في قلب السودان، حيث تتقاطع الهويات وتتداخل الثقافات، يبرز حضور هادئ لكنه راسخ لمكوّنٍ ظلّ جزءاً من تاريخ البلاد دون ضجيج… كورد السودان.

ليسوا جالية عابرة، ولا ضيوفاً مؤقتين؛ بل صفحاتٌ حقيقية في كتاب السودان الاجتماعي، كتبتها الهجرات القديمة، وصبغها الانتماء، وثبّتها الزمن.

هجرة ولّدت انتماءً… لا مجرد وجود

يروي التاريخ أنّ أولى جذور الكورد في السودان تعود إلى فترات الحكم العثماني والمصري، حين وصلت مجموعات من الجنود والتجار، ثم استقروا في مدن متعددة، وتحوّل الوجود الفردي إلى مجتمعٍ كامل عبر العقود.
ومع الزمن، لم يبقَ الكورد مجرد “مهاجرين”، بل صاروا جزءاً من روح السودان، يشاركونه تحولات القرن وتقلّبات السياسة وتشكّل المدن.

تجمع صغير… لكنه حاضر في ملامح العاصمة

في الخرطوم وأم درمان والأبيض وبورتسودان، يتضح أثر الكورد في الأسواق القديمة، والحرف، والتجارة، والعلاقات الاجتماعية.

ورغم قلّة عددهم، فإن حضورهم يتجاوز حجمهم، هنا، لا تُقاس المجتمعات بالأرقام… بل بالبصمة، وبصمة كورد السودان لا تخطئها العين.

اندماج بلا تنازل… وهوية بلا صخب

استطاع كورد السودان أن يحققوا معادلة صعبة:
الاندماج الكامل دون فقدان الأصل، والحفاظ على الجذور دون الانزواء.
فاللغة الكردية ربما خفُت حضورها مع الزمن، لكنّ الروح بقيت حاضرة في العادات، وفي الإرث العائلي، وفي ملامح الانتماء التي تنتقل بهدوء بين الأجيال.

أدوار أكبر من الضجيج الإعلامي

شارك أفراد من كورد السودان في مؤسسات الدولة، وفي القطاعات التجارية والعسكرية والإدارية، لكن مساهماتهم لم تُسلّط عليها الأضواء بالشكل الكافي.
إنّهم نموذج للفكرة التي تقول: ليس المهم أن يُذكر اسمك في العناوين… المهم أن يبقى أثرُك في المجتمع.

تاريخ يحتاج إلى من يكتبه

ورغم ثقل هذه التجربة، لم تُوثّق بعد بالشكل الذي تستحقه.

فالدراسات الأكاديمية قليلة، والمصادر شحيحة، والاعتماد الأكبر ما زال على الذاكرة الشفوية.
وما لا يُكتب… قد يغيب.

لهذا يشير باحثون إلى ضرورة توثيق قصة كورد السودان بوصفها جزءاً لا يتجزأ من تاريخ البلاد الحديث.

كورد السودان ليسوا مجرد مكوّن صغير في دولة كبيرة…
إنهم حكاية انتماءٍ نادر، تبدأ من جبال كردستان وتنتهي في شوارع الخرطوم، حيث يكتب الناس تاريخهم الحقيقي: بالعمل، بالوجود، وبالوفاء للأرض التي آوتهم