقمي الجديد، يعتمد على الفرد وعلى إنتاج محتوى يثير الانتباه ولو كان على حساب القيم الراسخة.

هذا التحوّل لا يرتبط فقط بمسألة “كيكة” أو صورة مفاجئة، بل يتصل بجملة من السلوكيات التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة، مثل توثيق مشاهد العزاء، تحويل لحظات الحزن إلى محتوى مرئي، أو المبالغة في التعبير الرقمي عن الألم. كلّها دلائل على أن العلاقة بين العراقيين وطقوسهم الاجتماعية تمر بمرحلة إعادة تشكّل، بفعل التأثيرات المتسارعة للعالم الافتراضي.

ورغم ذلك، يؤكد العزي أن هذه الممارسات “لن تتحول إلى ظاهرة” لأنها تصطدم بجدار صلب من الرفض الاجتماعي. فالمجتمع العراقي لا يزال ممسكاً بثوابته، ويعتبر أن الموت مجال لا يُمسّ، ومحاط بحساسية تتجاوز أي محاولة للابتكار أو التغيير. ويضيف أن هذه “العدسات الرقمية” مهما حاولت خلق عادات جديدة، فإنها ستظل محصورة ضمن دائرة المحتوى العابر.

وبين موجات السخرية ورفض الجمهور، تبدو “كيكة المرحوم” مجرد مظهر جانبي لتحول أكبر: صراع بين موروث اجتماعي متجذر يرفض العبث برموزه، وبين عالم رقمي يفرض أنماطاً جديدة من التعبير لا تستند إلى قيم محلية ولا تحترم حدود الحزن العراقي. وفي ظل هذا الصراع، يظل السؤال مطروحاً: هل ستبقى هذه الممارسات مجرد استثناءات، أم أنها بداية لانزياح أكبر في شكل الطقوس الاجتماعية؟

“الموت له مكانته وله احترامه، وما يصير نخلطه بشيء يشبه الفرح”، بهذه الجملة ختم ولخص صاحب محل الحلويات المسافة بين الموروث الذي يحاول البقاء، والممارسات التي تحاول الظهور. وبين الاثنين، يستمر المجتمع في الدفاع عن طقوسه القديمة لأنها ليست مجرد عادات، بل جزء من هويته التي لا يريد أن يخسرها أمام موجة السلوكيات الرقمية الجديدة.