جرت التقاليد لدينا كمسلمين على تكريم الموتى بدفنهم في مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف، وتسبق ذلك مراسم تشييع يحضرها الأهل والأقرباء، ثم إقامة مأتم للرجال والنساء يستمر ثلاثة أيام، وتتوالى زيارات المواساة، تليها مراسم الأربعينية، ثم الذكرى السنوية التي تجدد الحزن على الراحلين. هذا عرفٌ توارثناه من ديننا الحنيف ولا غرابة فيه.

لكن الغريب، بل الذي لم يشهد له البشر مثيلاً، هو ما حدث للكورد الفيليين على يد أعتق نظام دكتاتوري عرفته البشرية؛ ففي ليلة وضحاها ودون سابق إنذار، ودون أي ذنب سوى أنهم عراقيون، كورد، ومسلمون شيعة، ساهموا بفعالية في اقتصاد العراق، كانت جريمتهم التي عوقبوا عليها بالتهجير، ومصادرة الأموال، والإلقاء بهم على الحدود العراقية الإيرانية -رجالاً ونساءً وأطفالاً ومسنين- دون شفقة أو رحمة، حيث قضى بعضهم نحبه تحت تلك الظروف القاسية.

ولم يكتفِ الجلادون بذلك، بل عزلوا الشباب ممن لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من أعمارهم، ليزجوا بهم في دهاليز السجون المظلمة؛ إذ اختفى أكثر من اثنين وعشرين ألفاً من شباب الكورد الفيليين بين سجني أبو غريب ونقرة السلمان، حيث أُعدموا بوحشية، وجُرِّبت عليهم الأسلحة الكيماوية التي استُخدمت فيما بعد بحق أهلنا في حلبجة.

لقد اختفى شبابنا كأنهم لم يكونوا، وتلاشت أجسادهم، وبقيت حسرة الفراق تلازم عوائلهم التي حُرِمت حتى من شاهد على قبرٍ يستذكرون عنده لحظات الوداع التي سُلبت منهم.

ورغم مرور كل هذه السنوات على سقوط النظام، ووجود مؤسسة للشهداء ومنظمات اكتشفت الكثير من المقابر الجماعية، إلا أنه لم يُعثر -للأسف- على رفات شباب الكورد الفيليين.

لقد قالت إحدى الأمهات اللواتي وافتهن المنية بعد طول انتظار قبل رحيلها: لقد كنا نسمع أن للموتى قبوراً، لكن أبناءنا طُردوا من منازلهم التي سكنها الجلادون، فهل سيكون لهم قبر أشم ترابه؟ لكن عزاءها الوحيد كان أنها لحقت بابنها بعد فراق دام ثلاثين عاماً.