أعلنت الإدارة الأميركية عن إطلاق نموذج جديد للإرشادات الغذائية للأعوام 2025–2030 تحت مسمى “هرم الغذاء الحقيقي” ليحلّ محل الشكل الكلاسيكي لهرم الغذاء الذي أُقرّ في عام 1992. 
تشكل الإرشادات الغذائية الجديدة نقطة انعطاف واضحة في فلسفة التغذية الرسمية في الولايات المتحدة، حيث لا تكتفي هذه الوثيقة بتحديث التوصيات الغذائية، بل تعلن صراحةً ما تصفه بـ«إعادة ضبط جذرية» للسياسة الغذائية الفيدرالية، واضعةً مفهوم الغذاء الحقيقي (Real Food) في قلب الخطاب الصحي الوطني.
هذا التحول لا يأتي في فراغ، بل في سياق أزمة صحية موثقة، إذ تُنفق أمريكا قرابة 90% من نفقات الرعاية الصحية على الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، وعلى رأسها السمنة، والسكري من النوع الثاني (Type 2 Diabetes Mellitus)، وأمراض القلب الوعائية.
خطر النظام الغذائي القياسي:
تتبنى الوثيقة خطاباً غير معتاد في حدّته، إذ تُرجع التدهور الصحي الواسع الى ما تسميه النظام الغذائي الأميركي القياسي (Standard American Diet)، القائم على الأغذية فائقة المعالجة (Ultra-processed foods)، الغنية بالسكريات المضافة، والكربوهيدرات المكررة، والدهون غير الصحية، والملح الزائد، والمضافات الكيميائية.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في التشخيص، بل في الإقرار الضمني بفشل سياسات غذائية طويلة الأمد شجعت، بشكل مباشر أو غير مباشر، هذا النمط الغذائي، مقابل تهميش الوقاية الغذائية كأداة للصحة العامة.
تناول غذاءً حقيقياً: 
تعتمد الإرشادات الجديدة رسالة مركزية واحدة: العودة الى الغذاء الكامل غير المعالج، المبني على البروتينات عالية الجودة، ومنتجات الألبان كاملة الدسم، والخضروات، والفواكه، والدهون الصحية، والحبوب الكاملة.
تحليل هذه الرسالة يكشف محاولة واعية لتبسيط الإرشادات للجمهور، بعد عقود من توصيات معقدة لم تُترجم الى تحسّن صحي ملموس. غير أن هذا التبسيط لا يعني السطحية، بل يعكس توجهاً نحو إعادة بناء العلاقة بين الغذاء والصحة على أسس فسيولوجية وسلوكية أكثر واقعية.
إعادة الاعتبار للبروتين ومنتجات الألبان:
من أبرز ملامح التحول، التركيز الواضح على البروتين، مع تحديد مدخول يومي يتراوح بين 1.2–1.6 غرام/كغ من وزن الجسم، وهي أرقام تتجاوز التوصيات التقليدية السابقة، خاصةً عند البالغين وكبار السن.
كما تعيد الوثيقة الاعتبار الى منتجات الألبان كاملة الدسم (Full-fat dairy)، بعد سنوات من التحذير المفرط منها، معتبرة إياها مصدراً مهماً للبروتين، والفيتامينات الذائبة في الدهون، والمعادن. هذا التوجه يحمل دلالات سريرية مهمة، خاصة في الوقاية من الهزال العضلي (Sarcopenia) لدى كبار السن.
الدهون الغذائية: 
لا تنفي الإرشادات أهمية الحد من الدهون المشبعة، لكنها تربط ذلك عملياً بتقليل الأغذية فائقة المعالجة، بدلاً من شيطنة مصادر الدهون الطبيعية بحد ذاتها.
اللافت هو الإقرار الصريح بأن الأدلة العلمية حول «أفضل أنواع الدهون للصحة طويلة الأمد» ما تزال غير حاسمة، وهو طرح نادر في وثائق إرشادية رسمية، ويعكس توجهاً أكثر تواضعاً علمياً.
السكر المضاف والأغذية فائقة المعالجة: 
تتبنى الوثيقة موقفاً صارماً من السكريات المضافة والمحليات الصناعية، مؤكدة أن لا كمية آمنة أو موصى بها منها ضمن نظام غذائي صحي، مع تحديد سقف لا يتجاوز 10 غرامات من السكر المضاف في الوجبة الواحدة.
هذا الموقف له تبعات عملية على الصناعة الغذائية، وعلى الممارسات السريرية في تثقيف المرضى، خاصة مرضى السكري ومقاومة الإنسولين.
البعد العمري والسريري: 
تتميّز الإرشادات بتقسيمها الواضح حسب المراحل العمرية والحالات الخاصة، من الرضاعة المبكرة الى الشيخوخة.
وتؤكد الوثيقة أن كبار السن يحتاجون الى كثافة غذائية أعلى رغم انخفاض الحاجة الحرارية، مع التركيز على البروتين، وفيتامين B12، وفيتامين D، والكالسيوم، مع قبول مدروس لاستخدام الأغذية المدعّمة أو المكملات عند الحاجة وتحت إشراف طبي.